جيلٌ يملك كلَّ شيءٍ إلا البوصلة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[الملك: 22]. تختزل هذه الآية الكريمة في ألفاظها القليلة قضيةً إنسانيةً بالغة العمق؛ فهي لا تتحدث عن مجرد كيفية المشي، ولا عن الحركة بمعناها الحسي، وإنما تكشف عن الفرق الجوهري بين حركةٍ تفتقر إلى البصيرة، وحركةٍ تقوم على الاستقامة والوعي ووضوح الغاية.

فالإنسان قد يتحرك كثيراً، ويقطع مسافات طويلة، ويبدّل الأماكن والوظائف والعلاقات والمشاريع، لكنه مع ذلك قد لا يكون سائراً نحو غايةٍ واضحة. ومن هنا فإن السؤال الأهم في حياة الإنسان ليس دائماً: كم قطعت من الطريق؟ وإنما: إلى أين تتجه؟ ولماذا تسير؟ وما الغاية التي تريد أن تبلغها؟

وهنا تبرز واحدة من أكثر الإشكالات حضوراً في واقع الجيل المعاصر: وفرة الوسائل مقابل ضعف البوصلة.

فنحن أمام جيل لم يعد يعاني من ندرة المعلومات كما كانت تعاني أجيال سابقة؛ بل يعيش في عصرٍ أصبحت فيه المعرفة متاحةً بصورة غير مسبوقة. يستطيع الإنسان أن يتعلم لغةً جديدة عبر هاتفه، وأن يصل إلى آلاف الكتب والأبحاث والمحاضرات، وأن يطّلع خلال دقائق على تجارب وثقافات وأفكار مختلفة في أقصى أنحاء العالم.

لقد اتسعت دائرة الإمكانات، وتضاعفت فرص التعلم، وتيسرت وسائل التواصل، وانفتحت أمام الإنسان أبواب لم تكن متاحةً بهذه الصورة من قبل. ومع ذلك، قد يقف هذا الإنسان حائراً أمام السؤال الأكثر بساطةً والأشد خطورة:

ماذا أريد من حياتي؟ إن المشكلة التي تواجه شريحةً من شباب اليوم ليست في انعدام الخيارات، وإنما في التضخم الهائل في الخيارات مع ضعف القدرة على المفاضلة بينها. فليس كل ما يمكن فعله جديراً بأن يُفعل، وليس كل ما يمكن الوصول إليه جديراً بأن يُطلب، وليس كل فرصةٍ ينبغي اقتناصها لمجرد أنها فرصة.

إن كثرة الطرق لا تعني بالضرورة وضوح الطريق.

وقد تتحول وفرة الخيارات، إذا لم يصاحبها وعيٌ بالغاية والمعيار، من نعمةٍ إلى مصدرٍ للحيرة؛ لأن الإنسان كلما اتسعت أمامه المسارات ازدادت حاجته إلى معيارٍ يرشده في الاختيار. ومن هنا تأتي أهمية البوصلة القيمية والفكرية التي تمنح الإنسان القدرة على التمييز بين ما ينفعه وما يستهلكه، وبين ما يخدم مشروعه وما يشتته، وبين ما يقرّبه من غايته وما يصرفه عنها. لقد أصبح الهاتف نافذةً مفتوحةً على العالم، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى منفذٍ تتدفق منه آلاف الصور والأفكار والمعلومات إلى وعي الإنسان من غير أن تمر جميعها عبر بوابة النقد والتمييز.

ينتقل الإنسان من خبرٍ إلى مقطع، ومن مقطعٍ إلى تعليق، ومن تعليقٍ إلى نقاش، ثم إلى محتوى آخر؛ فتتراكم في ذهنه معلوماتٌ كثيرة، بينما لا تتكون بالضرورة لديه رؤيةٌ واضحة.

وهنا ينبغي التمييز بين المعلومة والمعرفة، وبين المعرفة والوعي، وبين الوعي والرؤية.

فالمعلومة تخبرك بأن شيئاً ما موجود، والمعرفة تمنحك فهماً أوسع له، والوعي يجعلك قادراً على إدراك آثاره وسياقه، أما الرؤية فتمنحك القدرة على تحديد موقعه من مشروعك وغايتك.

قد يعرف الإنسان عشرات الطرق، لكنه لا يعرف أيها يؤدي إلى غايته.

