دراسة كلامية في معنى قول الإمام الصادق (عليه السلام) «نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا».
بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى أنه قد يُستَشْكَلُ بدواً على ظاهر ما رواه ثقةُ الإسلام الكليني في الكافي، بالإسناد إلى الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) في قوله تعالى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] أنّه قال: «نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا» (1). الحديث؛ بتقريب: أن مقتضى البرهانِ لزومُ التغاير بين الدال والمدلول، وظاهر الآيةِ انحصار الأسماء بالذات الأحدية، فكيف يصح حملُها على الأئمة الهداة (عليهم السلام)؟ وهل يؤول ذلك إلى محذور الغلو بالاتحاد، أو تفويض شؤون الربوبية؟ ومن السَّنَخِ نفسه ما جابه به بعضُ أهل الخلاف ثامنَ الحججِ مولانا الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) ـ كما في الكافي والتوحيد ـ مستشكلاً بأن دعوى الاشتراك في الأسماء الحسنى تساوق إثبات الشبه والمثلية لله سبحانه، حيث قالوا: زعمتم أنه لا مثل لله ولا شبه له - كيف شاركتموه في أسمائه الحسنى فتسميتم بجميعها؟ فإن في ذلك دليلا على أنكم مثله في حالاته كلها أو في بعضها دون بعض إذ جمعتم الأسماء الطيبة (2).
فكان مفاد بيانه (عليه السلام): كسر الملازمة بين وحدة اللفظ ووحدة الحقيقة؛ إذ الاتّحاد المفهومي في مرتبة الإطلاق لا يستدعي التواطؤ في مقام التحقق والعيان؛ فالله سبحانه عالم بــالعلم الذاتي الأزلي المستغني عن المبادئ، والعبد عالم بالعلم العَرَضي الحادث المسبوق بالعدم والجهل، والاشتراك اللفظي أو المفهومي أعمُّ من التماثل الحقيقي؛ فالقاعدة المستفادة من بيانه الشريف: «أن اجتماع الخالق والمخلوق في الاسم لا يوجب السنخية في الكيفية والمعنى».
وبذلك يرتفع وعاء التشبيه والمحاذاة رأساً. والتحقيق في دفع الشبهة وتنقيح المطلب؛ يستدعي التعرّض لعدة جهات:
الجهة الأولى: حقيقة الاسم وعلاقته بالمسمّى:
إنّ وضع الاسم وملاكه إنما هو الحكاية والآتية ليكون مَشِيراً إلى المسمّى وعلامةً عليه، وبه امتازت الحقائق وتمايزت؛ ومن بيّنِهِ يتّضح التغاير المفهومي بين الاسم والمسمّى، وإن التَحَما في مقام الدلالة والكشف.
وقد أكدت روايات أئمة الهدى (عليهم السلام) هذه الحقيقة، فقد روى الكليني بالإسناد إلى الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنّه قال: «الاسم غير المسمّى، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئاً، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذلك التوحيد» (3).
وهذا البيان من النصوص المهمة في باب التوحيد؛ إذ يقرر أنّ الألفاظ والأسماء ليست هي الذات الإلهية، وإنما هي عناوين ودوالّ عليها، وأنّ المقصود بالعبادة هو الله تعالى، لا اللفظ الذي يُعبّر عنه به.
وعليه، فلا يصح حمل قوله (عليه السلام): «نحن الأسماء الحسنى» على أنّ ذواتهم المقدسة هي ذات الله تعالى، أو أنّهم شركاء له في الألوهية والربوبية؛ فإنّ هذا يناقض صريح التوحيد، كما يناقض أصل افتقار الممكن إلى واجب الوجود.
وإنما الكلام في وجه كونهم أسماءً لله تعالى، مع كونهم عباداً مخلوقين.
