الخوف والرجاء: حقيقته وأقسامه، وآثاره الأخلاقية والاجتماعية

بحثٌ أخلاقيٌّ في ضوء الكتاب والسنّة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أبي القاسم محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

يُعدّ الخوف من المقامات الأخلاقية التي لها مدخلية عظيمة في تهذيب النفس الإنسانية، وصرفها عن موارد الغفلة والاغترار، وحملها على امتثال التكاليف الشرعية، والتحرّز من موجبات السخط الإلهي والعقاب الأخروي. وليس المراد بالخوف مجرّد الانفعال النفسي العابر الذي يعرض للإنسان عند توقّع المكروه، بل المقصود به الحالة الباطنية التي تستيقظ بها النفس من غفلتها، وتستحضر عظمة الحقّ تعالى، وتلتفت إلى عواقب أعمالها ومآلاتها، فينعكس ذلك على سلوكها ومواقفها ومقدار التزامها بمقتضيات العبودية.

وقد عرّف أهل الأخلاق الخوف بأنّه: «تألّم القلب واحتراقه بسبب مكروهٍ في الاستقبال مشكوك الوقوع»؛ فإن كان المكروه متيقّن الحصول أو مظنون الوقوع، كان التعلّق به من سنخ توقّع المكروه وانتظاره، وهو أشدّ إيلاماً للنفس من الخوف الناشئ عن مجرّد احتمال الوقوع.[1]

ومن هنا يظهر أنّ الخوف ليس حالةً واحدةً من حيث القيمة الأخلاقية، ولا يكون كلّ خوفٍ فضيلةً مطلوبةً شرعاً، بل تختلف أحكامه باختلاف متعلّقه ومنشئه وآثاره؛ فقد يكون الخوف باعثاً على الطاعة، وحارساً للدين، ومانعاً من التعدّي على حقوق الآخرين، وقد يكون على العكس من ذلك سبباً للجبن، ومدخلاً للذلّ، وموجباً لكتمان الحقّ، والإخلاد إلى الدنيا، والوقوع في المعصية.

وعليه، ينقسم الخوف، من حيث قيمته الأخلاقية، إلى قسمين رئيسين: **خوفٍ ممدوح، وخوفٍ مذموم**، ولكلٍّ منهما موارده وآثاره التي ينبغي تحريرها وبيانها.

أولاً: الخوف الممدوح:

الخوف الممدوح هو الخوف الذي ينشأ عن إدراكٍ صحيحٍ لعظمة الله تعالى، أو عن الالتفات إلى مسؤولية الإنسان الدينية والأخلاقية، أو عن الخشية على النفس والمجتمع من الوقوع في الضلال والعقوبة. وهو الخوف الذي لا يفضي إلى تعطيل التكليف أو ترك الواجب، بل يبعث على مزيدٍ من الطاعة والبصيرة والثبات في طريق الحقّ.

ويمكن بيان أبرز مصاديقه في الوجوه الآتية:

الوجه الأول: الخوف من الله تعالى:

إنّ الخوف من الله سبحانه وتعالى من أجلّ المقامات الإيمانية، وأعظم الدوافع إلى الاستقامة ومراقبة النفس؛ إذ إنّ العبد كلّما ازداد معرفةً بربّه، وإدراكاً لعظمته وجلاله، ازداد شعوراً بمسؤوليته أمامه، واشتدّ تحرّزه من مخالفته، ولم يأمن مكره أو يغترّ بسعة رحمته على نحوٍ يفضي به إلى الإصرار على المعصية.

وقد ورد عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه قال: «يا إسحاق، خف الله كأنّك تراه، وإن كنت لا تراه فإنّه يراك».[2]

وهذا الحديث الشريف يقرّر أصلاً أساسياً في تربية النفس، وهو استحضار المراقبة الإلهية في جميع الأحوال؛ فإنّ العبد إذا استشعر أنّه في محضر الله تعالى، وأنّ أفعاله وأقواله ونيّاته ليست خافيةً عليه سبحانه، كان ذلك أدعى إلى ضبط جوارحه، ومحاسبة نفسه، والابتعاد عن موارد السخط الإلهي.

