دراسةٌ تربويّةٌ تأصيليّةٌ في مراتب الأخلاق ومناشئها ومجالاتها
يسم الله الرحمن الرحيم
تحتلّ الأخلاق في المنظومة الإسلاميّة موقعًا محوريًّا في بناء الإنسان وتكامله؛ إذ لا ينحصر كمال الإنسان في مقدار ما يحصّله من المعارف والعلوم، ولا في سعة ما يمتلكه من المعلومات، بل يتوقّف جانبٌ مهمٌّ من تكامله على تهذيب نفسه، وتقويم سلوكه، وإحكام علاقته بربّه تعالى وبذاته وبسائر أفراد المجتمع، بل وبمختلف الموجودات التي يتعامل معها في حياته.
ومن هنا، لم ينظر الإسلام إلى الأخلاق بوصفها مجموعةً من الآداب الاجتماعيّة المتعارفة فحسب، وإنّما جعلها جزءًا أصيلًا من مشروعه التربويّ والتكامليّ؛ لأنّ العلم إذا لم يقترن بتهذيب النفس، والمعرفة إذا لم تنعكس على السلوك، قد يتحوّلان إلى أدواتٍ تخدم الأهواء بدل أن تكونا سبيلًا إلى الهداية والصلاح.
وعلى هذا الأساس، فإنّ دراسة الأخلاق لا تستقيم على وجهها التامّ ما لم تُبحث من جهاتٍ متعدّدة، تتناول حقيقتها النظريّة ومظاهرها العمليّة، ومناشئها الفطريّة والمكتسبة، ومجالات تحقّقها في حياة الإنسان. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى تصنيف الأخلاق ضمن محاور متمايزة، لا على نحو التنافي والانفصال، بل على نحو التكامل والتداخل؛ إذ قد تكون الخصلة الواحدة فطريّة المنشأ، مكتسبةً من جهة تنميتها، عمليّة الظهور، ومتعلّقةً بعلاقة الإنسان بربّه أو بنفسه أو بغيره.
وفيما يأتي دراسةٌ لهذه التقسيمات الثلاثة، مع بيان الأساس الذي يقوم عليه كلّ تقسيم، وآثاره التربويّة في بناء الشخصيّة الإسلاميّة.
المحور الأوّل: تقسيم الأخلاق إلى نظريّة وعمليّة:
يُلحظ هذا التقسيم من جهة التمييز بين المعرفة الأخلاقيّة من حيث هي علمٌ وبحثٌ وتقعيد، وبين الأخلاق من حيث هي صفاتٌ راسخةٌ في النفس أو أفعالٌ ظاهرةٌ في الخارج.
أوّلًا: الأخلاق النظريّة:
يُراد بالأخلاق النظريّة الجانب المعرفيّ والعلميّ الذي يتناول البحث في حقيقة الفضائل والرذائل، ومعايير الحسن والقبح الأخلاقيّين، وأسس الحكم على الأفعال والصفات، وطرق التمييز بين ما ينبغي للإنسان أن يتحلّى به وما ينبغي له أن يتجنّبه.
وهذا الجانب هو الذي يُعنى بتأسيس القواعد الأخلاقيّة، وتحليل المفاهيم المتعلّقة بها، وبيان مناشئها وآثارها، والبحث في علاقتها بالعقل والفطرة والدين والتربية. كما يدرس كيفيّة تحوّل المعرفة بالقيم إلى معيارٍ يُحتكم إليه في تقويم المواقف والأفعال.
وتظهر أهمّيّة هذا القسم في أنّ العمل الأخلاقيّ لا يستغني عن بصيرةٍ تميّز الفضيلة من الرذيلة، ولا عن معيارٍ يضبط الحكم على السلوك. فقد يظنّ الإنسان أنّ فعلًا ما حسنٌ لموافقته مصلحته الشخصيّة أو انسجامه مع العرف السائد، مع أنّه قد يكون منافياً للعدل أو الأمانة أو سائر القيم المعتبرة.
وعليه، فإنّ الأخلاق النظريّة تؤدّي وظيفة التأصيل والتوجيه، وتُسهم في تكوين الوعي الأخلاقيّ الذي يتيح للإنسان أن يفهم لماذا يكون الصدق فضيلةً، ولماذا تكون الخيانة رذيلةً، وما الأساس الذي يجعل العدل مطلوبًا والظلم مذمومًا.