الجهة الثانية: المراد من إطلاق «الأسماء الحسنى» على أئمة أهل البيت (عليهم السلام):
إنّ هذا التعبير يمكن حمله على وجوه متعددة، لا تنافي بينها من حيث الأصل، بل قد يكون بعضها ناظراً إلى بعض، وأهمها ثلاثة معاني نذكرها كالآتي:
المعنى الأول: أنّ المراد أسماؤهم التي شرّفهم الله بها:
يمكن أن يكون المراد أنّ الله سبحانه جعل لهم أسماءً مخصوصة، وجعل لهذه الأسماء ارتباطاً بأسمائه وصفاته الحسنى، ولذلك صحّ نسبتها إليه من جهة أنّه تعالى هو الذي سمّاهم وأظهر مقامهم.
وقد ورد في بعض الأخبار ما يشير إلى هذا المعنى، ومن ذلك الحديث القدسي المنقول في شأن أصحاب الكساء (عليهم السلام)، وفيه أنّ الله تعالى قال لآدم (عليه السلام): «هؤلاء خمسة شققت لهم أسماءً من أسمائي...»، ثم ذكر محمداً وعلياً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، وبيّن المناسبة بين أسمائهم وبعض الأسماء الإلهية» (4).
وعلى هذا، يكون معنى الرواية أنّ أسماءهم الشريفة ليست مجرد ألفاظ موضوعة بلا دلالة، وإنما هي أسماء ارتبطت بمقاماتهم وفضائلهم، وبما أودعه الله تعالى فيهم من الكمالات.
وهذا لا يعني أنّهم أسماء الله بالمعنى الذي يكون فيه الاسم عين الذات، بل بمعنى أنّ أسماءهم ومقاماتهم مرتبطة بما أظهره الله تعالى من أسمائه وصفاته في خلقه.
المعنى الثاني: أنّهم أكمل مظاهر الأسماء والصفات الإلهية:
فإنّ الموجودات جميعاً ـ من حيث كونها مخلوقةً لله تعالى ـ آيات دالة على وجوده وقدرته وحكمته؛ إذ لا يخلو مخلوق من جهة دلالته على خالقه بحسب ما أودع فيه من آثار الكمال.
غير أنّ هذه الدلالة ليست على مرتبة واحدة، بل الموجودات تتفاوت في الكمال تفاوتاً عظيماً. وكلما كان المخلوق أكمل وأشرف، كانت دلالته على كمال خالقه أظهر وأجلى.
وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) ـ بحسب ما تضافرت عليه النصوص ـ هم صفوة الخلق وأكملهم في العلم والطهارة والعبودية والهداية، ومن ثم كانوا من أجلى مظاهر الأسماء والصفات الإلهية.
فإذا ظهر فيهم العلم، كان ذلك من آثار إقدار الله تعالى وإفاضته؛ وإذا ظهرت الرحمة، فهي رحمة مخلوقة أظهرها الله تعالى فيهم؛ وإذا تجلت القدرة في كراماتهم ومعاجزهم، فهي قدرة الله التي أجراها على أيدي حججه، لا قدرة مستقلة لهم عن الله تعالى. وهذا هو الفارق الدقيق بين المظهر والمصدر؛ فالمظهر يدل على الصفة ويظهر أثرها، أما المصدر الحقيقي لكل كمال فهو الله سبحانه. ولذلك وصف الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) بالرحمة فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، ووصفه بالرأفة والرحمة فقال سبحانه: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].
ولا يلزم من إثبات الرحمة والرأفة للنبي (صلى الله عليه وآله) إثبات الصفات الإلهية له على نحو الاستقلال، بل هما كمالان مخلوقان أظهر الله آثارهما فيه.
وعلى هذا الأساس، يكون أهل البيت (عليهم السلام) مظاهر لأسماء الله الحسنى، لا أنّهم ذوات الأسماء الإلهية بالمعنى الذي يوجب الاتحاد أو الحلول.