ولا يراد من قوله عليه السلام: «خف الله كأنّك تراه» إثبات الرؤية البصرية لله تعالى، بل المراد بلوغ مرتبةٍ من اليقظة والمراقبة يكون معها حضور المولى في وجدان العبد بمنزلة الحضور المشهود، مع بقاء حقيقة أنّ الله سبحانه منزّهٌ عن أن تدركه الأبصار.

ورُوي عن الهيثم بن واقد أنّه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «من خاف الله أخاف الله منه كلّ شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كلّ شيء».[3]

ومفاد هذه الرواية أنّ الخوف من الله تعالى، إذا استقرّ في النفس على وجهه الصحيح، أورث صاحبَه عزّةً باطنيةً وثباتاً في المواقف؛ لأنّه لا يجعل رضا المخلوقين مقدّماً على رضا الخالق، ولا يستبدل الحقّ بالمصلحة العاجلة، ولا يبيع دينه رهبةً من ذي سلطان أو رغبةً في حطام الدنيا.

فالمؤمن الذي يخاف الله حقّ الخوف لا يكون أسير الأهواء ولا عبداً للتهديدات البشرية، وإنّما يستمدّ ثباته من شعوره بأنّ الطاعة لله هي الأصل الذي ينبغي أن تنتظم على أساسه سائر علاقاته ومواقفه.

ومن الضروري التنبيه إلى أنّ الخوف الممدوح لا ينفصل عن الرجاء في رحمة الله تعالى؛ إذ ليس المقصود أن يعيش المؤمن في قنوطٍ دائم، أو ييأس من مغفرة ربّه، بل أن يجتمع في قلبه الخوف الذي يمنعه من الاغترار، والرجاء الذي يمنعه من اليأس، فيسير بينهما على مقتضى العبودية والبصيرة.

الوجه الثاني: الخوف على الدين من الضياع والانحراف:

ومن مصاديق الخوف الممدوح أن يخشى الإنسان على دينه من الفتن، أو من تسلّط من لا يمتلك الأهلية العلمية والأخلاقية على توجيه الناس، أو من تحريف المعارف الدينية، أو من إقصاء أهل الحقّ عن مواقع البيان والإرشاد، أو من انحراف الأمة عن هدي الأنبياء والأوصياء عليهم السلام.

وهذا الخوف ليس جبناً مذموماً، ولا ضعفاً في التوكّل على الله، بل قد يكون ناشئاً عن إدراكٍ عميقٍ لخطورة المسؤولية الدينية، وعن معرفةٍ بأنّ ضياع الحقائق الشرعية أو تحريفها يترتّب عليه فساد الاعتقاد والعمل، وربّما امتدّ أثره إلى أجيالٍ متعاقبة.

وقد حكى القرآن الكريم عن نبيّ الله موسى عليه السلام قوله في مقام بيان مخاوفه المتعلّقة بتبليغ الرسالة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.[4]

فخوف موسى عليه السلام من التكذيب لم يكن خوفاً من فقدان جاهٍ شخصيّ أو منفعةٍ دنيوية، بل كان متعلّقاً بمسار التبليغ، وما قد يترتّب على التكذيب من تعطيل الاستجابة للرسالة الإلهية. ومن ثمّ، لا يصحّ جعل مطلق الخوف قرينةً على ضعف الإيمان أو قصور اليقين؛ إذ لا بدّ من ملاحظة متعلّقه والغاية التي ينشأ عنها.

وقد عبّر بعض الشعراء عن خروج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة، وما أحاط به من ظروف الخطر، بقوله:

«خرج الحسين من المدينة خائفاً 

كخروج موسى خائفاً يتكتّم».[5]

والمقصود من الاستشهاد بهذا البيت بيان أنّ الخوف على النفس لا ينافي الموقف الرسالي، متى كان الخوف واقعاً في سياقٍ تقتضيه الحكمة، ولا يستلزم التخلي عن الواجب أو التنازل عن الحقّ.

