نار الخيام ..لازالت تستعر في قلب فاطمة الزهراء

قد يتساءل البعض ، لم يمتد الحزن على الحسين واهل بيته " عليهم السلام " الى يومنا هذا ؟ ولم الموالي المحب لهم مازال يرفع راية الثأر بعد ما يزيد عن الف وثلاثمائة ونيف من السنين ؟ اهو ذلك الحب العذري الذي لا يموت ؟ ام هو نور الولاية  الذي انار الضمائر الحية وغصت به حناجر المخالفين  ؟

نعم ... هو حب عذري ، ينبثق من قلوب العاشقين النابضة بحب محمد واله الطاهرين ، هو الحب الذي تجدد ومازال  كلما استذكرنا ما ألم بهم من رزايا " سلام الله عليهم " ، حينما تجلى الظلم بأبشع صوره يوم ارتفعت أقبسة النار التي احرقت باب فاطمة وامتدت لحرق خيام الحسين يوم عاشوراء.

في هذا المشهد التصويري جسد الفنان جزءا من هذا العشق واخر من تلك الظليمة في مقطع من واقعة حرق الخيام المقدسات ظهيرة يوم عاشوراء على ايدي الظلمة من  وحوش بني امية اللعناء ، بعد فشل شمر بن ذي الجوشن من قتل الإمام زين العابدين عليه السلام  ، حينما اوعز كبيرهم  بحرق خيام آل النبيّ (صلّى الله عليه وأله) فحملوا أقبسة من النار وارتفع صوتهم  بأن  " احرقوا بيوت الظالمين " ، ليخرجوا نساء ال البيت حافيات باكيات يمشين سبايا في أسر قوم نزع الايمان والرحمة من قلوبهم .

اللوحة من ابداع الفنان الايراني " حسن روح الامين " ، نفذت بتقنية الزيت على قماش الكانفاس وكانت مناسبة لتصوير دلالات تعبيرية قريبة من الواقع ، صور فيها مفردات متخيلة من فاجعة الطف 61 هـ ، بفكرة مستقاة من قصة حرق الخيام مصورا خيمة الامام السجاد سلام الله عليه والنيران ملتهبة حوله .

في هذا العمل الفني ينحى " روح الامين " كعادته منحى روحيا مؤثرا ، فهو يبدع وفقا لالحاح داخلي يسيطرعليه ارتقى بفكره واعماله الى التعبيرعن حالة داخلية صادقة قد تأثر بها دون غيرها ، فقد عمد الفنان الى الاستفادة من سحر الواقعية وتقنياتها في التعبيرعن مكنونات اللوحة فضلا عن تأثره الواضح بواقعة الطف ومحاولته تصوير كل حدث من تلك المأساة في اعماله .

نفذت اللوحة عبر ضربات سريعة للفرشاة بأضافة لون فوق اخر بالوان محددة بالاحمر وتدرجاته فضلا عن الاصفر والوان الاخضر الغامق والفاتح وبعض السواد ، بغية التداخل اللوني مماخلق تباينا صريحا واضحا بين درجات اللون الواحد نفسه ، مما حدا باللوحة الى ان تدفع الى حس تأملي واقع في منطقة محايدة بين الغموض والوضوح في تفاصيل اللوحة واشكالها بالنسبة للمتلقي المتامل للوحة .

ابرع المواطن في هذه اللوحة هو قدرة الفنان واستطاعته على رسم تفاصيل خيمة الامام زين العابدين سلام الله عليه وتشخيصه عليلا طريح الفراش لايقوى على شئ ، فضلا عن ابداعه في تصوير السنة النيران في الخيام  كأنها حقيقية تجعل المشاهد يستشعر شدة حرارتها من بعيد ، جمدها الفنان بزمنها في مساحة اللوحة الصغيرة ليعيد للأذهان تلك الظليمة وجعلها كخطاب اجتماعي وجداني مؤثر.

حاول الفنان عكس قيمه ومفاهيمه الانسانية والفنية على اسلوبه الفني ، ويظهر ذلك جليا في التعبير عن الحالات التي يطرحها في اعماله من خلال وضوح الرؤية والفكرة ، فضلا عن محاولته الناجحة للدمج بين ذات الفنان والموضوع المرسوم ، فرؤية الفنان في هذا المنجز التصويري هي مزيجاً من التعبير والواقع حقق من خلاله توازناً بين ظهور المرئي واللامرئي أي بين ذاته والموضوع ، وظهور صدق الموضوع والخيال الذي يلعب دوراً في تحديد اللوحة وإبراز اللاشعور اللامرئي وعلاقاته القرائية الاحتمالية بين الذات والموضوع والآخر " المتلقي بوصفه المستهدف باللوحة " ، ويبدو انها حالة متفردة للفنان الحسيني " ان صح التعبير " بشكل خاص ، كونه يتناول حالة فنية صادقة كما هو الحال في هذه اللوحة التي قد تصيبنا بالدهشة المنقولة عن مخيلة الفنان الواسعة المتأتية من متابعته للتأريخ الانساني ، فضلا عن مزجه بين اسلوب اكثر من مدرسة فنية وتوظيفها لطرح قضية الامام الحسين عليه السلام ونشر تلك المظلومية التي هزت العالم بأسره .

سامر قحطان القيسي

المرفقات