ارهاصات الانقلاب على الاعقاب في مواجهة الثورة الحسينية

عندما ندرس الثورة الحسينية في سياقها وظروفها التاريخية ومبررات انطلاقها، فإننا نجد أنفسنا أمام أمة سعى النبي صلى الله عليه واله جاهداً على صناعتها نفسياً وعمل على بنائها معنوياً وداخلياً ونزع كل أسباب الخوف من نفوس أبنائها، فأصبح الفرد المسحوق الضعيف قوياً قوة الإيمان، عزيزاً عزة الإسلام، فوقف أمام آلة القتل بكل شجاعة يستقبل الموت والتعذيب والتجويع صابراً محتسباً وهو يحس بلذة روحية لا يضاهيها شيء، ويدخل على سلاطين زمانه أمثال: کسری وقيصر .. بلباسه العربي المتواضع حاملاً رسائل النبي صلى الله عليه واله ليتلوها عليهم بكل عزة وإباء، داعياً إياهم للدخول في الإسلام.

إن هذه الأمة التي صنعها رسول الله صلى الله عليه واله لم تلبث طويلاً بعد ارتحاله إلى الرفيق الأعلى حتى انقلبت على الأعقاب، وعاد القهر والاستبداد ليمارس هذه المرة على الخلص من أتباع رسول الله صلى الله عليه واله، ولا سيما بعد اعتلاء معاوية سدة الحكم وتحويله الخلافة إلى كسروية وقيصرية كما قال عبد الله بن عمر(1) ، وقد انعكست هذه الكسروية على نمط حياته الشخصية المليء بالبذخ والإسراف وعلى سلوكه العام مع الأمة، لجهة اتباعه أساليب التضليل ومحاربة الدين باسم الدين والهدر بكل أشكاله، وإلى ذلك كله فقد ابتكرت الكسروية الإسلامية أساليب ترهيبية قمعية متنوعة تكفل لها دوام الملك واستمرار السلطة، وإليك بعض هذه الأساليب:

1 - الترويع والترهيب

فقد مارست السلطة الكسروية كل أشكال الترويع والترهيب بحق الأحرار الذين وقفوا بوجه استبدادها وظلمها وفسادها وانحرافها، أو خالفوها الرأي، لا سيما من أنصار علي عليه السلام وأتباعه وقد أورد المؤرخون صوراً مخيفة عن مشاهد القتل والإبادة التي تعرضت لها الجماعة الواعية من أبناء الأمة، أمثال حجر بن عدي وصحبه ورشيد الهجري وهكذا مالك الأشتر رضي الله عنهم الذي دس له معاوية السم بالعسل، كما قتل غيره بنفس الوسيلة، وعرف عنه القول بعدما بلغه مصرع مالك: إن الله لجنداً من عسل(2) ، وبلغ الترويع في عهد معاوية مداه، لدرجة أن الشخص الموالي لعلي عليه السلام كان يفضل أن يقال له: «زنديق» على أن يُقال: أنه من شيعة علي، وإذا أراد أحد من صحابته أن يُحدث عنه اضطره الخوف إلى الترميز والتورية، فبدل أن يذكر اسم علي عليه السلام كان يقول: حدثني أبو زینب (3).

مضافاً إلى تصفية الكثير من الشخصيات المعارضة للسلطة، فقد تم إقصاء أو نفي الآخرين وإبعادهم عن ساحة التأثير الشعبي كما حصل ذات يوم مع أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.

وإن من يُراقب صورة المجتمع الكوفي عشية أحداث كربلاء يجد أن سياسة الترهيب والترغيب بلغت مداها، ما جعل آلاف الناس ينفضون عن مسلم بن عقيل عليه السلام بعد أن بايعوه على النصرة والجهاد.