وعليه، فإنّ الخوف على الدين يكتسب قيمته الأخلاقية من كونه باعثاً على حفظه وصيانته، لا ذريعةً إلى تعطيل مقتضياته؛ فربّ خوفٍ يدفع صاحبه إلى مزيدٍ من التبصّر والاستعداد، وربّ خوفٍ يتّخذه الإنسان حجّةً لتبرير الصمت عن الباطل، والفرق بينهما هو ما يترتّب على كلٍّ منهما من أثرٍ في نصرة الحقّ أو خذلانه.

الوجه الثالث: الخوف على هداية الناس ومآلات المجتمع:

ومن أنحاء الخوف الممدوح أن يخشى الإنسان على الناس من الضلال، وعلى المجتمع من الانحراف، وعلى الأمة من العواقب المترتّبة على الإعراض عن هدي الله تعالى وحججه.

وهذا اللون من الخوف يتجلّى بوضوحٍ في سيرة الأنبياء عليهم السلام؛ فإنّهم لم يكونوا ينظرون إلى انحراف أقوامهم بوصفه مجرّد مخالفةٍ عابرة، بل كانوا يستشعرون خطورة الإعراض عن التوحيد، وما قد ينشأ عنه من فساد العقيدة والعمل واستحقاق العقوبة.

قال تعالى في بيان دعوة نوح عليه السلام لقومه:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.[6]

فتأمّل كيف جمع نبيّ الله نوح عليه السلام بين الدعوة إلى أصل التوحيد، والتحذير من عاقبة الإعراض عنه؛ إذ لم يكن إنذاره ناشئاً عن رغبةٍ في إخضاع الناس لسلطته، بل عن الشفقة عليهم والخوف من أن يؤول بهم الإصرار على الباطل إلى العذاب.

ومن هنا، فإنّ الخوف على الآخرين من الضلال ليس مجرّد انفعالٍ عاطفي، بل قد يكون تعبيراً عن تحمّل المسؤولية الشرعية تجاههم، ولا سيّما إذا اقترن بالنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبذل الوسع في بيان الحجّة وإقامة البرهان.

كما يدخل في هذا الباب خوف الإنسان على أهله وعشيرته ومجتمعه من الانجراف وراء الفتن، أو الوقوع في المحرّمات، أو الإعراض عن مقتضيات الهداية؛ شريطة أن يتحوّل هذا الخوف إلى عملٍ إصلاحيّ مشروع، لا إلى تسلّطٍ أو إكراهٍ غير مشروع.

وبذلك يتّضح أنّ الخوف الممدوح لا يقتصر على إصلاح الفرد لنفسه، بل يتّسع ليشمل الحرص على سلامة الدين في المجتمع، والشفقة على الناس من عواقب الانحراف، مع الالتزام بالوسائل الشرعية في النصح والإرشاد.

ثانياً: الخوف المذموم:

الخوف المذموم هو الخوف الذي يخرج بالإنسان عن مقتضى العبودية الصحيحة، فيجعله تابعاً للتهديدات والأوهام، أو باعثاً على ترك الواجبات، أو سبباً في كتمان الحقّ، أو وسيلةً لإيقاع الرعب في قلوب المؤمنين.

ولا تتحدّد مذمومية الخوف بمجرّد وجود حالة الخوف في النفس؛ فإنّ الخوف الطبيعي قد يكون أمراً جبليّاً لا مؤاخذة فيه بذاته، وإنّما المذموم ما كان متعلّقه أو منشؤه أو أثره موجباً للانحراف عن الحقّ والتكليف.

وينقسم الخوف المذموم، بالنظر إلى جهة تأثيره، إلى قسمين:

1. خوفٍ يستولي على نفس الإنسان، فيصرفه عن مقتضيات الحقّ والواجب.

2. خوفٍ يتسبّب الإنسان في إيقاعه بالآخرين، فيرهبهم أو يهدّدهم أو يحملهم على ما لا يجوز حملهم عليه.

