لا غالب إلا الله

مدارات من القلق تحوم حول عوالم الإنسان ، تشكلت بفعل تعقيدات حياته المعاصرة وواقعه المتخم بتداعيات المرارة والفجيعة اثر الصراعات والحروب المتواصلة ، ترجمتها الكثير من الاقلام والصور بلغات مختلفة وعبر ازمان متعاقبة وترجمها الرسامون بلغة تداولية خاصة جمعت نقاشا بين لون وفرشاة يديره فنان في ساحة محددة مليئة برموز تأملية وخطوط قلقة تخبر المتلقي بما كان وما هو كائن اليوم .

 فالناس في حاجة مستمرة لبعضهم البعض خصوصا في الأوقات العصيبة ، كنوع من المساندة النفسية‏ والمعنوية فيما بينهم ، فالإحساس بالامتزاج مع الناس الذين يتعرضون للموقف نفسه والمشاعر نفسها كالخوف من الحرب والمصيرالمجهول الناتج عنها ليقلل إلى حد كبير من احتمال وقوع الإنسان في كرب ما بعد الصدمة‏ والأسى المرافق لها ليشعر الفرد بأن المشكلة جماعية ولا تقع على عاتقه بمفرده‏‏ ، وهذا ما دار في الساحة التشكيلية العربية والعراقية خاصة بإحالة الفنانين لبعض لوحاتهم الى خطاب موجه للمتلقي من الناس بلغة فنية روحية تحاكي واقعهم الذي مالبث مكتظاً بالصراعات الدموية بغية مشاطرتهم تلك الهموم والمآسي .

الفنان الراحل " شاكر حسن آل سعيد " احد التشكيليين العراقيين الذين سخروا لوحاتهم لمحاكات الواقع العراقي بأحزانه ومسراته ، حيث انطلق "ال سعيد" بأعماله الفنية من نظرة صوفية تأملية تخترق مكونات العالم الخارجي ليصل بها الى أسلوب تجريدي مستلهما المورث الشعبي العراقي وموضوعات من الاساطير والملاحم والقصص العربية والاسلامية متأملا الحرف العربي كوســيلة للتعبير عن دواخله وثيمة للتأثير المباشر بالمتلقي بمنحى روحاني صوفي  يكشف عن علاقة جدلية وطيدة بين ذات الفنان والموضوع المراد طرحه في اللوحة ، من خلال حالة قلق وبحث  دائمين ، كجزء من القلق الإبداعي الذي يشكل سمة من سمات المبدعين .

يعتبر الفنان " آل سعيد " احد اعلام ورواد الفن التشكيلي العراقي ولد وترعرع في احد مدن جنوب العراق ، حاز على دبلوم الرسم من معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1955 وشارك كعضوا اساسيا في تأسيس " جماعة بغداد للفن الحديث " وكان ما يزال طالبا آنذاك و شارك في جميع معارضها ، فضلا عن دراسته للفن في باريس حتى عام 1957، أقام الكثير من المعارض الشـخصية والمشتركة لاعماله منذ عام 1953 حتى رحيله عام 2004 ، فضلا عن كتابته للكثير من البحوث والدراســات النقدية في الفن التشكيلي ،  له العديد من المشاركات في المحافل والمعارض العربية والعالمية وحازعلى الكثير من الجوائز التقديرية.

ينطلق " شاكر حسن آل سعيد " في هذه اللوحة الأخّاذة من توليفة تجمع بين الروحانية الإسلامية واسلوب الغرب في الرسم  ، اتت اللوحة بعنوان " لا غالب الا الله " جسد فيها الفنان عمق تجربته الروحية وانعكاسا لتطلعاته المستقبلية لوطنه ، فقد لجأ لتفكيك الأشكال البصرية للوصول إلى كلية لا متناهية لأشكال الحياة أمام قدرة المتلقي على تأويلها، والإحساس بكينونتها سعياً منه لإعطاء الأشكال استثارات داخلية تمتلك من القوة ما يجعلها حاملة لمضامين عدة ، مُعلنة وخفية .

ففيها تتمازج المساحات ذات الألوان البنية والسوداء المائل بعض منها الى الرمادية مع الكلمات العربية  والخطوط المتشابكة بعفويتها لتقترب من الرسوم المجردة التي يتركها الأطفال حين لعبهم على جدران البيوت المتهالكة بكل ما تحمله تلك الرسوم و الكتابات من تنوع دلالي ، مضمناً إياها بأشكالاً هندسية ممزوجة برؤية الفنان الخاصة للموضوع .

ابتعد ال سعيد عن تصوير الاشكال بواقعية ، لكنه لم يبتعد عن الأثر الذي يتركه ذلك الإنسان الذي يعيش أزمة إنسانية حضارية مصوراً من خلالها شعبيته وماساته وقلقه تجاه عالم مليء بالموت والدمار الذي خلفته الصراعات ، فمن الواضح ان الحروب وانعكاساتها النفسية قد اخذت حيزا كبيرا لدى الفنان ، حيث اسس في هذا المنجز مساحة لونية بمواصفات مرنة  ابتدأ فيها بعلامات تشبه الجدار المتآكل بمرورالزمن ، مبتعدا فيه عن القواعد المنظورية في تمثيل الكتلة والفراغ ، فنجد أشكاله مزدحمة وسط اللوحة وبعض من اطرافها في اعلاها والى اليسار منها ، متشظية منتشرة بعفوية ضمن صياغات نستشف منها كينونة إنسانية أخذت جانباً من ملامح ذلك الإنسان الذي يعيش زمن القتل والدمار الذي مثله بالكتل اللونية الداكنة المدعمة بأشكال مجزئة من الخطوط الموزعة على نحو تلقائي ضمن مساحة اللوحة ، كتعبير تجريدي عن الإحساسات الداخلية التي يعيشها الإنسان فنانا او مشاهدا والالتفاف حول الروح كسبيل للخلاص وترك المجال للقارئ المشاهد الحرية في التأويل .

 في هذا المنجز يكشف الفنان عن خبايا ذاته دون ان يفسرها ، فأفكاره تولد في لحظة خلق إلهامية لا شعورية تبعثرت فيها الأشكال المستمدة من مخزونه الثقافي " صوري و رمزي " نابع من مخيلة حرة ، أتاحت الفرصة للانفتاح على العالم الخارجي وتفككت معها الكتل والهيئات وانتشرت الألوان الممزوجة بخطوط و حزوز في فوضى مقصودة من قبل الفنان ، ليصبح العمل مفتوحاً لا يتحدد بنقطة مركزية واحدة ، بل يعمل التفكيك على تمويه معالم السطح التصويري  لتنفتح معه منظومة التأويل والمعنى اللامحدد ضمن أسلوبية تتوسم التعبيرالحرعن معاني الاشكال التجريدية في اللوحة.

سامر قحطان القيسي

المرفقات