وقد يمتلك مهارات متعددة، لكنه لا يعرف أين ينبغي أن يوظفها.

وقد يقرأ مئات الكتب، لكنه لا يمتلك قضيةً واضحةً يريد أن يبني عليها حياته.

 

ولهذا فإن أزمة بعض الشباب ليست أزمة ذكاء، ولا أزمة قدرات، ولا أزمة فرص؛ وإنما هي في جانبٍ مهم منها أزمة اتجاه ووضوح غاية.

فالإنسان الذي لا يمتلك هدفاً واضحاً يصبح أكثر قابليةً للتأثر بالمحيط. يمدحه الناس فيتجه إلى ما يرضيهم، وينتقدونه فيتراجع، ويظهر اتجاهٌ جديد فيسارع إلى تقليده، وينتشر نموذجٌ معين فيسعى إلى محاكاته.

وهكذا تتحول حياته تدريجياً إلى سلسلةٍ من ردود الأفعال تجاه ما يجري حوله، بدلاً من أن تكون تعبيراً عن وعيه وإرادته واختياره.

وهنا يظهر الفرق بين من يعيش حياته ومن تجرّه الحياة.

فالأول يسأل نفسه: إلى أين أريد أن أصل؟ وما الذي أستطيع أن أقدمه؟ وما المسؤولية التي ينبغي أن أتحملها؟ وما القيم التي لا ينبغي أن أساوم عليها؟

أما الثاني، فإنه يستيقظ كل يوم على ما يفرضه عليه المحيط، ويتحرك وفق الإيقاع الذي يصنعه الآخرون، ثم ينتهي يومه من غير أن يمتلك جواباً واضحاً عن سؤال: ماذا أضفت إلى نفسي؟ وماذا قدمت لمجتمعي؟ وإلى أي غاية اقتربت؟

وقد وضع القرآن الكريم الإنسان ضمن إطار الغاية والمسؤولية، فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

فالإنسان في التصور القرآني ليس وجوداً عبثياً، ولا كياناً متروكاً لحركة المصادفة؛ بل وجوده مرتبط بغاية، وحياته محكومة بمسؤولية، وحركته في هذا العالم ينبغي أن تكون متجهةً نحو الله تعالى.

والعبادة في هذا السياق لا ينبغي أن تُختزل في مجموعةٍ من الممارسات الفردية المنفصلة عن بقية جوانب الحياة، بل هي أوسع من ذلك؛ إذ تعني أن ينتظم وجود الإنسان في دائرة العبودية لله تعالى، وأن تصبح أعماله واختياراته وعلمه وعلاقاته وسعيه في الحياة واقعةً ضمن منظومةٍ واعية من المسؤولية والقيم.

فإذا استقامت الغاية، أمكن للإنسان أن يعيد ترتيب تفاصيل حياته على أساسها.

ومن هنا فإن شباب اليوم بحاجةٍ إلى إعادة اكتشاف معنى الهدف.

فالهدف ليس بالضرورة أن تصبح مشهوراً، ولا أن تمتلك أكبر عدد من المتابعين، ولا أن تجمع أكبر قدر من المال، ولا أن تحصل على وظيفةٍ مرموقة فحسب. فهذه الأمور، على أهميتها النسبية، قد تكون وسائل أو نتائج، لكنها لا تصلح وحدها لتكون بوصلةً وجوديةً للإنسان.

إن البوصلة الحقيقية أعمق من ذلك؛ إنها أن يعرف الإنسان من يريد أن يكون، وما القيمة التي يريد أن يعيش من أجلها، وما الرسالة التي يريد أن يؤديها، وما الأثر الذي يريد أن يتركه بعد رحيله.

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (1).

وهذا التوجيه النبوي يضع الإنسان أمام حقيقةٍ لا ينبغي أن تغيب عن وعيه: أن الزمن موردٌ محدود، وأن الفرص ليست دائمة، وأن مرحلة الشباب ليست مجرد فترةٍ عمرية عابرة، وإنما هي من أثمن مراحل القوة والاستعداد والبناء.

ومن أخطر صور الخسارة ألا يفشل الإنسان في مشروعه، وإنما أن يعيش سنواتٍ طويلة من غير أن يمتلك مشروعاً أصلاً. فالفشل في مشروعٍ واضح يمكن معالجته بالمراجعة والتجربة وتصحيح الأخطاء واكتساب الخبرة، أما فقدان الاتجاه فيجعل الإنسان يستهلك عمره في حركةٍ مستمرة من غير أن يحقق تقدماً حقيقياً نحو غايةٍ محددة.