القسم الأول: الخوف الذي يستولي على الإنسان ويؤثّر في سلوكه:

الوجه الأول: الخوف الذي يزرعه الشيطان ويستثمره في إضلال الإنسان:

من أخطر صور الخوف المذموم أن يستولي الشيطان على وجدان الإنسان من خلال تضخيم المخاوف الدنيوية، وإيهامه بأنّ مستقبله مرهونٌ بالانشغال الدائم بتحصيل المال، وتأمين المصالح، ودفع الأخطار المتوهّمة؛ حتى يستغرق في ذلك استغراقاً يصرفه عن واجباته الدينية، ويضعف التفاته إلى آخرته، ويجعله يؤخّر التوبة والطاعة إلى زمنٍ لا يدري هل يبلغه أم لا.

وقد نبّه القرآن الكريم إلى هذا الأسلوب الشيطاني بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.[7]

فالآية الكريمة تكشف عن إحدى وسائل الشيطان في إضعاف أهل الإيمان، وهي تسليط الخوف على نفوسهم ليحول بينهم وبين الثبات على الحقّ. وليس المراد بها نفي كلّ خوفٍ طبيعي من الأخطار، ولا إسقاط الاحتياطات العقلائية اللازمة لحفظ النفس والمال، بل المراد النهي عن الخوف الذي يُستثمر في صرف الإنسان عن طاعة الله، أو حمله على التنازل عن دينه، أو تعطيل واجبه الشرعي.

ومن هنا، قد يعيش الإنسان سنواتٍ طويلةً تحت ضغط القلق من المستقبل، ويجعل تحصيل الرزق وتأمين المعيشة شغله الشاغل، حتى يستهلك ذلك معظم وقته وطاقته، ويؤدّي به إلى التفريط في عبادته، وإهمال تزكية نفسه، والغفلة عن حقوق أهله، ونسيان الاستعداد للآخرة.

والخلل في هذه الحالة لا يكمن في أصل السعي لتحصيل الرزق؛ فإنّ طلب المعاش الحلال من الأمور المشروعة، بل قد يجب في بعض الموارد، وإنّما يكمن في تحوّل الخوف من الفقر إلى سلطةٍ داخليةٍ تتحكّم في الإنسان، وتجعله يقدّم مقتضيات الدنيا على أوامر الله تعالى.

فالمؤمن مطالبٌ بأن يجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكّل على الله، وأن يسعى في تحصيل معاشه من الطرق المشروعة، من غير أن يجعل الخوف على المستقبل ذريعةً إلى التفريط في دينه أو إهمال آخرته.

الوجه الثاني: الخوف من الناس الذي يفضي إلى كتمان الحق:

ومن أبرز مصاديق الخوف المذموم أن يخشى الإنسان الناس أو أصحاب السلطة والجاه، فيمتنع عن بيان الحقّ مع قدرته على بيانه، أو يقرّ الباطل طلباً للسلامة، أو يتراجع عن موقفٍ شرعيٍّ ثابتٍ لمجرّد التهديد أو الضغط الاجتماعي.

وهذا اللون من الخوف بالغ الخطورة؛ لأنّ أثره لا يقتصر على صاحبه، بل قد يمتدّ إلى تضليل الآخرين، وتثبيت الباطل في المجتمع، وإضعاف موقع الحقّ في النفوس.

ولا يعني ذلك أنّ كلّ سكوتٍ عن الحقّ مذمومٌ على الإطلاق؛ فقد يقتضي التكليف الشرعي في بعض الموارد التقيّة، أو تأخير البيان، أو اختيار أسلوبٍ آخر للنصح، دفعاً لضررٍ بالغٍ أو تحصيلاً لمصلحةٍ أهمّ. وإنّما الكلام في الخوف الذي يدفع الإنسان إلى كتمان الحقّ حيث يجب بيانه، أو إلى التنازل عن الموقف الشرعي من غير مسوّغٍ معتبر.

ومن الشواهد التاريخية التي تُذكر في هذا الباب ما ورد في ترجمة قنبر، مولى أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، في موقفه مع الحجّاج بن يوسف الثقفي.

