غيبة الإمام لا تستلزم خلو الأرض من الحجة الإلهية

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ غيبة الإمام المعصوم (عليه السلام) لا تستلزم بحالٍ خلوَّ الأرض من الحجة الإلهية، ولا تقتضي انقطاع الفيض الرباني عن عالم الإمكان؛ فإنّ وجود الحجة في الأرض أمرٌ تقتضيه الحكمة الإلهية، ويبتني عليه حفظ النظام الديني والتكويني، ولا ينافي ذلك احتجابه عن الأبصار وتعذّر الوصول إليه؛ إذ لا ملازمة بين وجود الشيء وظهوره، ولا بين ثبوت الحجية وإمكان الانتفاع المباشر بها من جميع الجهات.

وقد دلّت على هذه الحقيقة جملةٌ من النصوص المأثورة عن الفريقين، منها الحديث المعروف: «لا تخلو الأرض من حجة لله فيها، ظاهر مشهور أو غائب مستور، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته»، وفي لفظ آخر: «لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهر مشهور، وإما خائف مغمور، لئلا تبطل حجج الله وبيناته فيكم» [1].

وهذا النصّ الشريف صريحٌ في أنّ خفاء الحجة واحتجابه لا يرفعان أصل وجوده، بل إنّ الحجة الإلهية باقية في كلا الحالين: حال الظهور وحال الاستتار؛ لأنّ المقتضي لنصبها لا يزول بمجرّد تعذّر ظهورها، كما أنّ المانع البشري من التصرّف لا يقتضي انتفاء أصل المنصب الإلهي.

ولتحرير هذه المسألة على وجهها البرهاني، ينبغي بيان حقيقة اللطف الإمامي، وتمييز مراتبه، ثمّ الكشف عن أنّ الغيبة إنّما نشأت من موانع بشرية حالت دون استيفاء الأمة آثار هذا اللطف، لا أنّها تقتضي انتفاء أصل الغرض الإلهي من نصب الإمام.

 

المبحث الأول: انقسام اللطف الإمامي إلى لطف أصلي ولطف كمالي:

 

قرّر متكلّمو الإمامية أنّ اللطف المترتّب على الإمامة ليس على مرتبة واحدة، بل ينقسم، باعتبار آثاره ومناشئه، إلى قسمين:

 

القسم الأول: وجود الإمام لطفٌ أصلي:

ومحصّل هذا اللطف أنّ نفس وجود الإمام المعصوم (عليه السلام) في عالم الإمكان، بما هو واسطةٌ في الفيض الإلهي وحجةٌ لله سبحانه على خلقه، لطفٌ تتقوّم به جملةٌ من المصالح التكوينية والتشريعية، وإن لم يكن الإمام ظاهراً للناس أو متصدّياً بالفعل لمهامّ الولاية والحكم.

فليس مناط هذا اللطف مجرّد مباشرة الإمام لشؤون المجتمع وإدارة مصالحه الظاهرية، حتى يلزم من احتجابه انتفاء أثره، بل إنّ أصل وجوده الشريف له مدخلية في حفظ النظام وإبقاء الأرض وأهلها، ودفع جملةٍ من وجوه الفساد والعذاب، على ما تشهد به النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام). وقد أشار المحقّق الطوسي (قدّس سرّه) إلى هذه الحقيقة بقوله: «وجوده لطف، وتصرّفه لطف آخر، وعدمه منّا» [2]. فقد ميّز (قدّس سرّه) بين أصل وجود الإمام وبين تصرّفه وقيامه بوظائف الإمامة، وجعل لكلٍّ منهما جهةً مستقلةً من جهات اللطف؛ وعليه، فإنّ تعذّر التصرّف لا يستلزم انتفاء اللطف الناشئ من أصل الوجود.

وتشهد لهذا المعنى طائفةٌ من الروايات:

الرواية الأولى: ما رواه الصدوق في كتابه «علل الشرائع» بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام): لأيّ شيء يحتاج إلى النبي والإمام؟ فقال: «لبقاء العالم على صلاحه، وذلك أنّ الله (عزّ وجلّ) يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبيٌّ أو إمام، قال الله (عزّ وجلّ): {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}، وقال النبي (صلّى الله عليه وآله): النجوم أمانٌ لأهل السماء، وأهل بيتي أمانٌ لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون». ثمّ بيّن الإمام (عليه السلام) المراد بأهل البيت، فقال: «يعني بأهل بيته الأئمة الذين قرن الله (عزّ وجلّ) طاعتهم بطاعته، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}، وهم المعصومون المطهّرون الذين لا يذنبون ولا يعصون، وهم المؤيّدون الموفّقون المسدّدون، بهم يرزق الله عباده، وبهم تعمر بلاده، وبهم ينزل القطر من السماء، وبهم يخرج بركات الأرض، وبهم يمهل أهل المعاصي ولا يعجّل عليهم بالعقوبة والعذاب...» [3].