ولهذا فإن المجتمع لا يحتاج من شبابه إلى أن يكونوا أكثر انشغالاً، بل أكثر وضوحاً؛ ولا يحتاج إلى شبابٍ يعرفون كل شيء، وإنما إلى شبابٍ يعرفون ما الذي يستحق أن يعرفوه، ولماذا يعرفونه، وكيف يحولون معرفتهم إلى أثر.

فامتلاك الهاتف لا يعني امتلاك المعرفة، وامتلاك المعرفة لا يعني امتلاك الوعي، وامتلاك الوعي لا يعني بالضرورة امتلاك الرؤية.

وهناك مسافةٌ معرفية وأخلاقية وإرادية بين أن تعرف، وأن تفهم، وأن تختار، وأن تلتزم بما اخترت.

ومن هنا تبدأ مسؤولية الشاب مع نفسه.

 

أن يتوقف، بين حينٍ وآخرعن الركض خلف كل جديد، وأن يمنح نفسه مساحةً للتأمل والمراجعة، وأن يسألها بصدق: ماذا أريد من حياتي؟ ما العلم الذي أحتاج إليه فعلاً؟ ما المهارة التي ينبغي أن أكتسبها؟ ما القيم التي أريد أن تحكم قراراتي؟ ما المشكلة التي أستطيع أن أساهم في حلها؟ ما المسؤولية التي أستطيع أن أتحملها؟ وما الأثر الذي أتمنى أن يبقى مني بعد سنوات؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، وإنما هي محاولةٌ جادة لاستعادة البوصلة.

والشاب الذي يمتلك بوصلةً واضحة لا يخاف من كثرة الطرق؛ لأنه يعرف كيف يختار. يستطيع أن يرفض بعض الفرص لأنها لا تخدم غايته، وأن يغادر بعض البيئات لأنها تستنزف قيمه وطاقته، وأن يعيد النظر في بعض العلاقات لأنها تعوق مشروعه، وأن يصبر على طريقٍ طويل وشاق لأنه يعرف إلى أين يقوده.

أما الإنسان الذي فقد البوصلة، فقد تقف أمامه ألف فرصة، لكنها تتحول جميعاً إلى أبوابٍ جديدة للحيرة.

إننا أمام جيلٍ يستطيع أن يصل إلى قدرٍ هائل من المعلومات خلال ثوانٍ، لكن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومة، بل في إدارتها وتمحيصها وتحديد موقعها من مشروع الإنسان.

يستطيع أن يرى العالم كله من شاشةٍ صغيرة، لكن السؤال الأهم: أين يقف هو من هذا العالم؟

ويستطيع أن يتواصل مع آلاف الأشخاص، لكن السؤال الأعمق: من الذين ينبغي أن يسير معهم؟ ومن الذين يضيفون إلى وعيه وإيمانه وشخصيته، ومن الذين يستنزفون اتجاهه؟

إن المستقبل لا تصنعه كثرة المعلومات وحدها، وإنما يصنعه الإنسان القادر على أن يمنح معلوماته اتجاهاً، وقدراته هدفاً، ووقته قيمةً، وشبابه رسالةً، وحياته معنى.

فالجيل الذي يملك كل شيء إلا البوصلة، لا يحتاج قبل البحث عن المزيد إلى مزيدٍ من الأشياء؛ بل يحتاج إلى أن يستعيد الاتجاه.

لأن الإنسان إذا عرف إلى أين يريد أن يذهب، استطاع أن يحسن اختيار الطريق، وأن يميز بين الفرص، وأن يضبط أولوياته، وأن يتحمل مشقة المسير.

أما إذا فقد وجهته، فإن كثرة الطرق لن تزيده إلا حيرة، وكثرة الخيارات لن تمنحه بالضرورة حرية، وكثرة المعلومات لن تمنحه بالضرورة حكمة. إن أزمة هذا الجيل ليست في أنه لا يملك ما يكفي من الوسائل، وإنما في أنه يحتاج إلى أن يعرف: لأي غاية يستخدم هذه الوسائل؟ وهنا تبدأ البوصلة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ بحار الأنوار، ج 74، ص 75.

: الشيخ ميثم شعلان طراد الصريفي