قراءة في فريضة البر المغيبة
يعد الأب أحد أعظم مصادر العطاء في حياة الإنسان فهو الذي يبذل عمره وجهده وراحته في سبيل أسرته، ويتحمل أعباء المسؤولية ليؤمّن لأبنائه حياةً كريمة ومستقبلًا أفضل. غير أن هذه التضحيات الكبيرة لا تُقابل دائمًا بما تستحقه من تقدير ووفاء، إذ يشهد الواقع المعاصر تراجعًا ملحوظًا في الوعي بحقوق الآباء ومكانتهم، حتى غدا البرّ بهم عند بعض الناس قيمةً حاضرة في الخطاب وغائبة في الممارسة.
وقد أولى الإسلام الأب مكانةً عظيمة، فجعل الإحسان إليه من أجل الطاعات، وربط رضاه برضا الله تعالى، وحذّر من عقوقه والتقصير في حقه. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن الأب بين التضحية والجحود، بوصفه دعوةً لإحياء فريضة البرّ المغيبة، واستعادة ثقافة الوفاء والاعتراف بالجميل، وصيانة الأسرة من مظاهر التفكك والجحود التي تهدد استقرارها وتماسكها.
تكريم الأب في القرآن الكريم
حظي الأب بمكانة رفيعة في القرآن الكريم، ولم يكن هذا التكريم وليد الاعتبارات الاجتماعية أو الأعراف البشرية، بل انطلق من رؤية إلهية تنظر إلى الأب بوصفه أحد أهم الأركان التي تقوم عليها الأسرة وتستمر بها الحياة الإنسانية. وقد تجلت هذه العناية القرآنية من خلال ربط الإحسان إلى الوالدين بتوحيد الله تعالى، وبيان عظيم منزلتهما، والتحذير الشديد من الإساءة إليهما أو التهاون بحقوقهما.
وعلى الرغم من أن القرآن الكريم كثيرًا ما يتحدث عن الوالدين معًا، فإن الأب يدخل دخولًا أصيلًا في هذه الخطابات القرآنية، بل تكشف بعض الآيات عن أبعاد خاصة لمكانته ودوره في الرعاية والتوجيه والتربية.
أولًا: اقتران برّ الوالدين بعبادة الله تعالى
من أعظم مظاهر تكريم الأب أن القرآن الكريم قرن الإحسان إلى الوالدين بأعظم حق في الوجود، وهو حق الله تعالى في العبادة والتوحيد، قال تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23).
فقد جاءت الوصية بالوالدين مباشرة بعد الأمر بتوحيد الله تعالى، وهو ما يكشف عن عظم منزلتهما ورفعة شأنهما. وإذا كان التوحيد يمثل أعظم الواجبات الدينية، فإن الإحسان إلى الوالدين يأتي في مقدمة الواجبات الاجتماعية والأخلاقية.
وهذا الاقتران يدل على أن برّ الأب ليس أمرًا مستحبًا أو سلوكًا اختياريًا فحسب، بل هو واجب شرعي وأخلاقي يرتبط بطاعة الله تعالى ورضوانه.
ثانيًا: الأمر بإظهار أعلى درجات الاحترام والتوقير
لم يكتفِ القرآن بالأمر العام بالإحسان إلى الوالدين، بل رسم آدابًا دقيقة في التعامل معهما، فقال تعالى:
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (الإسراء: 23-24).
وتكشف هذه الآيات عن عظمة حق الأب؛ إذ نهت عن أدنى مراتب التضجر والانزعاج، وهو التأفف، فكيف بما هو أشد من ذلك من إساءة أو جفاء أو عقوق؟
كما أمرت بالتواضع لهما وخفض الجناح، وهو تعبير قرآني بليغ يرسم صورة الابن وهو يتعامل مع والديه بمنتهى الاحترام والرحمة واللين.
ثالثًا: الاعتراف بجميل الوالدين وتضحياتهما
يؤكد القرآن الكريم أن الوفاء للوالدين يقوم على استحضار ما بذلاه من جهد وتضحية في سبيل الأبناء، قال تعالى:
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان: 14).
فشكر الوالدين قرين شكر الله تعالى؛ لأنهما كانا السبب الظاهري في وجود الإنسان وتنشئته ورعايته.
وإذا كانت الآية قد أشارت بصورة خاصة إلى معاناة الأم في الحمل والولادة، فإن ذلك لا ينفي ما يتحمله الأب من مسؤوليات الكفالة والرعاية وتحمل الأعباء المختلفة في سبيل بناء الأسرة واستقرارها، الأمر الذي يجعله أهلًا للشكر والوفاء والإحسان.
رابعًا: المحافظة على مكانة الأب حتى عند الاختلاف
من أعظم صور التكريم القرآني للأب ما ورد في قصة نبي الله إبراهيم (عليه السلام) مع أبيه، فقد كان أبوه مخالفًا له في العقيدة، ومع ذلك خاطبه بأدب بالغ ولطف عظيم، فقال:
﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ (مريم: 42).
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ﴾ (مريم: 45).
