بسم الله الرحمن الرحيم
يظهر بين حينٍ وآخر مَن يتصدّى لبعض المسائل القرآنية والعقدية، فيطرح إشكالاتٍ على ما استقرّ من الفهم العلمي، وربّما صيغت تلك الإشكالات في قالب التحدّي للحوزات العلمية والحواضر الدينية، وكأنّ مجرّد إثارة الإشكال كفيلٌ بإسقاط ما قرّره أهل الاختصاص.
ومن جملة ما أُثير في هذا السياق الاستشكال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾.
وحاصل الإشكال: أنّ الآية الكريمة رتّبت ثلاثة أمور: الخلق، ثم التصوير، ثم الأمر للملائكة بالسجود لآدم، واستُعملت في ذلك لفظة «ثم» التي قد تُشعر بالتراخي والترتيب؛ فيلزم منه ـ بحسب هذا الفهم ـ أنّ البشر خُلقوا وصُوّروا قبل أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، مع أنّ القرآن الكريم نصّ على أنّ تصوير الإنسان إنّما يكون في الأرحام، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وعليه، فكيف يصحّ الجمع بين الآيتين؟ وكيف يكون خلق البشر وتصويرهم قبل السجود لآدم عليه السلام، مع أنّ وجود ذريته وتكوّنها في الأرحام متأخّر عن أصل خلق آدم وأمر الملائكة بالسجود له؟
وهذا الإشكال ـ وإن بدا في بادئ النظر متماسكاً ـ إلا أنّه يبتني على جملة من المسلّمات غير المحرّرة، أهمّها: تعيين المخاطَب في الآية، وفهم المراد من الخلق والتصوير، وحمل «ثم» على الترتيب الزماني في جميع الموارد، وعدم الالتفات إلى البيانات الروائية الواردة عن أهل البيت عليهم السلام. ويمكن تقريب الجواب من وجوهٍ عدّة.
أولاً: في بيان المراد من الخلق والتصوير
لا بدّ قبل معالجة الإشكال من تحرير معنى «الخلق» و«التصوير»؛ فإنّ الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام تشير إلى أنّ الخلق والتصوير قد يُراد بهما مرحلتان مختلفتان من وجود الإنسان.
فقد ورد عن علي بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أنّ المراد: خلقناكم في الأصلاب، وصوّرناكم في أرحام النساء [تفسير القمی، ج١، ص٢٢٣].
وجاء عن ابن عباس في تفسير الآية: «خُلِقُوا في ظهر آدم عليه السلام، ثم صُوِّروا في الأرحام» [بحار الأنوار، ج٥٧، ص٣٨٢].
وعلى هذا البيان، لا يلزم من قوله تعالى: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أن يكون الخلق والتصوير بمعنى الإيجاد المادي الكامل للإنسان دفعةً واحدة؛ بل يمكن أن يكون الخلق ناظراً إلى مرحلة وجود النطفة والذرية في أصلاب الآباء، بينما يكون التصوير ناظراً إلى مرحلة تشكّل الإنسان وتكمّل أعضائه في الأرحام. وبذلك ينسجم هذا التفسير مع قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. فلا تعارض بين الآيتين؛ لأنّ كلّ آية ناظرة إلى حيثية من حيثيات وجود الإنسان، لا إلى مرحلة واحدة بالضرورة.
غير أنّ هذا الجواب، وإن كان يرفع الإشكال المتعلّق بالتعارض بين الخلق والتصوير، لا يزال السؤال قائماً من جهة أخرى، وهي: كيف يكون الخلق والتصوير قبل أمر الملائكة بالسجود لآدم، مع أنّ التصوير في الأرحام إنّما يكون بعد وجود آدم عليه السلام؟
ومن هنا ننتقل إلى الجواب الأهم.
الجواب الأول: اختصاص الخطاب بآدم عليه السلام:
إنّ من أهمّ ما ينبغي الالتفات إليه أنّ الضمير في قوله تعالى: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾
لا يلزم أن يكون شاملاً لجميع أفراد البشر على نحو العموم الاستغراقي؛ إذ إنّ السياق القرآني لا يقتضي ذلك بالضرورة.
بل يمكن حمل الخطاب على آدم عليه السلام، باعتباره الأصل الذي صدر منه النسل البشري، ويكون التعبير بصيغة الجمع جارياً على نحوٍ من الاعتبار أو باعتبار ما يتفرّع عنه من ذريته.
وعلى هذا، يكون المراد: لقد خلقناكم ـ أي أصل هذا النوع الإنساني في شخص آدم ـ ثم صوّرناكم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم.
ولا يلزم من ذلك أنّ جميع البشر كانوا موجودين ومصوّرين قبل السجود؛ لأنّ الآية حينئذٍ لا تتحدث عن جميع الأفراد بنحو الاستقلال، وإنما عن أصل النوع الإنساني الذي تمثّل في آدم عليه السلام.