ومفاد هذه الرواية أنّ وجود الأئمة (عليهم السلام) ليس مجرّد منصبٍ اجتماعيٍّ أو وظيفةٍ إداريةٍ تنحصر آثارها في تدبير شؤون الرعية، بل لهم جهةٌ تكوينيةٌ في حفظ نظام العالم، واستمرار مصالح العباد والبلاد، ودفع وجوهٍ من البلاء والعذاب. ومن ثمّ، لا يكون احتجاب الإمام عن الأنظار موجباً لارتفاع هذه الجهة من اللطف.

 

الرواية الثانية: ما رواه الكليني بإسناده عن أبي حمزة، قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال (عليه السلام): لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت» [4].

وهذه الرواية ظاهرةٌ في أنّ وجود الإمام ضرورةٌ لا ينفكّ عنها بقاء الأرض؛ إذ رتّبت على فرض خلوّها منه اختلال نظامها، وهو ما يكشف عن أنّ مناط الأثر هو أصل وجود الإمام، لا مجرّد ظهوره وتصدّيه العلني.

 

الرواية الثالثة: ما رواه الكليني والصدوق بإسنادهما عن أبي هراسة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لو أنّ الإمام رُفع من الأرض ساعةً لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله» [5].

وهي صريحةٌ في أنّ وجود الإمام ضرورةٌ مستمرّةٌ في نظام العالم، وأنّ رفعه عن الأرض، ولو في زمنٍ يسير، يفضي إلى اختلالٍ عظيمٍ في نظامها.

الرواية الرابعة: ما رواه أبو سعيد العصفري بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «سمعته يقول: لو بقيت الأرض يوماً بلا إمامٍ منّا لساخت بأهلها، ولعذّبهم الله بأشدّ عذابه، إنّ الله تبارك اسمه جعلنا حجّةً في أرضه، وأماناً في الأرض لأهل الأرض، لم يزالوا في أمانٍ من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد الله أن يهلكهم، ثمّ لا يمهلهم ولا ينظرهم، ذهب بنا من بينهم ورفعنا إليه، ثمّ يفعل الله ما شاء وأحبّ» [6].

ودلالة هذه الرواية واضحةٌ في أنّ الإمام (عليه السلام) أمانٌ لأهل الأرض، وأنّ وجوده الشريف له أثرٌ يتجاوز حدود الظهور السياسي والاجتماعي، فلا يصحّ جعل الغيبة مساوقةً لارتفاع الحجة أو انتفاء اللطف الناشئ من أصل وجودها.

وبذلك يتبيّن أنّ القسم الأول من اللطف لا يتوقّف على تمكّن الإمام من مباشرة شؤون الحكم والولاية، بل يتحقّق بأصل وجوده المبارك، وإن كان غائباً مستوراً.

 

القسم الثاني: تصرّف الإمام لطفٌ كمالي:

وأمّا القسم الثاني، فهو اللطف الناشئ من تصرّف الإمام وظهوره وقيامه الفعلي بوظائف الإمامة، من إقامة العدل، وبسط أحكام الشريعة، وهداية الأمة، وإزالة أسباب الفساد، وحفظ المصالح العامة، وتنفيذ الأحكام الإلهية.

وهذا اللطف أكمل مراتب اللطف الإمامي؛ إذ به تتحقّق الغاية العملية من نصب الإمام على نحوها الأتمّ، وتنتظم شؤون الأمة تحت قيادةٍ إلهيةٍ معصومةٍ لا تضلّ ولا تُضلّ.

غير أنّ ثبوت هذا اللطف متوقّفٌ على اجتماع مقدّماته، ومن جملتها تمكين الإمام من التصرّف، وانقياد الرعية لأوامره، ونصرته، وإزالة الموانع التي تحول دون قيامه بوظائفه.

ومن هنا، فإنّ منع الإمام من ممارسة ولايته لا يستلزم انتفاء أصل الحكمة من نصبه، ولا يقتضي نسبة الإخلال بالغرض إلى الله سبحانه؛ لأنّ الغرض الإلهي قد تعلّق بنصب الإمام وجعل قيادته طريقاً إلى تحصيل المصالح، وأمّا تفويت هذه المصالح بعد تمام النصب، فإنّما ينشأ من امتناع المكلّفين عن توفير مقدّمات الانتفاع به. وهذا هو المراد من قول المحقّق الطوسي (قدّس سرّه): «وجوده لطف، وتصرّفه لطف آخر، وعدمه منّا» [7].