فقد نقل السيّد محسن الأمين في  كتابه *أعيان الشيعة* أنّ الحجّاج طلب قنبراً، فسأله عن ولائه لأمير المؤمنين عليه السلام، فأجابه بما يدلّ على تمسّكه بولايته، ثم طلب منه البراءة من دين عليّ عليه السلام، فامتنع قنبر عن الاستجابة، ولم يستخفّه التهديد، بل واجه الموقف بثباتٍ وشجاعة، وانتهى الأمر بقتله.[8]

وتكشف هذه الحادثة، كما نقلها المصدر، عن نموذجٍ من الثبات على المبدأ وعدم بيع الموقف الديني تحت ضغط السلطة؛ فإنّ قنبر لم يجعل الخوف من بطش الحاكم موجباً للتخلّي عمّا يعتقده حقّاً.

غير أنّ الدرس الأخلاقي المستفاد من هذه الواقعة ليس الدعوة إلى تعريض النفس للهلاك في كلّ ظرفٍ ومن دون ملاحظةٍ للتكليف، بل بيان أنّ الخوف من الظالم لا يكتسب المشروعية لمجرّد صدوره عنه، ولا يجوز أن يتحوّل إلى مبرّرٍ مطلقٍ للتنازل عن الحقّ. فالموقف الصحيح يتحدّد وفق الحكم الشرعي، وموازنة التكاليف والمصالح والمفاسد، لا وفق مجرّد الرهبة من أصحاب السلطان.

نسأل الله تعالى أن يثبّتنا على الحقّ قولاً وعملاً، وأن يرزقنا البصيرة في الدين، والشجاعة في مواضعها، والحكمة في مواقفنا، بحقّ محمّدٍ وآله الطاهرين.

الوجه الثالث: الخوف من الفقر الذي يفضي إلى ارتكاب المحرّمات:

ومن صور الخوف المذموم أن يستولي الخوف من الفقر على الإنسان، فيدفعه إلى ارتكاب ما حرّمه الله تعالى، أو يمنعه من أداء ما وجب عليه، أو يجعله يقدّم الاعتبارات المالية على الأحكام الشرعية.

وقد كشف القرآن الكريم عن صورةٍ بالغة القسوة لهذا الانحراف، وهي قتل الأولاد خشية الفقر، فقال تعالى:﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾.[9]

فالآية الكريمة تنهى عن جريمةٍ تنشأ من الخوف على المعاش، وتردّ على هذا التصوّر بإرجاع الرزق إلى الله تعالى، الذي تكفّل بأرزاق عباده، مع بقاء مسؤولية الإنسان عن السعي والعمل واتّباع الأسباب المشروعة.

والمراد بالإملاق الفقر، وقد كان بعض الناس يقدمون على قتل أولادهم خشية أن يعجزوا عن الإنفاق عليهم، فجاء النهي الإلهي ليقرّر أنّ الخوف من الفاقة لا يبرّر الاعتداء على النفس المحترمة، ولا يسوّغ تجاوز حدود الله تعالى.

وإنّما ذُكر هذا المورد لكونه من أوضح الأمثلة على انقلاب الخوف من باعثٍ طبيعيٍّ إلى محرّكٍ للمعصية؛ فإنّ الإنسان قد يواجه ضيقاً في المعيشة، لكنّ الواجب أن يواجهه بالصبر والسعي والتدبير المشروع، لا بارتكاب المحرّمات أو التفريط في الحقوق.

ويتّسع هذا المعنى ليشمل كلّ خوفٍ من الفقر يحمل الإنسان على أكل الحرام، أو الغشّ، أو الظلم، أو منع الحقوق الواجبة، أو تضييع الأمانات، أو سلوك الطرق المحرّمة في تحصيل المال.

فالخوف من الفقر ليس مذموماً بذاته، وإنّما المذموم أن يُتّخذ ذريعةً لمخالفة الشريعة، أو أن يقدّم الإنسان توهّم ضمان الدنيا على اليقين بمسؤوليته أمام الله تعالى.

القسم الثاني: الخوف الذي يصدر من الإنسان تجاه الآخرين:

إخافة المؤمن وإرهابه:

لا يقتصر الخوف المذموم على الحالة التي تستولي على نفس الإنسان، بل قد يكون الإنسان نفسه سبباً في بثّ الخوف في نفوس الآخرين، من خلال التهديد أو الترويع أو استغلال النفوذ، ولا سيّما إذا وجّه ذلك إلى المؤمنين بقصد الإيذاء أو الإذلال.

