بصيرة المؤمن في عصر الغيبة

سنن الابتلاء وثبات الإيمان

قال تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ* وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}.

تُجمل هذه الآية الكريمة جانباً عميقاً من حقيقة الإيمان؛ فالمؤمن الصادق لا يقيسُ صدق الوعد الإلهيّ بقلّة الابتلاء، ولا يظنّ للحظةٍ أنّ اشتداد المِحن والمصائب دليلٌ على انقطاع العناية الربّانية.

بل إنّ الحقيقة تكمن في النقيض تماماً: كلّما قسا الامتحان واشتدّت عواصف الفتن، تجلّى جوهرُ الإيمان، وانكشف للعيان مقدارُ الثبات والتسليم.

لقد كان مشهد «الأحزاب» في ظاهره باعثاً على الرعب والاضطراب، حيث تكتّلت قوى الشرك وتكالبت على استئصال الإسلام ورسوله والمسلمين. ومع ذلك، لم يقف المؤمنون مذهولين أمام خطبٍ لم يخطر لهم على بال، فقد سبق أن أُخبروا بما يعترض طريقهم من فتنٍ وزلازل. ولذا، لم يكن موقفهم موقف المنهزم الذي تباغته النوازل، بل كان موقف الواثق الذي رأى في وقوع المحنة تصديقاً عمليّاً لما وعد الله ورسوله به.

وهنا تتجلّى قاعدةٌ قرآنيّةٌ حَرِيّةٌ بالتأمّلِ في زمن الغَيبَة؛ فقد يستهول المؤمن في عصرنا كثرة الفتن، أو سرعة التحوّلات، أو تفشّي الإلحاد والضلال والانحراف عن المذهب الحق، والإباحية والفسوق، وما يموج به العالم من اعتداءاتٍ وصراعات. غير أنّ شيئاً من هذه العواصف لا ينبغي أن يهزّ أركان يقينه بعقيدته الصحيحة، ما دام مدركاً أنّ طريق الإيمان لم يكن يوماً مُعبَّداً بالورود، وأنّ الفتن ومحطات التمحيص هي من صميم سنن الله تعالى الجارية في عباده.

وقد كثرت الروايات الشريفة في وصف قسوة هذا الابتلاء، مشيرةً إلى أنّ الناس يُقلَّبون في مَراجِل الفتن كما يُكفَأُ الإناء، ويُمحَّصون تمحيصاً شديداً يُفرز الثابتَ عن المتزلزل. وتتشقّقُ في هذه المرحلة الأهواءُ والآراء كما يُشَقَّقُ الشَّعر، وتغورُ بصائرُ أقوامٍ تاهت في ظلمات الحيرة والشك، فلا يثبت إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان.

ومن أبلغ الشواهد وأشدّها تأثيراً على ثقل الغيبة عند أهل البيت (عليهم السلام)، ما نُقل عن الإمام الصادق (عليه السلام) حين دخل عليه بعض أصحابه فوجدوه جالساً على التراب، مُتّشحاً بثوبٍ خشن، يبكي بكاءَ الواله الثكلى، وهو يناجي مهديّ الأمّة قائلاً: «سَيِّدِي، غَيْبَتُكَ نَفَتْ رُقَادِي، وَضَيَّقَتْ عَلَيَّ مِهَادِي، وَابْتَزَّتْ مِنِّي رَاحَةَ فُؤَادِي، وَأَوْصَلَتْ مُصَابِي بِفَجَائِعِ الْأَبَدِ، وَفِقْدَانُ الْوَاحِدِ بَعْدَ الْوَاحِدِ يُفْنِي الْجَمْعَ وَالْعَدَدَ».

هذا المشهد المهيب يُفصح بوضوح عن أنّ الغيبة ليست مجرّد غيابٍ جسديّ لشخصٍ عن الأنظار، بل هي أعتى مراحل الامتحان البشري؛ إذ تُختبر فيها العقول والقلوب في يقينها بالإيمان وصبرها على البلاء.