وقد أوضح العلّامة الحلّي (قدّس سرّه) هذه الجهة، مبيناً أنّ اللطف الكامل الذي يتوقّف على فعل الرعية لا يكون فواته مستنداً إلى الله سبحانه ولا إلى الإمام، بل إلى المكلّفين أنفسهم، فقال: «ما يجب على الرعية، وهو مساعدته والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله، وهذا لم تفعله الرعية، فكان منع اللطف الكامل منهم لا من الله سبحانه ولا من الإمام» [8].

وهذا التقرير يشتمل على نكتةٍ كلاميةٍ دقيقة، وهي أنّ المولى سبحانه إذا نصب الإمام ووفّر له ما يتوقّف عليه أصل الإمامة، ثمّ امتنع المكلّفون عن نصرته وتمكينه، لم يكن فوات الغرض العملي مستنداً إلى نقصٍ في التشريع أو إخلالٍ في الحكمة الإلهية، بل يكون مستنداً إلى اختيار المكلّفين وسوء فعلهم. فإنّ عدم ترتّب الأثر على المقتضي بسبب وجود المانع لا يكشف عن بطلان المقتضي، كما أنّ منع الأمة لنبيّها أو إمامها من أداء وظيفته لا يجعل أصل بعثته ونصبه عبثاً أو لغواً.

 

المبحث الثاني: الغيبة جنايةٌ بشرية لا نقضٌ للغرض الإلهي:

بعد اتّضاح انقسام اللطف إلى أصلي وكمالي، يتّضح أنّ الغيبة لا تستلزم خلوّ الأرض من الحجة، كما لا تستلزم نقض الغرض من نصب الإمامة؛ فإنّ الغيبة لم تنشأ عن قصورٍ في الحكمة الإلهية، ولا عن انتفاء الحاجة إلى الإمام، وإنّما نشأت عن موانع بشريّة حالت دون ظهوره وتمكّنه من ممارسة وظائفه الظاهرة.

وبعبارةٍ أدقّ: إنّ الله سبحانه جعل الإمام حجّةً على عباده، وأقامه مقام الهداية والولاية، وأراد للأمة أن تنتفع بقيادته وتدبيره، غير أنّ تصرّفات البشر قد حالت دون تحقّق هذا الغرض على وجهه الأكمل؛ فكان الاحتجاب أثراً من آثار الجناية البشرية، لا جزءاً من الغاية الأصلية لنصب الإمامة. ويمكن ردّ أهمّ أسباب هذه الغيبة إلى أمرين:

 

السبب الأول: منع أئمة الجور وخوف القتل:

من الموانع الأساسية التي حالت دون ظهور الإمام ومباشرته لوظائفه، تسلّط الظالمين عليه، وتهديدهم حياته الشريفة، وسعيهم إلى القضاء عليه قبل تمكّنه من أداء رسالته.

ومن الواضح أنّ حفظ النفس المعصومة من القتل ليس أمراً منفصلاً عن مقتضيات الحكمة، كما أنّ تعرّض الإمام لخطر الاغتيال لا يوجب عليه تسليم نفسه للظالمين وتمكينهم من إبطال الحجّة الإلهية بقتله. وقد قرّر الشريف المرتضى (قدّس سرّه) هذه الجهة، مبيناً أنّ المانع من الانتفاع بالإمام إذا كان ناشئاً من إخافة الظالمين له وإلجائهم إيّاه إلى الاستتار، كانت تبعة فوات المصلحة راجعةً إليهم، لا إلى الله سبحانه ولا إلى الإمام، فقال: «إذا لم يظهر لإخافة الظالمين له، ولأنّهم أحوجوه إلى الغيبة والاستتار، كانت الحجّة في فوت المصلحة به عليهم، فكانوا هم المانعين أنفسهم من الانتفاع به، وإذا عُدمت عين الإمام ففات المكلّفين الانتفاع به، كانت الحجّة في ذلك على من فوّتهم النفع به» [9].