ويتكرر نداء: يا أبتِ في هذه الآيات بصورة مؤثرة، ليؤكد أن مكانة الأب واحترامه لا تسقط بسبب الخلاف الفكري أو الاختلاف في الرأي، ما دام ذلك لا يؤدي إلى معصية الله تعالى.
خامسًا: جعل الدعاء للوالدين من صفات المؤمنين
وجّه القرآن الكريم الأبناء إلى دوام الدعاء لوالديهم أحياءً وأمواتًا، فقال تعالى:
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 24).
وتحمل هذه الآية اعترافًا صريحًا بفضل الوالدين وجميل تربيتهما، كما تدل على أن حق الأب لا ينتهي بانتهاء فترة التربية أو بخروج الأبناء إلى ميادين الحياة، بل يبقى حقًا مستمرًا يستوجب الدعاء والوفاء والبرّ ما دامت الحياة، بل وحتى بعد الوفاة.
يتضح من خلال الآيات القرآنية أن تكريم الأب ليس قضية اجتماعية طارئة، بل هو مبدأ قرآني راسخ. فقد قرن القرآن الكريم حق الوالدين بحق الله تعالى، وأوجب الإحسان إليهما، ونهى عن أدنى مراتب الإساءة لهما، ودعا إلى شكرهما والدعاء لهما والتعامل معهما بمنتهى الرحمة والتوقير. ومن ثم فإن أي تقليل من مكانة الأب أو تهاون في حقوقه يمثل خروجًا عن الرؤية القرآنية التي أرادت للأسرة أن تقوم على الوفاء والاحترام المتبادل وصيانة حقوق الوالدين، وفي مقدمتهم الأب الذي يحمل أعباء المسؤولية والتربية والرعاية.
مكانة الأب في أحاديث النبي وأهل البيت (عليهم السلام)
لم يقتصر التأكيد على مكانة الأب وحقوقه على الآيات القرآنية فحسب، بل جاءت أحاديث النبي الأعظم محمد ’ وأهل بيته (عليهم السلام) لتؤكد هذا المعنى وتفصّله، فاعتبرت برّ الوالدين من أفضل الطاعات، وجعلت رضاهما سبيلًا إلى رضا الله تعالى، وحذّرت من العقوق بوصفه من أعظم الذنوب وأشدها خطرًا على الفرد والأسرة والمجتمع.
ومن خلال استقراء الروايات الواردة عن النبي وأهل بيته (عليهم السلام) يتضح أن الإسلام أراد بناء علاقة بين الأب وأبنائه تقوم على الاحترام والوفاء والعرفان بالجميل، تقديرًا لما يبذله من جهد وتضحية في سبيل أسرته وأولاده.
قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): ما ولد بارّ نظر الى أبويه برحمة إلّا كان له بكلّ نظرة حجّة مبرورة، فقالوا: يا رسول الله، وإن نظر في كلّ يوم مائة نظرة؟ قال (صلى الله عليه وآله): نعم، الله أكبر وأطيب.[1]
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثلاثة من الذنوب تعجّل عقوبتها، ولا تؤخّر إلى الآخرة: عقوق الوالدين، والبغي على الناس، وكفر الإحسان.[2]
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نظر الولد إلى والديه حبّاً لهما عبادة.[3]
وسُئل الإمام زين العابدين عليه السلام في رسالة الحقوق عن حقّ الوالد فقال: «وأما حق أبيك، فأن تعلم أنه أصلك، وأنك لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك مما يعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك، ولا قوة إلا بالله»[4]
تكشف أحاديث النبي محمد ’ وأهل بيته (عليهم السلام) عن عناية فائقة بمكانة الأب وحقوقه؛ فقد جعلت برّه من أفضل الطاعات، وربطت رضاه برضا الله تعالى، وأكدت استمرار حقه في حياته وبعد وفاته، كما شددت على خطورة العقوق بجميع صوره وأشكاله. وتبرز رسالة الحقوق للإمام السجاد (عليه السلام) بوصفها من أهم النصوص التي بيّنت فلسفة حق الأب، حين جعلته أصل وجود الإنسان وأساس كثير من النعم التي ينعم بها. ومن ثم فإن الوفاء للأب واحترامه ليس مجرد واجب اجتماعي، بل فريضة دينية وأخلاقية تقتضيها تعاليم الإسلام ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
آثار برّ الآباء وعقوقهم
هناك آثار مختلفة في الدنيا والآخرة لبرّ الآباء وعقوقهم. فلنذكر البعض من هذه الآثار ونتأمل فيها حتى نفهم ما مدى أهمية الاحترام البرّ بالآباء.
أولا: آثار برّ الآباء واحترامهم
الزيادة في الرزق
روى داوود بن كثير عن الإمام الصادق عليه السلام: «من أحب أن يخفف الله عز وجل عنه سكرات الموت، فليكن لقرابته وصولا، وبوالديه بارا، فإذا كان كذلك هون الله عليه سكرات الموت، ولم يصبه في حياته فقر أبدا»[5].