من هنا، تبرز الأهمّية الكبرى لما زخرت به علوم أهل البيت (عليهم السلام)؛ فقد كان الإمام الصادق (عليه السلام) مُطّلعاً على ما سيمرّ به شيعته في أيام الغيبة من انقطاعٍ للأخبار، وتتابعٍ للمحن، وشدّةٍ في الابتلاء، حتّى إنّ جماعاتٍ ممّن كانوا يدّعون التمسك بحبل الإمامة ستزلّ أقدامهم وينحرفون عن الطريق الصحيح.

وهذا المعنى العميق يتّسق مع الروايات التي بيّنت أنّ الإمام المهدي (عليه السلام) قد ورث سنناً من الأنبياء؛ كطول العمر من الخضر ونوح، والغيبة من عيسى (عليهم السلام). وتبرز قصة النبي نوح (عليه السلام) كمثالٍ ساطعٍ على طبيعة الامتحان الطويل الشاق الذي يسبق بزوغ فجر الفرج. فقد دعا نوحٌ قومه طويلاً، وأخبرهم بما سيحلّ بهم، ثم أمره الله تعالى بزرع النَوى، ثمّ طال الأمد حتى أثمرت الأشجار، وتكرر هذا الزرع سبع مرات.

وفي ختام كلّ مرحلة، كان بعض من آمن به يتسرّب إليه الشكّ ويرتدّ، حتّى لم يبق معه في النهاية إلا الصفوة القليلة. وحين حان موعد بناء السفينة وفوران التنّور، كانت النجاة والعاقبة لأولئك الذين صمدوا وثبتوا.

تكشف لنا هذه السيرة حقيقةً دقيقة: إنّ الشدائد قد تجمع الناس مؤقتاً حول الحق، ولكنّ انكشاف بهرج الدنيا بعد الشدّة هو ما يفضح السرائر. فقد يُبدي الإنسان في ذروة المحنة ثباتاً لا يقوى على الاستمرار عليه بعد زوالها؛ ولذا كان «التمحيص» ضرورةً إلهية لغربلة النفوس وكشف المعادن الحقيقية للإيمان. ولهذا تظافرت النصوص على امتداد أمد الغيبة، حتّى يرتدَّ عن هذا الأمر أقوامٌ طالما سارعوا إليه وادّعوا التمسك بإمامة أهل البيت (عليهم السلام). فالغاية الإلهية ليست إطالة الانتظار لذاته، بل تمييز الخبيث من الطيّب للجميع، وظهور حقيقة المواقف جليةً لا لبس فيها.

في ضوء ذلك، نفهم عمق قوله تعالى: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}. فالمؤمن الحقيقي لا تزيده رياح الفتنة إلاّ رسوخاً، ولا يدفعه طول الطريق لاستجواب أصل الوعد الإلهي ونفيه؛ بل كلّما ادلهمّت الخطوب، ازداد يقيناً بأنّ ما أخبر به الله ورسوله من ظهور الحجّة واقعٌ في وقته حتماً ضمن سننٍ إلهيةٍ لا تتبدّل ولا تحابى أحداً.

ويتضاعف ثقل هذا الامتحان في عصر الغيبة؛ لأنّ المؤمن يكابد الثبات دون أن يرى إمامه ظاهراً يتنقّل بين الناس. وقد يُورث هذا الغياب شعوراً موحشاً بالوحدة، وكأنّ المؤمن يعيش حالةً من «اليُتم الروحي». غير أنّ احتجاب الإمام لا يعني أبداً انقطاع الحجّة، كما لا يعني توقّف الهداية الإلهية.

يقول تعالى: {قُلْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}. والمعنى المُستلهم هنا، أنّ أرواح المؤمنين لا تستغني عن إمامٍ من عند الله، تماماً كما لا تستغني الأبدان عن الماء الذي به قوام حياتها. فإذا غاب الإمام عن الأبصار المادّية، فإنّ حقيقة الإمامة تظلّ شاخصةً، ويبقى التعلّق القلبي والعقَدي بالحجّة الإلهية أصلاً متيناً من أصول الثبات.