وهذا الكلام يقرّر أصلاً كلامياً بالغ الأهمية، وهو أنّ المكلّف إذا كان هو السبب في تفويت المصلحة التي جعلها الله سبحانه في طاعة الإمام والانقياد له، لم يجز له أن يجعل فعله مانعاً ثمّ يتّخذه ذريعةً للاعتراض على أصل التشريع؛ إذ لا يصحّ أن يُنسب إلى الشارع نقض الغرض الذي أفسده المكلّف باختياره. وقد وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) نصوصٌ صريحةٌ في كون الخوف من القتل أحد أسباب غيبة القائم (عليه السلام).

فقد روى الكليني بإسناده عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنّ للقائم غيبةً قبل أن يقوم، إنّه يخاف ـ وأومأ بيده إلى بطنه ـ يعني القتل» [10].

 

وروى الصدوق بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لا بدّ للغلام من غيبة». فقيل له: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «يخاف القتل» [11].

وهذان النصّان ظاهران في أنّ الخطر الذي يتهدّد حياة الإمام كان من جملة الموانع التي اقتضت احتجابه عن أعدائه، وليس في ذلك ما يدلّ على أنّ الغيبة غايةٌ مقصودةٌ لذاتها في مشروع الإمامة، بل هي تدبيرٌ اقتضته مواجهةُ خطرٍ بشريٍّ يهدّد أصل بقاء الحجّة.

ويمكن تقريب ذلك بما وقع لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؛ فإنّ الغرض الإلهي من نصبه وليّاً وإماماً على الأمة كان أن يتولّى قيادتها، ويقيم فيها العدل، وينفّذ أحكام الله سبحانه ، غير أنّ الأمة لم تمكّنه من ممارسة حقّه، وتضافرت القوى السياسية على منعه من القيام بمهامّ الخلافة، بل انتهى الأمر إلى قتله غيلةً على يد ابن ملجم المرادي.

فهل يصحّ أن يقال: إنّ عدم تحقّق الحكومة العلوية في عصرها المقرّر يكشف عن أنّ الغرض الإلهي من نصب أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن قيامه بالولاية؟!

كلا؛ فإنّ عدم تحقّق الغرض بسبب المانع الخارجي لا يقتضي انتفاء أصل الغرض، بل يكشف عن أنّ المانع هو الذي حال دون تحقّقه. وكذلك الحال في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، فإنّ مقتضى الحكمة الإلهية من نصبه إماماً بعد أبيه الحسن العسكري (عليه السلام) هو قيامه بوظائف الإمامة وقيادة الأمة، غير أنّ تسلّط الظالمين وتهديدهم حياته الشريفة حال دون ظهوره وتمكّنه من مباشرة تلك الوظائف، فكانت الغيبة نتيجةً لموانع الجور والعدوان، لا دليلاً على انتفاء الحكمة من أصل الإمامة.

السبب الثاني: تخاذل الأمة عن نصرته وعدم تمكينه:

ومن الموانع التي تفضي إلى احتجاب الإمام، تقاعس الأمة عن نصرته، وعدم استعدادها للانقياد لقيادته، وامتناعها عن توفير الظروف التي يتمكّن من خلالها من ممارسة ولايته الإلهية.

فالإمام وإن كان منصوباً من الله سبحانه، غير أنّ قيامه بالمهامّ الظاهرة للإمامة يقتضي وجود أنصارٍ يلتفّون حوله، ورعيةٍ تنقاد لأوامره، وقوةٍ ترفع الموانع عن ممارسة سلطته الشرعية؛ فإذا تخلّفت الأمة عن أداء ما عليها، لم يكن للإمام أن يفرض عليها الهداية والإصلاح قهراً، ولا أن يعرّض نفسه وأهل الحقّ للهلاك من غير أن تتحقّق الغاية المقصودة.

ومن ثمّ، فإنّ فوات اللطف الكمالي في هذه الصورة يكون مستنداً إلى الرعية، لا إلى الله سبحانه ولا إلى الإمام، كما تقدّم في تقرير العلّامة الحلّي (قدّس سرّه).

ويمكن تقريب ذلك بما وقع لنبيّ الله موسى (عليه السلام) مع بني إسرائيل؛ فإنّ القرآن الكريم قد سجّل موقفهم من دعوته إلى دخول الأرض المقدّسة، فقال سبحانه حاكياً عنهم: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا} [المائدة: 22].

ثمّ بلغ بهم التمرّد والتخاذل أن قالوا: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24].

وهذا الموقف لم يكن مجرّد امتناعٍ عن تنفيذ أمرٍ جزئيّ، بل كان رفضاً للانقياد للقيادة النبوية، وتخلّياً عن المسؤولية التي أُنيطت بهم في سبيل تحقيق الغاية الإلهية.