وقد ورد في هذا المعنى عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال:«من نظر إلى مؤمنٍ نظرةً ليخيفه بها، أخافه الله عزّ وجلّ يوم لا ظلّ إلّا ظلّه».[10]

وهذا النصّ الشريف يدلّ على عظم حرمة المؤمن، وأنّ التعدّي على أمنه النفسي وإشعاره بالرعب بقصد الإيذاء ليس أمراً هيّناً في ميزان الشريعة؛ إذ رتّب عليه الوعيد الإلهي، وهو ما يكشف عن أنّ حفظ كرامة المؤمن وأمنه من الحقوق التي لا يجوز الاستهانة بها.

ولا يقتصر مفهوم الإخافة على التهديد الصريح أو استعمال القوة، بل قد يتحقّق بالإشارات أو النظرات أو التصرفات التي يقصد بها الإنسان إرهاب غيره وإذلاله، متى صدق عليها عنوان الإخافة المحرّمة.

كما أنّ النهي عن ترويع المؤمن لا ينافي موارد التحذير المشروع، أو إنذار الإنسان من خطرٍ حقيقيّ، أو اتخاذ الإجراءات اللازمة لدفع الاعتداء؛ فإنّ المدار في ذلك على العنوان الشرعي، والقصد، والكيفية، والحقوق التي تتعلّق بالمقام.

وعليه، ينبغي للمؤمن أن يراقب سلوكه في تعامله مع الآخرين، وألّا يجعل قوّته أو مكانته أو سلطته وسيلةً لبثّ الرعب في نفوسهم، بل يجعلها طريقاً إلى نصرة المظلوم، ودفع الظلم، وصيانة كرامة الناس.

ثالثاً: استشعار الخوف من الله تعالى وتقويته في النفس:

بعد اتّضاح حقيقة الخوف وأقسامه، يقع الكلام في كيفية استثارة الخوف المحمود في النفس، ولا سيّما عند ضعف استشعار المراقبة الإلهية، أو غلبة الغفلة، أو استيلاء التعلّق بالدنيا على القلب.

فإنّ الخوف من الله تعالى ليس مجرّد حالةٍ انفعاليةٍ تُطلب لذاتها، بل هو مقامٌ أخلاقيٌّ ينبغي أن يثمر معرفةً أعمق بالله، ومحاسبةً أدقّ للنفس، واستقامةً أوضح في العمل. ومن ثمّ، فإنّ تحصيله يتوقّف على جملةٍ من الوسائل التربوية والمعرفية، من أهمّها ما يأتي:

الوسيلة الأولى: استماع المواعظ والحِكَم المنبّهة إلى عواقب الأعمال:

من الوسائل المؤثّرة في إيقاظ الخوف المحمود استماع المواعظ التي تكشف عن حقيقة الدنيا، وقصر مدّتها، وسرعة انقضائها، وتذكّر الإنسان بالموت والحساب والجزاء، وما يترتّب على الأعمال من آثارٍ أخروية.

فإنّ الغفلة عن العواقب من أهمّ أسباب الجرأة على المعصية، إذ ينظر الإنسان إلى اللذّة العاجلة أو المنفعة القريبة، ويغفل عن النتائج البعيدة لأفعاله. فإذا استمع إلى الموعظة الصادقة، وتأمّل في مضامينها، أمكن أن يستعيد التوازن بين الحاضر والمستقبل، وبين متاع الدنيا ومسؤولية الآخرة.

ولا تتحقّق الفائدة الكاملة من الموعظة بمجرّد سماع ألفاظها، بل لا بدّ من حضور القلب، والتأمّل في مضمونها، وتنزيلها على حال النفس؛ فإنّ الموعظة التي لا تتجاوز السمع إلى الوجدان والعمل قد لا تترك أثراً مستقرّاً في السلوك.

