شرفات الإمبراطورية: عظمة البناء وسُنّة الزوال

ليست الشرفات التي ترتفع فوق القصور مجرد حجارةٍ تتعالى في الفضاء، إنها، في البُعد السياسي، صورةٌ للهيبة، وعلامةٌ على رسوخ السلطان، وإعلانٌ صامت بأن النظام الذي أقامها قادرٌ على البقاء. وكلما ارتفع البناء، أو اتسعت أروقته، أو ازداد ما يحيط به من مظاهر الجلال، توهّم أصحابه أن ما شيدوه من القوة المادية كفيلٌ بأن يحمي سلطانهم من تقلّبات الزمن. غير أن التاريخ كثيراً ما يكشف مفارقةً عميقة: قد تكون الجدران في أوج تماسكها، فيما تتصدّع المعاني التي تمنحها شرعية البقاء.

ونرى في سيرة الإمام علي عليه السلام ما يفتح أمامنا باباً آخر للتأمل في رمزية القصور وعلاقتها بالسلطة. فعن الأصبغ بن نباتة، أن الإمام عليّاً عليه السلام لما دخل الكوفة، قيل له: أيَّ القصرين ننزلك؟ فقال: "قصر الخبال لا تنزلونيه"، فنزل على جعدة بن هبيرة المخزومي.[1]

والخَبال في اللغة يدور على الفساد والاضطراب، ويُطلق في بعض الاستعمالات على ما يفضي إلى إفساد العقل أو إلحاق الضرر.[2] ومن هنا، فإن وصف القصر بالخبال يفتح أفقاً تأملياً يتجاوز البناء المادي إلى أثره المحتمل في النفس، وما قد ينشأ عن فسادها من انحرافٍ في تدبير السلطة. ففي وصفه هذا إشارة إلى ما قد تفعله القصور في بعض النفوس، بما تحويه من مظاهر الجمال والزينة، وما توفره من سعةٍ وخدمٍ وأسباب للترف، فتستدرج صاحبها إلى الزهو، وتغريه بالغرور والتعالي، حتى يألف الامتياز ويحسبه استحقاقاً، ويرى فيمن دونه منزلةً من هو أدنى منه قدراً. ولأن النفس البشرية ليست بمنأى عن هذا الافتتان، فكأنّ الإمام سمّاه "قصر الخبال" لما قد يبعثه في النفس من أسباب الخبال، أي فساد الرأي واضطراب العقل عن إدراك الحق. وكأنّ العاقل، مهما وثق من نفسه، لا يأمن أن تتسلّل إليه آفات الغرور من بين تلك الجدران المزخرفة، فتفسد عليه ميزان النظر من حيث لا يشعر.

ولعلّ اختيار الإمام النزول في بيتٍ بدل قصر الإمارة دلالةً تتجاوز الواقعة إلى معنى أوسع، فكأنه يذكّرنا بأنّ شرعية الحكم لا تُستمد من فخامة المقر، وإنما من المبدأ الذي يقوم عليه الحكم، والغاية التي تُسخّر لها السلطة.

وإذا ارتبطت القصور في الذاكرة بممارسات الظلم والاستعلاء، غدت آثارها مجالاً للاعتبار، لا لمجرد التأمل في فخامة ما شُيّد، وإنما في المصائر التي انتهى إليها أصحابها. (وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ).[3] فالآية تلفت النظر إلى مفارقة السكن في مساكن السابقين مع غياب الاعتبار بمصائرهم، إذ قد يرث اللاحقون ما تركه السابقون من عمرانٍ ونفوذ، لكنهم لا يرثون بالضرورة أسباب بقائه. وتصبح آثار الماضي، بدل أن تكون شواهد على انتصار الإنسان على الزمن، شواهد على محدودية سلطانه حين يغفل عن العبرة.

وتتضح هذه المفارقة في حكاية أخرى ارتبطت بقصر الإمارة في الكوفة. فقد ذُكر أن عبد الملك بن مروان، بعد انتصاره على مصعب بن الزبير، جلس في القصر ورأس مصعب بين يديه، فقال له رجلٌ:[4] يا أمير المؤمنين لقد رأيت في هذا الموضع عجباً! قال: وما رأيت؟ قال: رأيت رأس الحسين بن علي بين يدي عبيد الله بن زياد، ورأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد، ورأيت رأس المختار بن أبي عبيد بين يدي مصعب بن الزبير ، ورأيت رأس مصعب بن الزبير بين يديك. قال: فخرج من ذلك البيت، وأمر بهدمه.[5]

وموضع العبرة هنا في أنّ المكان الذي شهد انتصارات متعاقبة لم يستطع أن يمنح أصحابها ضمانةً للبقاء، فقد تبدّلت الوجوه، وتغيّرت موازين القوة، وبقي القصر شاهداً على أن الغلبة في لحظةٍ من الزمن لا تعني امتلاك المستقبل. ويمنح هذا التعاقب الحكايةَ قوتها الرمزية، إذ تتبدّل مواقع الغلبة بسرعة، ويجد المنتصر نفسه في الموضع الذي شهد انتصار من سبقه، كأن المكان يستعيد المشهد بأسماء جديدة، فيما يظلّ مصير السلطة مفتوحاً على احتمالات لا يملك أصحابها ضمانها.

وهكذا تتصل حكاية "قصر الخبال" بحكاية "قصر الرؤوس" على اختلاف سياقيهما، فالأولى تفتح سؤال أثر السلطة ومظاهرها في النفس، والثانية تكشف محدودية الغلبة وتقلب أحوال أصحابها. وفي كلتيهما تتجلّى المسافة بين امتلاك المكان واستحقاقه، وبين القدرة على الجلوس في مقعد الحكم والقدرة على تأسيس حكم يستند إلى العدل. فالقصر قد يبقى، وقد يُهدم، وقد تتعاقب عليه الأيدي، أما السؤال الأعمق فهو: ما الذي يتركه أصحابه وراءهم حين يغادرونه؟

----------------------------------------------------

[1]  وقعة صفين، ابن مزاحم المنقري، ص5.

[2]  قال الفراهيدي في العين: خبل: جنون أو شبهه في القلب، ورجل مخبول: به خبل، وهو مخبل أي: لا فؤاد له، وقد خبله الدهر والحزن والشيطان. يراجع: العين، الفراهيدي، ج4، ص272.

[3]  إبراهيم، 45.

[4]  بعض الروايات ذكرت أن هذا الرجل هو عبد الملك بن عمير، قال الذهبي: عبد الملك بن عمير القرشي (ت نحو 136هـ)، أبو عمرو الكوفي، المعروف بالقبطي، من رواة الحديث ومن كبار التابعين. رأى علي بن أبي طالب وأبا موسى الأشعري، وروى عن عدد من الصحابة والتابعين، وروى عنه شعبة والثوري وسفيان بن عيينة وغيرهم. كان معروفاً بالفصاحة، وعُمّر طويلاً. يراجع: سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج5، ص442.

[5]  تاريخ اليعقوبي، ص265.

: الشيخ مصطفى النصراوي