المعنى الثالث: أنّهم العارفون بأسماء الله والأدلاء عليه:
ومن الوجوه المهمة في تفسير الرواية أن يكون المراد بـ«الأسماء الحسنى» أنّهم أهلها علماً ومعرفةً وبياناً، أي إنهم الذين أحاطوا بمعارف التوحيد وأسماء الله وصفاته، وبيّنوا للخلق الطريق الصحيح إلى معرفته وعبادته.
وعليه، يكون معنى قوله (عليه السلام): «نحن والله الأسماء الحسنى» قريباً من معنى أنّهم أهل الأسماء الحسنى، والعارفون بها، والأدلاء على معانيها وآثارها. وهذا المعنى تؤيده روايات أخرى في بيان مقامهم الهداية، فقد روى الكليني بالإسناد إلى أبي حمزة الثماليّ، عن الإمام الباقر محمد بن علي (عليهما السلام)، أنّه قال: «يا أبا حمزة، يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلاً، وأنت بطرق السماء أجهل منك بطرق الأرض، فاطلب لنفسك دليلاً» (5).
فالمراد بطرق السماء ـ بقرينة السياق ـ طرق الهداية والمعرفة الإلهية، وأهل البيت (عليهم السلام) هم الأدلاء عليها؛ لأنّهم حملة علم النبي (صلى الله عليه وآله)، والمبيّنون لمعالم الشريعة، والعارفون بمراتب التوحيد والعبادة.
وروى الصدوق بالإسناد إلى الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: «نحن الأدلاء على الله» (6).
وهذه العبارة بالغة الدلالة؛ فإنّ الإمام لا يكون «دليلاً على الله» بمعنى أنّ الله تعالى يحتاج إلى من يدل عليه، تعالى الله عن ذلك، وإنما معناه أنّه الدليل الذي نصبه الله تعالى للخلق، وبه يعرفون سبيل الطاعة والعبودية.
الجهة الثالثة: معنى «لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا»:
وهنا يقع الكلام الأهم في ذيل الرواية، حيث قال الإمام (عليه السلام): «التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا».
والمراد ليس أنّ الله تعالى لا يملك قبول عمل العبد إلا بواسطة ذات الإمام على نحو الاستقلال، تعالى الله عن ذلك، وإنما المراد أنّ المعرفة الصحيحة بالله تعالى وبحججه من مقومات العبادة المقبولة.
فقد يكون الإنسان كثير العبادة، ولكن عبادته لا تقع على الوجه الذي أراده الله سبحانه إذا كانت قائمة على الجهل بحججه أو مخالفة الطريق الذي شرّعه.
وهذا أمر تؤيده القاعدة العقلائية والشرعية؛ فإنّ الطاعة لا تتحقق بمجرد قصد القربة، بل لا بد من معرفة ما أمر الله به وكيفية امتثاله ومن أين يؤخذ حكمه.
ومن هنا كانت معرفة الإمام جزءاً من منظومة الهداية الإلهية؛ لأنّ الإمام ليس إلهاً يُعبد، ولا مشرّعاً من عند نفسه، وإنما هو حجة الله على خلقه، وبيانٌ لدينه، ودليلٌ على سبيل طاعته.
وعليه، فمعرفة أهل البيت (عليهم السلام) ليست في عرض معرفة الله حتى يتوهم الشرك، وإنما هي في طولها ومن شؤونها؛ لأنّ الله تعالى هو الذي أمر بمعرفتهم وطاعتهم والرجوع إليهم في الدين.
