فضل شهر رمضان في المدلول القرآني والروائي

جعل الله سبحانه وتعالى شهر رمضان أَفضَلُ الشُّهُورِ وَأَيَّامُهُ أَفضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفضَلُ السَّاعَاتِ، أَنفَاسُكُم فِيهِ تَسبِيحٌ ...الخ كما ورد في بيان خطبة الرسول محمد(صلى الله عليه واله)، في خطبته، وهذا البيان المبارك، يميز شهر رمضان من بين الشهور الباقية، نزل القران الكريم فيه، كما ورود في محكم كتابه العزيز قال تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[1] ، فقد بين من خلال الآية المباركة بين (جل شأنه) معان كثيرة ومن تلك :التسمية للشهر(شهر رمضان)، ونزول القرآن ، وهدى الناس، والهدى والفرقان ، والشكر فيه...الخ)، وبين (عز وجل) من يشهد الشهر الفضيل فليصمه، وبيان أهمية الصيام فيه، ما ذكر في قوله سبحانه من مراده للناس هو تبيان كل شيء، في هذه الآية المباركة، ذكر المريض ، المسافر، اليسر، الهداية ، الشكر، و أن ما يلفت النظر إلى خطبة(صلى الله عليه واله) التي تخص الشهر الفضيل

ومالها من معاني كثيرة تحملها وبيان لكل صغيرة وكبيرة وجاء في نص بيان خطبت(صلى الله عليه واله) قائلا:

أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَد أَقبَلَ إِلَيكُم شَهرُ اللهِ بِالبَرَكَةِ وَالرَّحمَةِ وَالمَغفِرَةِ. شَهرٌ هُوَ عِندَ اللهِ أَفضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفضَلُ السَّاعَاتِ. هُوَ شَهرٌ دُعِيتُم فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ، وَجُعِلتُم فِيهِ مِن أَهلِ كَرَامَةِ الله. أَنفَاسُكُم فِيهِ تَسبِيحٌ، وَنَومُكُم فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُم فِيهِ مَقبُولٌ، وَدُعَاؤُكُم فِيهِ مُستَجَابٌ، فَاسأَلُوا اللهَ رَبَّكُم بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَن يُوَفِّقَكُم لِصِيَامِهِ، وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَن حُرِمَ غُفرَانَ الله فِي هَذَا الشَّهرِ العَظِيمِ. وَاذكُرُوا بِجُوعِكُم وَعَطَشِكُم فِيهِ، جُوعَ يَومِ القِيَامَةِ وَعَطَشَهُ....)[2].

 فيمكن القول يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يقرأ هذه الخطبة الكريمة الحكيمة، في كل عام عندما يقبل علينا شهر رمضان المبارك ة، ليأخذ العبرة والعبرة والموعظة، وليعلم الناس ما تضمنته الخطبة من أسرار وما لهذا الشهر العظيم، من فضائل وخيرات وبركات...الخ، وبحد ذاته تلبي أيها المؤمن أيتها المؤمنة هذا النداء الإلهي كما ورد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[3] ، وهذا نداء خص فيه عباده الذين امنوا، دون غيرهم، في صوم هذا الشهر الفضيل، ولهذا الشهر خصال كثيرة، ورد ذكرها في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه واله) قال: أُعطيت أمتي في شهر رمضان خمس خصال لم يُعطاها أحد قبلهن: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر له الملائكة حتى يفطر وتُصفّد فيه مردة الشياطين، فلا يصلوا فيه الى ما كانوا يصلون في غيره.

 ويزيّن الله عزّ وجلّ في كل يوم جنّته ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك. ويُغفر لهم في آخر ليلة منه. قيل يا رسول الله!.. أي ليلة ؟..القدر ؟..قال : لا ، ولكن العامل إنما يُوفّى أجره إذا انقضى عمله.[4]

وهذا بيان الله تعالى في الآيات المباركة وحديث رسوله(صلى الله عليه واله)، في أكرام أمته (صلى الله عليه واله).

 وروي أيضا عنه (صلى الله عليه واله) أنه قال: في فضل شهر رمضان: مَن أكثر فيه من الصلاة عليّ ثقّل الله ميزانه يوم تخفّ الموازين[5].

وفي رواية أخرى وردت عنه (صلى الله عليه واله) قال: فضل عليّ بن أبي طالب على هذه الأمة كفضل شهر رمضان على سائر الشهور[6].

سمي شهر رمضان وليس رمضان:

إن ما يلفت النظر إلى كثير من الناس تستخدم في لفظها يقولون (رمضان) وليس شهر رمضان، وهذا يخالف ما ورد في الأحاديث المباركة ونهى عنه(صلى الله عليه واله)، والسبب في النهي أسم رمضان هو من أسماء الله سبحانه وتعالى وهذا نهي ورد عن الرسول الأكرم بقوله (صلى الله عليه واله): لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا: شهر رمضان[7] .

ذكر في حديث عن الرسول محمد (صلى الله عليه واله) قال: إنما سمي الرمضان لأنه يرمض الذنوب [8].

وروي عنه (صلى الله عليه واله) قال: إن أبواب السماء تفتح في أول ليلة من شهر رمضان، ولا تغلق إلى آخر ليلة منه[9].

وقت الصيام في الآية الكريمة:

العناية الإلهية التي خص الله بها عباده في الصيام وبين بها موعد الإمساك وموعد الإفطار في هذا الشهر المبارك في بيان قوله تعالى: {.... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)}[10] .