ويؤيّد ذلك ما ورد في القرآن الكريم من نسبة خلق الإنسان إلى التراب، مع أنّ ذرية آدم إنما تتكوّن من النطفة، كما قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾.
فالقرآن الكريم يفرّق بين أصل خلق آدم وبين خلق ذريته؛ ولذلك فإن نسبة الخلق إلى عموم البشر قد تكون بلحاظ أصلهم وآدم عليه السلام، لا بمعنى أنّ كل فرد من أفراد البشر كان موجوداً بشخصه في تلك المرحلة، وآدم عليه السلام هو الذي كان ماثلاً للسجود.
ويؤكد هذا المعنى ما ورد في الروايات من بيان مراحل خلق آدم عليه السلام، فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّ الله تعالى خلق آدم عليه السلام، فبقي أربعين سنة مصوّراً، وكان إبليس يمرّ به ويقول: «لأمر ما خُلقت»، ثم نفخ الله فيه، وبعد ذلك قال للملائكة: «اسجدوا لآدم».
فالسجود إنما تعلّق بآدم عليه السلام بعد خلقه وتصويره، لا بجميع ذريته التي لم تكن قد وُجدت بأشخاصها بعد.
وعليه، فليس في الآية ما يقتضي أنّ كل فرد من أفراد البشر قد خُلق وصُوّر في الأرحام قبل السجود؛ إذ إنّ محلّ الخطاب يمكن أن يكون آدم عليه السلام باعتباره أصل النوع الإنساني.
ثانياً: دلالة الروايات على إمكان تفاضل الإنسان على الملائكة:
وقد يتفرّع عن هذا البحث سؤال آخر، وهو: كيف يصحّ أن يكون آدم أو الإنسان أفضل من الملائكة، مع أنّ الملائكة مخلوقات مجرّدة عن دواعي الشهوة والانحراف؟
والجواب أنّ مناط الفضيلة ليس مجرّد خلوّ الموجود من الشهوة، بل قد تكون الفضيلة في تحصيل الكمال مع وجود مقتضيات النقص وموانعه. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، عن عبد الله بن سنان، أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: «إنّ الله ركّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوةً بلا عقل، وركّب في بني آدم كليهما؛ فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شرّ من البهائم» [علل الشرايع ج1 ص8].
فالرواية تبيّن إمكان بلوغ الإنسان مرتبةً من الكمال تجعله أفضل من الملائكة، إذا غلب عقله شهوته، وسلك سبيل الطاعة، وتدرّج في مدارج الكمال.
وهذا لا يعني أنّ كل إنسان أفضل من كل ملك، بل الفضيلة دائرة مدار الكمال والقرب والطاعة، ولذلك لا يصحّ تعميم حكم الفضيلة على جميع أفراد البشر.
الجواب الثاني: حمل الخطاب على أهل البيت عليهم السلام:
ومن الوجوه التي يمكن تقريبها في المقام: أن يكون الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ متوجهاً إلى جماعةٍ مخصوصة من عباد الله تعالى، وهم محمد وآل محمد عليهم السلام، بناءً على ما ورد في جملة من الروايات من سبق خلق أنوارهم وأرواحهم على خلق آدم وسائر الخلق.
وقد ورد في الحديث المروي عن أبي الصلت الهروي، عن الإمام الرضا عليه السلام، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنّه قال في بيان مقام أهل البيت عليهم السلام وسبق خلق أرواحهم: «إنّ أول ما خلق الله عز وجل خلق أرواحنا، فأنطقنا بتوحيده وتحميده...» [علل الشرايع ج1 ص9].
ثم تذكر الرواية أنّ الله تعالى خلق آدم عليه السلام، وأودع تلك الأنوار في صلبه، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيماً وإكراماً لما أودع في صلبه من تلك الأنوار.
وعلى وفق هذا المبنى، يكون سجود الملائكة لآدم عليه السلام متضمّناً ـ من جهةٍ ـ تكريماً لآدم، ومن جهةٍ أخرى ـ بحسب مفاد الرواية ـ إظهاراً لشرف ما أودع الله تعالى في صلبه من الأنوار الطاهرة.
وهذا المعنى ينسجم مع ما ورد في جملة من الروايات في بيان فضل النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام وسبق خلق أرواحهم، وإن كان البحث في أسانيد هذه الروايات ودلالاتها يحتاج إلى مقامٍ مستقلّ لا يسع هذه المقالة.
الجواب الثالث: عدم لزوم حمل «ثم» على الترتيب الزماني:
ومن الأجوبة المهمة في المقام أنّ لفظة «ثم» لا يلزم أن تكون دائماً دالّةً على الترتيب الزماني الخارجي بين جميع الجمل التي تَرِد فيها. فقد تأتي «ثم» في الاستعمال العربي لمجرّد الانتقال من كلام إلى كلام، أو للتنبيه على أمرٍ آخر، ولا يكون المقصود منها إثبات التراخي الزمني بين الحدثين.
وقد نُقل هذا الاتجاه عن الأخفش في بعض موارد استعمال «ثم»، حيث لا تكون دلالتها على الترتيب الزمني هي المراد بالضرورة، بل قد يكون الانتقال في سياق الكلام.