الوسيلة الثانية: مطالعة أحوال الخائفين ومناجاتهم وتضرّعهم:

ومن الوسائل المهمّة في تقوية الخوف من الله تعالى مطالعة أحوال أوليائه وعباده الصالحين، والتأمّل في مناجاتهم وتضرّعاتهم، وكيفية استحضارهم لعظمة المولى، وشعورهم بالتقصير في مقام العبودية، على الرغم من عظيم طاعتهم.

ويُعدّ الرجوع إلى التراث الدعائي والأخلاقي المأثور عن أهل البيت عليهم السلام من أبرز الطرق في هذا المجال، ولا سيّما ما اشتمل عليه *الصحيفة السجّادية* من أدعيةٍ تتضمّن الاعتراف بالتقصير، وطلب المغفرة، والاستعاذة من الذنوب، واستحضار الموقف بين يدي الله تعالى.

كما يمكن الإفادة من كتب الأدعية والآداب الشرعية، ومنها *مفاتيح الجنان* للشيخ عبّاس القمّي، و*مفتاح الفلاح* للشيخ البهائي، ومن مطالعة سير العلماء والعبّاد وما نُقل عنهم من محاسبة النفس ومراقبتها.

ومن الشواهد التي تُذكر في هذا الباب ما رواه الشيخ الصدوق في خبر رجلٍ رآه رسول الله صلى الله عليه وآله في يومٍ شديد الحرّ، وقد نزع ثيابه وجعل يتمرّغ في الرمضاء، ويقول لنفسه: «يا نفس، ذوقي، فما عند الله عزّ وجلّ أعظم ممّا صنعت بك».

ثمّ سأله النبيّ صلى الله عليه وآله عن باعثه على ذلك، فأجابه بأنّه فعل ذلك خوفاً من الله تعالى، وتذكيراً لنفسه بأنّ ما عند الله أعظم ممّا تلقاه من المشقّة. فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله: «لقد خفت ربّك حقّ مخافته، وإنّ ربّك ليباهي بك أهل السماء».

ثمّ دعا النبيّ صلى الله عليه وآله أصحابه إلى الدنوّ منه، وطلب منه أن يدعو لهم، فدعا قائلاً: «اللهمّ اجمع أمرنا على الهدى، واجعل التقوى زادنا، والجنّة مآبنا».[11]

ومحلّ الشاهد في هذه الرواية أنّ الخوف من الله تعالى إذا استقرّ في النفس حملها على محاسبة ذاتها، واستحضار المسؤولية، وعدم الاغترار بالأماني. غير أنّ الاستفادة التربوية منها لا تعني استحباب تعذيب النفس أو إلحاق الضرر بها؛ فإنّ تهذيب النفس له ضوابطه الشرعية، ولا يجوز أن يُتّخذ الخوف ذريعةً إلى الإضرار بالبدن أو تجاوز الحدود التي قرّرتها الشريعة.

وإنّما المقصود أن يتعلّم الإنسان من هذا النموذج معنى مجاهدة النفس، وتذكيرها بعواقب أعمالها، وحملها على التقوى، ضمن الحدود المشروعة.

الوسيلة الثالثة: تعميق المعرفة بأصول العقيدة وأحوال المعاد:

من أهمّ الطرق التي تعين على استقرار الخوف المحمود في القلب تعميق المعرفة بأصول العقيدة، ولا سيّما الإيمان بالله تعالى، وصفاته، وعلمه المحيط بأعمال العباد ونيّاتهم، والإيمان بالمعاد وما يتعلّق به من الحساب والجزاء والوقوف بين يدي الله سبحانه.

فإنّ الخوف الناشئ عن المعرفة يختلف عن الخوف الناشئ عن الوهم؛ إذ الأوّل يستند إلى إدراكٍ صحيحٍ لحقيقة المسؤولية ومآلات العمل، بينما قد يكون الثاني وليد تصوّراتٍ غير منضبطة، أو مبالغاتٍ لا تستند إلى حجّةٍ شرعية.

ولهذا، ينبغي للمؤمن أن يجمع بين التعلّم العقائدي والتأمّل الأخلاقي؛ فيعرف ربّه بما يليق بجلاله، ويستحضر أنّه مطّلعٌ على السرّ والعلن، ويؤمن بأنّ الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف، بل هي دار ابتلاءٍ وعمل، وأنّ الآخرة دار حسابٍ وجزاء.