فضل الدعاء الصدقة في شهر رمضان:

قال الإمام الصادق (عليه السلام): إذا رأيت هلال شهر رمضان، فلا تشر إليه بالأصابع، ولكن استقبل القبلة، وارفع يديك إلى السماء، وخاطب الهلال تقول: ربي وربك الله ربّ العالمين، اللهم!.. أهلّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والمسارعة إلى ما تحبّ وترضى، اللهم!.. بارك لنا في شهرنا هذا، وارزقنا عونه وخيره، واصرف عنا ضرّه وشرّه، وبلاءه وفتنته .[11]

عن الحسن بن علي الخزاز قال : دخلت على أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وسمعته يقول: معاشر شيعتي إذا طلع هلال شهر رمضان فلا تشيروا إليه بالأصابع، ولكن استقبلوا القبلة وارفعوا أيديكم إلى السماء وخاطبوا الهلال وقولوا: ( ربنا وربك الله رب العالمين اللهم اجعله علينا هلالا مباركا ووفقنا لصيام شهر رمضان وسلمنا فيه وتسلمنا منه في يسر وعافية واستعملناه فيه بطاعتك إنك على كل شيء قدير) فما من عبد فعل ذلك إلّا كتبه الله تبارك وتعالى في جملة المرحومين وأثبته في ديوان المغفورين ولقد كانت فاطمة سيدة نساء العالمين (عليها السلام) تقول ذلك سنة فإذا طلع هلال شهر رمضان فكان نورها يغلب الهلال يخفى فإذا غابت عنه ظهر[12].

روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله) قال: كلّ معروف صدقة إلى غنيّ أو فقير، فتصدّقوا ولو بشقّ تمرة[13].

وذكر (صلى الله عليه واله) في خطبته في فضل شهر رمضان: أيها الناس !..من فطّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشهر ، كان له بذلك عند الله عتق رقبةٍ ، ومغفرة لما مضى من ذنوبه .

قيل: يا رسول الله (صلى الله عليه واله) !..وليس كلنا يقدر على ذلك ، فقال (صلى الله عليه واله) : اتقوا النار ولو بشربةٍ من ماء[14].

قال الإمام الصادق (عليه السلام): من تصدّق في شهر رمضان بصدقةٍ، صرف الله عنه سبعين نوعاً من البلاء[15] .

قال الإمام الصادق (عليه السلام): أيما مؤمن أطعم مؤمناً ليلةً من شهر رمضان، كتب الله له بذلك مثل أجر من أعتق ثلاثين نسمة ًمؤمنةً، وكان له بذلك عند الله عزّ وجلّ دعوة مستجابة[16]

فضل زيارة سيد الشهداء(عليه السلام) في شهر رمضان

 ورد في الرواية المباركة ...  ابن قولويه عن محمد بن مروان، عن عبيد بن الفضل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من زار الحسين بن علي (عليهما السلام) في شهر رمضان ومات في الطريق لم يعرض ولم يحاسب وقيل له ادخل الجنة آمنا [17].

وعن علي بن موسى بن جعفر بن طاوس في كتاب الإقبال عن أبي المفضل الشيباني، عن شعيب بن محمد بن مقاتل، عن أبيه، عن الفتح ابن عبد الرحمن القمي، عن علي بن محمد بن فيض بن المختار، عن أبيه، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) انه سئل عن زيارة الحسين (عليه السلام) فقيل له: هل في ذلك وقت أفضل من وقت؟ فقال (عليه السلام) :

زوروه صلى الله عليه في كل وقت وفي كل حين فإن زيارته (عليه السلام) خير موضوع فمن أكثر منها فقد استكثر من الخير ومن قلل قلل له وتحروا بزيارتكم الأوقات الشريفة فإن الأعمال الصالحة فيها مضاعفة وهي أوقات مهبط الملائكة لزيارته، قال: فسئل عن زيارته في شهر رمضان؟ فقال: من جاءه (عليه السلام) خاشعا محتسبا مستقيلا مستغفرا فشهد قبره في احدى ثلاث ليال من شهر رمضان أول ليلة من الشهر وليلة النصف وآخر ليلة منه تساقطت عنه ذنوبه وخطاياه، -الحديث- وفيه ثواب جزيل [18].

الهوامش:-----

[1] -سورة البقرة، الآية:185.

[2] - الصدوق، عيون أخبار الرضا(عليه السلام)، ص295،1.

[3] - سورة البقرة، الاية:183.

[4] - الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة، ص90.

[5] - المجلسي ، العلامة محمد باقر، بحار الأنوار، ص 356، ج 93.

[6] - الصدوق، الامالي، ص534، المجلس 77.

[7] - المصدر نفسه.

[8] -الري شهري، العلامة الشيخ محمد، ميزان الحكمة، ص1116، ج 2.

[9] - الري شهري، العلامة الشيخ محمد، ميزان الحكمة، ص1116، ج 2.

[10] -سورة البقرة، الآية :187.

[11] - الصدوق، الهداية،ص428.

[12] -الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة، ص99.

[13] - الطوسي، العلامة محمد بن الحسن، الأمالي، 458 / 1023 المجلس السادس عشر.

[14] -الصدوق، عيون أخبار الرضا(×)،ص295، ج1.

[15] -المجلسي ، العلامة محمد باقر، بحار الأنوار ص179،ج93.

[16] - الحر العاملي، وسائل الشيعة، ص141،164، ج10.

[17] - ابن قولويه، كامل الزيارات، ص 330.

[18] -ابن طاووس، اقبال الاعمال،10.

: الشيخ غالب عبد الحسين نعيمة