وعليه، يمكن أن يكون معنى الآية: «نحن الذين خلقناكم، ونحن الذين صوّرناكم، ونحن الذين قلنا للملائكة اسجدوا لآدم.» فلا يلزم من ترتيب الجمل في الذكر أن يكون الترتيب في الوقوع الخارجي مطابقاً لترتيبها في اللفظ.
وهذه قاعدة مهمة في فهم النصوص؛ فإنّ الترتيب في مقام البيان لا يساوق دائماً الترتيب في مقام الوقوع الخارجي، ولا سيما إذا قامت قرينة من خارج النص على خلاف ذلك.
وبناءً عليه، لا يصحّ بناء الإشكال كلّه على دعوى أنّ «ثم» هنا تقتضي حتماً تأخّر السجود زماناً عن جميع مراتب الخلق والتصوير المقصودة في الآية.
مناقشة أصل الإشكال:
يتضح من مجموع ما تقدّم أنّ الإشكال المذكور قائم على مقدّمات تحتاج إلى إثبات، لا على دلالة قطعية للنص.
فالمستشكل افترض:
1. أنّ ضمير الجمع في ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ شامل لكل فرد من أفراد البشر على نحو الاستقلال.
2. أنّ المراد بالخلق هو الوجود الشخصي الكامل لجميع أفراد الإنسان.
3. أنّ المراد بالتصوير هو خصوص التصوير الواقع في الأرحام.
4. أنّ «ثم» لا يمكن أن تستعمل إلا للترتيب الزماني الخارجي.
5. أنّ ترتيب الجمل في الآية يستلزم ترتيب الوقائع الخارجية على النحو نفسه.
6. أنّه لا توجد روايات تفسّر الآية بما يرفع الإشكال.
وهذه المقدمات كلّها قابلة للمناقشة، وبعضها مخالف لما ورد في النصوص التفسيرية والروائية.
والمنهج العلمي في تفسير القرآن لا يقوم على انتزاع لفظة واحدة من سياقها ثم بناء نتيجة عقدية عليها، وإنما يقتضي جمع الآيات ذات الصلة، والنظر في استعمالات اللغة، وملاحظة السياق، ثم الرجوع إلى الروايات المعتبرة في تفسير القرآن عن أهل البيت عليهم السلام، مع التمييز بين الرواية الصحيحة والضعيفة، وبين دلالة الرواية على المدعى وعدم دلالتها.
النتيجة:
يتحصّل مما تقدّم أنّ الإشكال الوارد على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ لا ينهض دليلاً على وجود تعارض بين القرآن الكريم، ولا يستلزم أنّ جميع البشر قد خُلقوا وصُوّروا قبل أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام.
ويمكن دفع الإشكال من عدّة جهات:
الأولى: أنّ الخلق والتصوير قد يكونان بلحاظ مرحلتين مختلفتين؛ فالخلق في الأصلاب، والتصوير في الأرحام، وفق ما ورد في بعض الروايات التفسيرية.
الثانية: أنّ المخاطَب في الآية يمكن أن يكون آدم عليه السلام باعتباره أصل النوع الإنساني، فلا يلزم أن يكون جميع أفراد البشر قد وجدوا قبل السجود.
الثالثة: أنّه يمكن حمل الخطاب ـ وفق بعض الروايات ـ على النبي وأهل بيته عليهم السلام، باعتبار سبق خلق أرواحهم، وإيداع أنوارهم في صلب آدم عليه السلام.
الرابعة: أنّ «ثم» لا يلزم أن تكون في جميع موارد استعمالها مفيدةً للترتيب الزماني الخارجي، فلا يصحّ جعلها وحدها أساساً لإثبات التعارض.
ومن هنا يظهر أنّ ما يبدو للوهلة الأولى إشكالاً على النص القرآني إنما نشأ من تضييق دائرة الاحتمال التفسيري، وإغفال القرائن القرآنية واللغوية والروائية. والتحقيق العلمي في أمثال هذه المسائل يقتضي عدم التسرّع في نسبة الإشكال إلى القرآن الكريم، ولا سيما في المسائل التي تعرّض لها المفسرون وأهل الحديث واللغة، بل لا بدّ من استفراغ الوسع في جمع الشواهد وتحقيقها سنداً ودلالةً قبل إصدار الحكم.
والحاصل: أنّ الآية الكريمة لا تدلّ على ما توهّمه المستشكل من لزوم خلق جميع أفراد البشر وتصويرهم قبل السجود لآدم عليه السلام، بل إنّ وجوه الجمع بين الآية وسائر الآيات والروايات متعددة، وأقربها ـ بحسب اختلاف المباني التفسيرية ـ ما تقدّم من اختصاص الخطاب بآدم، أو حمله على موردٍ مخصوص، أو عدم إرادة الترتيب الزماني من «ثم».
والله العالم بحقائق كتابه، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

اترك تعليق