2 - التجويع والحصار الاقتصادي

والأسلوب الآخر الذي لا يقل بشاعة عن سابقة هو أسلوب الحصار الاقتصادي والتجويع الذي مورس بحق المعارضين للكسروية الإسلامية، ونتيجة ذلك عاشت شريحة كبيرة من أبناء الأمة القهر والمعاناة وذاقت البؤس والجوع، ومن هؤلاء أهل المدينة المنورة الذين عاقبتهم السلطة المستبدة، فانتشر الفقر بينهم وخيم عليهم البؤس، ولما حج معاوية ومر على المدينة استقبله الناس ومنهم الأنصار الذي خرجوا لاستقباله مشاة! خلافاً لسائر الناس الذين خرجوا على الرواحل، فقال لهم: ما منعكم من تلقي كما يتلقاني الناس؟ فقال له سعيد بن عبادة: منعنا من ذلك قلة الظهر (أي المركوب) وخفة ذات اليد، وإلحاح الزمان علينا وإيشارك بمعروفك غيرنا، فقال معاوية مستهزئاً: أين أنتم من نواضح المدينة! فأجابه سعد: نحرناها يوم بدر يوم قتلنا حنظلة بن أبي سفيان (4).

أما العراق فقد طالته العقوبات الاقتصادية أكثر من غيره؛ لأنه معقل المعارضة ومركز ثقلها.

3 - شراء الضمائر والذمم

ومن جملة الأساليب الرخيصة واللا أخلاقية التي انتهجتها سلطة القمع والاستبداد أسلوب شراء الضمائر بإغراءات المال أو الجاه، ولذا اختار عمر بن سعد قتال الإمام الحسين عليه السلام وذل الأبد لقاء عرض دنيوي زائل وهو ملك الري، ونجح معاوية في شراء بعض القادة الكبار في جيش الإمام الحسن عليه السلام الأمر الذي دفعه مع أسباب أخرى إلى اختيار الصلح مع معاوية، وقد سقط الكثيرون في امتحان المال والجاه ولم ينجح سوى القلة من ذوي الكرامة والمروءة والدين أمثال جابر بن عبد الله الأنصاري الذي ورد على يوم فلم يأذن له بالدخول عليه توهيناً له، فانصرف معاوية ذات عنه، فوجه له معاوية ستماية درهم فردها جابر، وكتب إليه:

وإني لأختار القنوع على الغنى إذا اجتمعا والماء بالبارد المحض

وأقضي على نفسي إذا الأمر نابني وفي الناس من يقضى عليه ولا يقضي

والبس أثواب الحياء وقد أرى مكان الغنى الا أهين له عرضي(5)

قتل الشخص أو الشخصية

وتنوعت أساليب الطغاة والمستبدين، فمن عجزوا عن استيعابه وشرائه عملوا على قتله والتخلص منه كما أسلفنا، وإذا أخفقوا في تصفيته جسدياً خوفاً من ردات الفعل على ذلك أو لأي سبب آخر عملوا على قتله معنوياً، بتشويه صورته وحياكة الأكاذيب حوله، مما قد يسقطه أمام الرأي العام، وقد أتقن اليهود اتباع هذه السياسة القذرة، أعني سياسة قتل الشخص أو الشخصية مع أنبياء الله ورسله، كما حدثنا القرآن عنهم قائلاً: ﴿أَفَكُلَمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة:87]

في هذا السياق المظلم بكل أشكال الاستبداد والقهر جاءت ثورة الإمام الحسين التشكل صدمة قوية في جدار الصمت والذل، وتسجل اعتراضاً صارخاً على سياسة القهر والاستبداد وتضع الأمة أمام مسؤولياتها في مواجهة الظالمين، وقد نجحت تلك النهضة رغم مأساويتها في استنهاض الأمة وتحريرها من عقدة الخوف كما شهد بذلك توالي الأحداث عقيب الثورة.

لقد استنهض الإمام الأمة بدمائه ودماء أصحابه، وسطر بمواقفه وجهاده وكلماته دروس العزة والإباء، وبقي شعاره الخالد يتردد على مدى الأزمان هيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللثام على مصارع الكرام (1).

: الشيخ حسين الخشن