الجهة الرابعة: دفع توهّم الغلو:
ومن المهم في هذا المقام التنبيه إلى أنّ الألفاظ الواردة في بعض الروايات عن مقامات أئمة الهدى (عليهم السلام) لا يجوز عزلها عن محكمات التوحيد. فإذا قيل: إنّهم «أسماء الله»، أو «أبواب الله»، أو «وجوه الله»، أو «الأدلاء على الله»، فليس المراد إثبات شيء من خصائص الذات الإلهية لهم، وإنما هي عبارات ناظرة إلى مقام الدلالة والهداية والوساطة في الإيصال إلى طاعة الله سبحانه ومعرفته. فهم عباد الله، ومخلوقون له، ومفتقرون إليه، ولا يملكون لأنفسهم ـ فضلاً عن غيرهم ـ استقلالاً عن مشيئته وقدرته. وهذا هو الميزان الذي ينبغي أن يحكم فهم النصوص الواردة في فضائلهم: إثبات ما أثبته الله ورسوله وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) من مقاماتهم، من غير تقصير يؤدي إلى إنكار فضائلهم، ولا غلو يرفعهم عن مقام العبودية. كما اُشير لذلك في الأخبار ومنها: ما رواه الصفار بالإسناد إلى الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال لإسماعيل بن عبد العزيز: «لا ترفعوا البناءَ، فوق طاقتِنا فينهدم، اجعلونا عبيداً مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم"، وفي رواية القطب الرواندي في الخرائج والجرائح "قولوا فينا ماشئتم إلاّ النبوَّة» (7).
وما رواه الطبرسي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «لا تتجاوزوا بنا العبوديَّة ثم قولوا فينا ماشئتم ولن تبلغوا، وإيَّاكم والغلو كغلوِّ النصارى، فإنّي بريءٌ من الغالين» (8).
وما رواه الحسن بن سليمان الحلِّي بالإسناد إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنَّه قال لكامل التمَّار: «يا كامل اجعلوا لنا ربَّاً نؤوبُ إليه، وقولوا فينا ماشئتم ..» (9).
يتحصل من مجموع ما تقدم: أنّ قول الإمام الصادق (عليه السلام): «نحن والله الأسماء الحسنى» لا يراد منه أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم ذات الله تعالى، ولا أنّهم شركاء له في شيء من خصائص الألوهية والربوبية، بل المراد بيان مقامهم من جهة كونهم أكمل آيات الله، وأظهر مظاهر أسمائه وصفاته، وأعرف خلقه به، وأدلاء العباد على سبيل معرفته وطاعته. فهم «أسماء الله» من حيث إنهم أعلام دالة عليه، و«أسماؤه الحسنى» من حيث بلوغهم الغاية في الكمال المخلوق، وكونهم من أجلى مظاهر صفاته وآثار أسمائه، وهم كذلك أدلاء على تلك المعارف التي لا تستقيم العبادة على وجهها الكامل إلا بسلوك الطريق الذي نصبه الله تعالى لهداية عباده.
وعليه، فإنّ قول الإمام (عليه السلام): «التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا» إنما يكشف عن الملازمة بين العبادة الصحيحة والهداية الصحيحة؛ فإنّ الله تعالى لا يُعبد بالأهواء والجهالات، وإنما يُعبد على وفق ما شرّع، وقد جعل أهل البيت (عليهم السلام) حججاً على عباده، وأمناء على دينه، وأدلاء على سبيله.
فالمعنى الجامع للرواية: أنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم من أعظم آيات الله الدالة عليه، وأكمل مظاهر أسمائه الحسنى في عالم الخلق، وحججه على عباده وأدلاءهم إلى معرفته؛ فمن عرف الله من الطريق الذي رسمه، وأطاعه على النهج الذي شرّعه، كان متعبداً لله على بصيرة، وكانت معرفته بأوليائه من تمام معرفته بطريق الهداية الإلهية.
والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــ
1. الكافي، ج1، ص144.
2. الكافي ج1 ص121، التوحيد ص188.
3. الكافي، ج2، ص114.
4. فرائد السمطين، ج1، ص37.
5. الكافي، ج1، ص185.
6. التوحيد، ص185.
7. بصائر الدرجات ص261.
8- الاحتجاج ج2 ص233.
9- مختصر بصائر الدرجات ص527.

اترك تعليق