ان هناك نصوص قرآنية وروائية عديدة تتحدث عن أصل العقيدة المهدوية وان هذه الأرض كما بدأت بالصالحين لابد ان تستمر وتنهي بمُلك ووراثة وخلافة الصالحين من الأنبياء والرسل والائمة صلوات الله عليهم وان الدين لابد ان يظهر في جميع انحاء العالم واليك بعض هذه النصوص التي تدل على ذلك:
الأول: آيات وراثة الصالحين للمستقبل الموعود
من الادلة التي تثبت اصل العقيدة المهدوية هي الآيات القرآنية بأن هذه الأرض لن تستمر بتسلط وحكم الظالمين والطغاة والجبابرة، وانما هناك مشروع مستقبلي حتمي ستُحكم به هذه الأرض على يد الصالحين الذين استضعفوا في الأرض، فهم الذين سيرثون هذه الأرض ويحكمونها الى نهاية الدنيا قال تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الأرض يرثها عبادي الصالحون)[1]، وقال تعالى: (ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)[2]، فهذه الآيات القرآنية تتحدث عن مستقبل البشرية وعن الامام الذي سيكون في النهاية، ففي الآية الأولى حددت الذي سيحكم الأرض بانه من الصالحين وفي الآية الثانية صرحت بإمامته ووراثته لهذه الأرض، أي ان الصالح الذي سيحكم الأرض هو امام مجعول من قبل الله تعالى وليس من قبل الناس، وهذا يتناسب تماما مع العقيدة المهدوية لأنها تنص على امامة الثاني عشر من الائمة المعصومين الصالحين عليهم السلام وقد دلت الروايات الشريفة على ذلك، وقال الامام الباقرعليه السلام في تفسيره لقوله تعالى: (ويرثها عبادي الصالحون) قال عليه السلام (هم آل محمدعليهم السلام) وفي تفسير القمي قال (هم القائم عليه السلام واصحابه).
الثاني: الوعد الالهي باستخلاف آل محمد
ومن الآيات التي تتحدث عن المستقبل الموعود، آية الاستخلاف، فان القران الكريم أوضح انه في المستقبل سيستخلف الله تعالى اماماً عادلاً قائماً بالقسط والعدل من آل محمد عليهم السلام، حيث قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا منكُم وَعَملُوا الصَّالحَات لَيَستَخلفَنَّهُم في الأَرض كَمَا استَخلَفَ الَّذينَ من قَبلهم وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُم دينَهُمُ الَّذي ارتضى لَهُم وَلَيُبَدّلَنَّهُم مّن بَعد خَوفهم أَمنًا يَعبُدُونَني لَا يُشركُونَ بي شَيئًا وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذلك فأولئك هُمُ الفَاسقُونَ)[3]، فهذه الآية الكريمة تتحدث عن الاستخلاف والتمكين في المستقبل، ونصت على ان الله تعالى سيستخلف ويمكّن المؤمنين في هذه الارض ولا يبقى الامر بيد الظالمين وهو من الوعد الالهي والله لا يخلف وعده وهذا ايضاً ينسجم فقط مع العقيدة المهدوية، وقد روي عن ابي عبدالله عليه السلام في تفسير هذه الآية (وعد الله الذين امنوا وعلموا الصالحات ليستخلفنهم في الارض ... قال هم الائمة عليهم السلام), وعن ابن عباس انها نزلت في آل محمد، وفي رواية أخرى (انه القائم عجل الله فرجه الشريف واصحابه)[4].
الثالث: آيات إتمام النور الإلهي بولاية القائم عجل الله فرجه الشريف
ومن الآيات التي تتحدث عن المستقبل الموعود هو آيات إتمام النور الإلهي بعد ان يريد اطفائه أعوان الشيطان، قال تعالى: (يُريدُونَ ليُطفئُوا نُورَ اللَّه بأَفوَاههم وَاللَّهُ مُتمُّ نُوره ولَو كَرهَ الكَافرُون)[5]، فهذه الآية واضحة بأن الله تعالى لابد ان يتم نوره بنشر معالم الاسلام بعدما عمد اشياع الظلال والانحراف على اطفائه.
فلابد ان يتحقق هذا الوعد الالهي بإتمام نوره بإمامة اهل البيت عليهم السلام حيث ورد عن الامام الكاظم عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (والله متم نوره)، (بولاية القائم عجل الله فرجه الشريف ولو كره الكافرون بولاية عليعليه السلام)، وقد روي عن الصادق عليه السلام: (ان بني امية وبنو العباس لما وقفوا على ان زوال ملكهم والامراء والجبابرة منهم على يد القائم عجل الله فرجه الشريف منا، ناصبونا العداوة ووضعوا سيوفهم في قتل آل بيت رسول الله صلى الله عليه واله وابادة نسله طمعاً منهم في الوصول الى قتل القائم عجل الله فرجه الشريف، ويأبى اللّه ان يكشف امره لواحد من الظلمة الى ان يتم نوره ولو كره المشركون)[6].