وعندئذٍ دعا موسى (عليه السلام) ربّه، قائلاً: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25]. فجاء الحكم الإلهي: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26].

فقد كان امتناع بني إسرائيل عن نصرة نبيّهم والانقياد لأمره سبباً في فوات المصلحة التي أراد الله سبحانه تحصيلها من قيادته لهم، وترتّب على عصيانهم التيه أربعين سنة.

ووجه الشاهد من هذه الواقعة أنّ امتناع الأمة عن الانقياد للقيادة الإلهية، وتخلّيها عن نصرتها، قد يحول دون تحقّق الغرض العملي من بعثة النبي أو نصب الإمام، من غير أن يكون ذلك كاشفاً عن خللٍ في أصل البعثة أو النصب.

ولا ينبغي أن يُدّعى أنّ هذه الواقعة مطابقةٌ لغيبة الإمام المهدي (عليه السلام) من جميع الجهات؛ فإنّ موردها يختلف عن مورد الغيبة من حيث الخصوصيات والظروف، وإنّما المقصود الاستشهاد بها على أصلٍ كلاميٍّ مشترك، وهو أنّ تمرّد الأمة وتخلّفها عن نصرة حجّة الله قد يكون سبباً في فوات الانتفاع الكامل بقيادته.

وعليه، فإنّ غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) لا تخرج عن هذا الأصل؛ إذ إنّ تخاذل الأمة عن نصرته، وعدم تهيئة مقدّمات ظهوره، واستمرار الموانع السياسية والاجتماعية، كلّ ذلك من وجوه تفويت اللطف الكمالي الذي كان ينبغي أن تنتفع به الأمة.

 

الخاتمة:

وبعد تحرير ما تقدّم، يتّضح أنّ دعوى استلزام غيبة الإمام خلوّ الأرض من الحجّة الإلهية، أو استلزامها نقض الغرض من نصب الإمامة، ناشئةٌ من الخلط بين مرتبتين متغايرتين من اللطف: مرتبة أصل وجود الإمام، ومرتبة تصرّفه وقيامه بوظائف الولاية.

فأمّا اللطف الأول، وهو أصل وجود الحجة، فلا يرتفع بالغيبة؛ لأنّ وجود الإمام ضرورةٌ يقتضيها نظام العالم، وقد دلّت عليه النصوص المتضافرة، وقرّرته كلمات أعلام الإمامية.

وأمّا اللطف الثاني، وهو تصرّفه وظهوره وبسط يده في إدارة شؤون الأمة، فهو لطفٌ كماليٌّ يتوقّف تحقّقه على مقدّماتٍ لا يستقلّ الإمام بتحصيلها، بل تتوقّف على نصرته وتمكينه والانقياد له، فإذا أخلّت الأمة بهذه المقدمات، كان فوات هذا اللطف مستنداً إليها، لا إلى الله سبحانه ولا إلى الإمام. ومن هنا يظهر أنّ الغيبة ليست نقضاً للغرض الإلهي، بل هي نتيجةٌ للموانع التي أوجدها البشر بسوء اختيارهم، ولا يصحّ جعل الجناية البشرية دليلاً على بطلان الحكمة الإلهية؛ فإنّ الشارع لا يُسأل عن مصلحةٍ فوّتها المكلّفون، ولا يُنسب إليه الإخلال بغرضٍ حال الظالمون والمتمرّدون دون تحقّقه.

فالنتيجة المحصّلة: أنّ الإمام المهدي (عليه السلام) باقٍ حجّةً لله سبحانه على خلقه، وإن احتجب عن أبصارهم، وأنّ غيبته لا تستلزم انقطاع حجج الله وبيناته، ولا خلوّ الأرض من القائم بأمره، بل إنّما تكشف عن حرمان الأمة من تمام الانتفاع باللطف الكمالي بسبب موانعها وجناياتها، مع بقاء أصل اللطف الإلهي المتمثّل في وجود الحجة.

والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــ

1-     تجريد الاعتقاد ص 285

2-     علل الشرائع ج1 ص124

3-     الكافي ج1 ص179

4-     الكافي ج1 ص179، كمال الدين ص202

5-     الأصول الستة عشر ص140

6-     تجريد الاعتقاد ص 285

7-     كشف المراد ص185

8-     أمالي الصدوق ص253، كمال الدين ص٢٨٩-294، حلية الأولياء ج١ص 79، تاريخ دمشق ج50 ص254

9-     الشافي في الإمامة ج1 ص146

10- عِللُ الشرائِع ج 1 ص243

11- كشف المراد ص185

: السيد علي رحيم الموسوي