كما ينبغي له أن يتأمّل في أهوال يوم القيامة، ومواقف الحساب، وآثار الأعمال، من غير إفراطٍ يوقعه في القنوط، ولا تفريطٍ يحمله على الأمن من العقوبة.

فإذا صحّت المعرفة، واستقرّ الإيمان بالمعاد، أمكن للخوف أن يؤدّي وظيفته الأخلاقية على الوجه الصحيح؛ فيردع عن المعصية، ويبعث على التوبة، ويحمل على ردّ المظالم، وأداء الحقوق، ومراقبة النفس، والاستعداد للقاء الله تعالى.

ومن هنا، لا يكون الغرض من استحضار أهوال الآخرة إشغال النفس بالخوف المجرّد، بل إيقاظها من الغفلة وحملها على إصلاح العمل؛ فإنّ الخوف الذي لا يثمر توبةً أو استقامةً أو احترازاً من المعصية لم يبلغ بعدُ غايته التربوية.

الخاتمة:

يتحصّل ممّا تقدّم أنّ الخوف من المقامات الأخلاقية التي تتحدّد قيمتها بحسب متعلّقها ومنشئها وآثارها، فلا يصحّ الحكم على كلّ خوفٍ بأنّه فضيلة، كما لا يصحّ الحكم على كلّ خوفٍ بأنّه رذيلة.

فالخوف الممدوح هو ما كان ناشئاً عن معرفة الله تعالى، أو عن الشعور بالمسؤولية الدينية، أو عن الشفقة على النفس والناس من عواقب الانحراف، وكان باعثاً على الطاعة والاستقامة وصيانة الحقّ. وأمّا الخوف المذموم فهو ما استُثمر في صرف الإنسان عن واجبه، أو حمله على كتمان الحقّ من غير مسوّغٍ شرعي، أو دفعه إلى ارتكاب المحرّمات، أو جعله سبباً في ترويع المؤمنين والإضرار بهم.

كما أنّ استشعار الخوف المحمود يحتاج إلى تربيةٍ متواصلة، تقوم على الموعظة، ومحاسبة النفس، والتأمّل في أحوال الصالحين، وتعميق المعرفة بالله تعالى وبالمعاد، مع المحافظة على التوازن بين الخوف والرجاء.

فالخوف الذي يريده الشرع ليس خوفاً يشلّ إرادة الإنسان، ولا يأساً يقنّطه من رحمة الله، بل هو يقظةٌ روحيةٌ تحمله على ترك المعصية، ومراقبة النفس، وأداء الحقوق، والثبات على الحقّ. والرجاء الذي يقترن به ليس أماناً من مكر الله أو اغتراراً بسعة رحمته، بل هو ثقةٌ بفضله تدفع إلى التوبة والعمل الصالح.

وبذلك ينتظم سلوك المؤمن بين الخوف الذي يردعه عن أسباب السخط، والرجاء الذي يحمله على التوبة وحسن الظنّ بالله تعالى، فيسير إلى ربّه على بصيرةٍ من أمره، سائلاً إيّاه الثبات على دينه، وحسن العاقبة، والفوز برضوانه، بحقّ محمّدٍ وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــ

[1] جامع السعادات، ج 1، ص 167.

[2] الكليني، الكافي، ج 2، ص 68.

[3] المصدر نفسه، ج 2، ص 67.

[4] القرآن الكريم، سورة الشعراء، الآية 12.

[5] لبيب بيضون، موسوعة كربلاء، ج 1، ص 429.

[6] القرآن الكريم، سورة المؤمنون، الآية 23.

[7] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 175.

[8] السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج 1، ص 28.

[9] القرآن الكريم، سورة الأنعام، الآية 151.

[10] الكليني، الكافي، ج 2، ص 368.

[11] الشيخ عبّاس القمّي، منازل الآخرة والمطالب الفاخرة، ص 257.

: الشيخ علي جواد القيم