وأيضا روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سره أن يمد له في عمره ويبسط في رزقه، فليصل أبويه، فان صلتهما طاعة الله، وليصل ذا رحمه» [6]
استجابة دعاء الأب في حقّ إبنه
روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ لَا يُحْجَبْنَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: دُعَاءُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ إِذَا بَرَّهُ، ودَعْوَتُهُ عَلَيْهِ إِذَا عَقَّهُ»[7]
التخفيف في سكرات الموت
ورد عن الإمام الصادق عليه السلام حيث قال: «من أحب أن يخفف الله عز وجل عنه سكرات الموت، فليكن لقرابته وصولا، وبوالديه بارا».[8]
ثانيا: آثار عقوق الآباء
عدم الاقتراب من الجنة
روى الإمام الباقر عليه السلام عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله: «إياكم وعقوق الوالدين. فان ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام، ولا يجدها عاق ولا قاطع رحم»[9]
عدم قبول الأعمال
روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «من نظر إلی أبويه نظر ماقت، وهما ظالمان له، لم يقبل الله له صلاة»[10]
عدم غفران الذنوب
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: « إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي آخِرِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ أَلْفَ أَلْفِ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ ... فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ... إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَظَرَ إِلَيْهِمْ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَعَفَا عَنْهُمْ وَغَفَرَ لَهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةً- قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ مُدْمِنُ الْخَمْرِ وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْقَاطِعُ الرَّحِمِ وَالْمُشَاحِنُ»[11]
حكاية النبي يوسف وأبيه عليهما السلام
قال الله تعالى حول حكاية النبي يوسف ويعقوب: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾[12]. وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: « لما أقبل يعقوب إلى مصر، خرج يوسف ليستقبله، فلما رآه يوسف هم بأن يترجل له، ثم نظر إلى ما هو فيه من الملك، فلم يفعل، فلما سلم على يعقوب، نزل عليه جبرائيل، فقال له: يا يوسف! إن الله جل جلاله يقول: منعك أن تنزل إلى عبدي الصالح ما أنت فيه. أبسط يدك. فبسطها، فخرج من بين أصابعه نور. فقال. ما هذا يا جبرائيل؟ قال: هذا أنه لا يخرج من صلبك نبي أبدا، عقوبة بما صنعت بيعقوب، إذ لم تنزل إليه »[13]
*خاتمة
إنّ الأب ليس مجرد فرد في الأسرة، بل هو رمز للعطاء والتضحية والمسؤولية، يحمل همّ أبنائه قبل همّه، ويسخّر جهده وعمره من أجل سعادتهم واستقرارهم. وقد أولى الإسلام الأب مكانة سامية، فجعل برّه من أعظم القربات، والإحسان إليه من أجلّ الواجبات، وحذّر من العقوق والجحود لما يترتب عليهما من آثار خطيرة على الفرد والأسرة والمجتمع.
ومن هنا فإن الوفاء للأب ليس تفضّلًا من الأبناء، بل هو استحقاق شرعي وأخلاقي وإنساني تفرضه مبادئ الدين وقيم المروءة والعدل. وإذا كان بعض الناس قد غفلوا عن هذه الحقيقة، فإن الواجب يقتضي إعادة إحياء ثقافة البرّ والاعتراف بالجميل، ليبقى الأب مكرّمًا في حياته، محفوظًا في حقه، مشكورًا على عطائه وتضحياته. فالأب قد لا يطلب شيئًا لنفسه، لكنه يستحق من أبنائه كل تقدير ووفاء، وما البرّ إلا صورة من صور ردّ الجميل لمن كان سببًا في الوجود، وشريكًا في صناعة الحياة.
-----------------------------------------
[1] - بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / ج٧١، ص٧٣/ الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 1.
[2] -- بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / ج٧١، ص٧4/ الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 1.
[3] - بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / ج٧١، ص80/ الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 1.
[4] - الأمالي / الشيخ الصدوق / المجلّد: 1 / الصفحة: 453 ـ 454. / الناشر: قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة – قم / الطبعة: 1.
[5] - الأمالي (للشيخ الصدوق) / المجلد: 1 / الصفحة: 472 / الناشر: قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة – قم / الطبعة: 1.
[6] - الدعوات (لقطب الدين الراوندي) / المجلد: 1 / الصفحة: 126 / الناشر: مدرسة الإمام المهدي – قم / الطبعة: 1.
[7] -) الأمالي (للشيخ الطوسي) / المجلد: 1 / الصفحة: 280 / الناشر: دار الثقافة – قم / الطبعة: 1.
[8] - الأمالي (للشيخ الصدوق) / المجلد: 1 / الصفحة: 472 / الناشر: قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة – قم / الطبعة: 1.
[9] - بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 74 / الصفحة: 62 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 1.
[10] - الكافي (للشيخ الكليني) / المجلد: 4 / الصفحة: 50 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 4.
[11] -) الأمالي (للشيخ المفيد) / المجلد: 1 / الصفحة: 231 / الناشر: جامعة المدرسين – قم / الطبعة: 1.
[12] - سورة يوسف / الآية: 99.
[13] - مجمع البيان (للطبرسي) / المجلد: 5 / الصفحة: 456 / الناشر: مؤسسة الأعلمي – بيروت / الطبعة: 4.

اترك تعليق