الرابع: اظهار الحق والاسلام على العالم والدين كله
ومن الآيات التي تتحدث عن المستقبل الموعود هي آيات انتشار الاسلام في ارجاء العالم، حتى لا يبقى احد الا واقرَّ بمحمد صلى الله عليه واله، كما روي ذلك عن الباقر عليه السلام، وهذا لم يتحقق الى الان وقد ورد هذا المعنى في آيات عدة كما في سورة التوبة 33، والفتح 28، والصف 9، حيث قال تعالى: (هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)، وفي آية اخرى: (وكفى بالله شهيدا)، فان هذه الحقيقة يشهد عليها اللّه عز وجل وكفى بالله شهيدا، وقد روي عن الامام الرضا عليه السلام قال: (يظهره على جميع الاديان عند قيام القائم عجل الله فرجه الشريف)، وعنه عليه السلام قال: (ان ذلك يكون عند خروج المهدي من آل محمد عجل الله فرجه الشريف فلا يبقى احد الا أقرّ بمحمد صلى الله عليه واله)، وقال الامام الصادق عليه السلام: (والله ما انزل تأوليها بعد ولا ينزل تأويلها حتى يخرج القائم عليه السلام فاذا خرج القائم عليه السلام لم يبق كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام الا كره خروجه حتى ان لو كان كافراً او مشركاً في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله)[7].
الخامس : الروايات الشريفة
هناك مجموعة من الروايات المعتبرة التي تدل على ضرورة وجود الامام في كل زمان منها:
أ- هناك جملة من الروايات تدل وجوب معرفة الامام وضرورة بيعته في كل زمان، وان عدم معرفته وإعلان البيعة له تدل على ميتة الضلال والجاهلية، وكما هو معلوم فان المعرفة فرع الوجود، فلا يمكن تحقق ذلك الا بعد الإقرار بوجود الامام، وقد روي بسند صحيح عن حسين بن ابي العلاء قال: سالت ابا عبدالله عليه السلام عن قول رسول اللهصلى الله عليه واله: (من مات ليس له امام مات ميتة جاهلية، فقال: نعم، لو ان الناس تبعوا علي بن الحسين عليه السلام وتركوا عبد الملك بن مروان اهتدوا، فقلنا: من مات لا يعرف امامه مات ميتة جاهلية، ميتة كفر، فقال لا ميتة ضلال)[8]، وروي بسند موثق عن معاوية بن وهب قال: سمعت ابي عبدالله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه واله: (من مات لا يعرف امامه مات ميتة جاهلية)[9]، وروي في مسند احمد بن حنبل بسنده عن رسول الله صلى الله عليه واله قال: (من مات بغير امام مات ميتة جاهلية)[10].
ب- ومن الأدلة التي تدل على ضرورة وجود الامام هي روايات ان الارض لا تخلو من حجة ولولا الحجة لساخت الارض باهلها فعن الامام الصادق عليه السلام: (ولولا ما في الارض منّا لساخت بأهلها، ثمّ قال: ولم تَخلُ الارض منذ خلق الله آدم من حجّة لله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة لله فيها)[11].
ج- روايات حديث الثقلين المتواترة : قال النبي صلى الله عليه واله (اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي الا وهما الخليفتان من بعدي ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض)[12] ويوصي النبي صلى الله عليه واله في هذه الرواية بالتمسك بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة من بعده وقال انهما (لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض)، وهذا التعبير يدل على استمرارية وجود القرآن الكريم والعترة الطاهرة حتى يردا على النبي صلى الله عليه واله الحوض ، أي متى ما وجد القرآن الكريم في هذه الدنيا لابد من وجود من يمثل العترة الطاهرة من اهل البيت عليهم السلام والا سيلزم الافتراق وهذا خلاف ما نص عليه النبي صلى الله عليه واله في الحديث الشريف.
اذن ان حديث الثقلين الذي يوجب التمسك بالقرآن والعترة من بعد النبي صلى الله عليه واله ويصرّح بعدم افتراقهما يدل على وجود امام من العترة الطاهرة من اهل البيت في كل زمان.
د- ومن الروايات الدالة على ضرورة وجود الامام في كل زمان رواية (أن الأرض لا تبقى بغير إمام حي ظاهر أو مخفي) فقد ورد في جملة من الروايات الشريفة ما يصرّح به الأئمة عليهم السلام من أن هذه الارض لا يمكن أن تبقى بلا إمام حي ظاهر او مختف مغمور فعن أمير المؤمنين عليه السلام يقول: (اللَّهُمَّ لا تُخلي الأرض من حجَّة لك على خلقك ظاهر أو خافي مغمور لئلَّا تبطل حجَّتك وبيّناتك)[13].
الهوامش:-----
([1]) سورة الأنبياء الآية 105
([2]) سورة القصص الآية 5
([3]) سورة النور الآية 55
([4]) الغيبة للنعماني ص314، الكافي ج1 ص 193
([5]) سورة الصف الآية 8
([6]) الكافي ج 1 ص332
([7]) كمال الدين ص 670، تفسير القمي ص 289
([8]) المحاسن ص 252، الكافي ج1 ص187
([9]) الغيبة للنعماني ص 129
([10]) مسند احمد بن حنبل ج 6 ص 715
([11]) بحار الانوار ج 18 ص 351
([12]) كمال الدين ص 43
([13]) بصائر الدرجات ص 506

اترك تعليق