ولقد نبّهت الروايات الشريفة إلى أنّه ستحلّ فتنةٌ عمياء، لا ينجو من أمواجها المتلاطمة إلاّ من ثبّته الله سبحانه على عقيدة صحيحة، ووفّقه للدعاء بتعجيل الفرَج. من هنا، لا ينبغي أن يكون الدعاء بالفرَج مجرّد لقلقة لسانٍ أو ترديدٍ لفظيّ باهت؛ بل هو تجسيدٌ حيّ لحفظ الصلة الروحية بالإمام الحجّة (عليه السلام)، وتجديدٌ دائمٌ للعهد معه، واستحضارٌ يقظٌ للوعد الإلهي.

وإنّ هذا الوعد لآتٍ لا محالة؛ فهو عهدٌ قطعيّ من الله تعالى، ووعدُ الله سبحانه حتميّ البلوغ لغايته.

فالسؤال الجوهري ليس: "هل سيتحقّق وعد الله تعالى؟"، بل هو: "هل سأكون أنا من الثابتين حتّى ذلك اليوم؟".

وهنا تبرز خطورة المفهوم القرآني: «الاستبدال». ولعلّ هذا ما يفسّر إلحاح المؤمن في دعائه: «وَلَا تَسْتَبْدِلْ بِي»، أي: يا ربّ، لا تجعلني ممّن تسلبهم التوفيق وتستبدلهم بغيرهم. فالله سبحانه قادرٌ في كلّ لحظة على أن يُبدّل قوماً بقوم، مصداقاً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، وقوله جلّ شأنه: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.

إنّ قافلة الحقّ لا تتوقّف على أشخاصٍ بأعيانهم، فللهِ عبادٌ ادّخرهم للقيام بأمر دينه، يبعثهم متى شاء وكيف شاء. وأخطر ما ينبغي أن يخشاه المؤمن أن تزلّ قدمه فيُستبدل، ليأتي غيره فيحصد شرفاً كان قاب قوسين أو أدنى من أن يكون له.

لذلك، لا يقتصر أثر الإيمان بالغيبة على مجرّد الانتظار السلبي لظهور الإمام (عليه السلام)، بل يتعدّاه إلى تحمّل الإنسان مسؤوليته الجسيمة تجاه نفسه وأهله، تلبيةً لنداء السماء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}. فالاستعداد الحقيقي لعصر الظهور يبدأ الآن، من خلال صيانة الإيمان في عصر الغيبة، وتربية النفس والأسرة على الثبات على العقيدة الحقّة؛ لئلا يكون الإنسان ريشةً في مهبّ الفتن، وآلة بيد أصحاب الشعارات اللامعة والمصالح المرحليّة والسياسات البائسة، الداخلية والأجنبية، أو ورقةً تُسقطها السنن الإلهية وتستبدلها بغيرها.

إنّ المؤمن في زمن الغيبة ليس مُطالباً بالانعزال عن واقعه، ولا بالانخراط في المشاريع المستعجلة، ولا بتجاهل حجم الفتن والأعاصير التي تحيط به؛ بل هو أحوج ما يكون إلى «بصيرةٍ نافذة» تجعله يقرأ الأحداث بعين السنن الإلهية، وواجبه أن يتبع في الأمور المصيرية مواقف العلماء الأعلام، لا أصحاب الدعاوى الباطلة.

حينها، لن تفاجئه صدمات الابتلاء، ولن يتسلّل اليأس إلى قلبه، ولن يتحول طول الانتظار إلى خنجرٍ يمزّق يقينه.

وحين تبلغ الفتن ذروتها وتشتدّ المحن، سيكون موقفه الشامخ هو ذاته موقف أولئك المؤمنين الصادقين الذين هتفوا بيقين:

{هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}.

لتكون النتيجة كما ختمت الآية الكريمة، تتويجاً لصبرهم وثباتهم:

{إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}.

: الشيخ علي الحسون