غير أنّ مجرّد الإحاطة بهذه القواعد لا يكفي لتحقّق الكمال الأخلاقيّ؛ لأنّ معرفة الفضيلة مغايرةٌ للتحلّي بها، والعلم بمضارّ الرذيلة لا يستلزم بالضرورة التحرّز منها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الجانب العمليّ للأخلاق.
ثانيًا: الأخلاق العمليّة:
يُراد بالأخلاق العمليّة ما يتّصل بتحقّق الفضائل والرذائل في النفس والسلوك؛ سواء أكانت على هيئة ملكاتٍ راسخة، أم ظهرت في صورة أفعالٍ ومواقفَ خارجيّة.
وتندرج تحت هذا القسم دراسة الصفات المحمودة والمذمومة، وتحليل السلوكيّات الصادرة عن الإنسان، وبيان آثارها في تكوين شخصيّته وعلاقاته، وتقويمها على ضوء المعايير الأخلاقيّة المستمدّة من العقل والشرع. فالصدق، مثلًا، قد يُبحث عنه نظريًّا من حيث مفهومه وحسنه وآثاره، ويُبحث عنه عمليًّا من حيث رسوخه في النفس، وظهوره في الأقوال والتصرّفات، ومدى التزام الإنسان به عند تعارضه مع مصلحته العاجلة. وكذلك العفّة؛ فإنّ البحث في مفهومها غير تحقّقها في سلوك الإنسان، وضبطه لشهواته، ومقاومته لما يجرّه إلى الانحراف. ومن هنا، فإنّ الغاية التربويّة لا تتحقّق بمجرّد تحصيل المعلومات الأخلاقيّة، بل لا بدّ من نقلها من حيّز التصوّر إلى حيّز التحقّق، ومن مقام المعرفة إلى مقام الممارسة، حتى تصبح الفضيلة جزءًا من البنية النفسيّة للإنسان، وتنعكس آثارها على أفعاله ومواقفه.
وبهذا يتّضح أنّ العلاقة بين الأخلاق النظريّة والعمليّة علاقة تكامل؛ فالأولى تمنح الإنسان البصيرة والمعيار، والثانية تُظهر أثر تلك البصيرة في تكوين النفس وتقويم السلوك.
المحور الثاني: تقسيم الأخلاق بلحاظ منشئها إلى فطريّة ومكتسبة:
يُلحظ هذا التقسيم من جهة منشأ الصفات الأخلاقيّة وكيفيّة تكوّنها في الإنسان؛ فبعض الميول والاستعدادات يكون له أصلٌ فطريّ، وبعض العادات والخصال يتشكّل بفعل التربية والتعلّم والتكرار والتأثّر بالبيئة المحيطة.
ولا بدّ من التنبيه إلى أنّ وصف الخصلة بالفطريّة لا يعني بالضرورة أنّها فضيلةٌ مكتملةٌ لا تحتاج إلى تهذيب، كما أنّ وصفها بالمكتسبة لا يعني أنّها مذمومة؛ إذ قد تكون الفطرة استعدادًا أو ميلًا أوليًّا، وقد يكون الاكتساب سبيلًا إلى تحصيل الفضائل وترسيخها، كما قد يكون طريقًا إلى اكتساب الرذائل.
أوّلًا: الأخلاق ذات المنشأ الفطريّ:
يُراد بها الميول والاستعدادات التي جُبل الإنسان عليها أو جُعلت في أصل تكوينه النفسيّ، بحيث تكون لها جذورٌ فطريّة سابقةٌ على كثيرٍ من عمليّات التعليم والتلقين الاجتماعيّ. ومن أمثلتها الميل إلى الأهل والأقارب، والتعاطف الأوّليّ مع المحتاج، والنفور من بعض صور الأذى، والاستعداد لإدراك قبح الظلم واستنكار بعض الأفعال الشنيعة. غير أنّ هذه الأمثلة ليست على مرتبةٍ واحدة؛ فقد تتفاوت شدّتها بين الأفراد، وقد تتأثّر بالتربية والظروف والتجارب.
وتكمن أهمّيّة هذا القسم في أنّ التربية الأخلاقيّة لا تبدأ من فراغ، بل تتعامل مع استعداداتٍ نفسيّة يمكن توجيهها وتنميتها. فالميل إلى محبّة الأهل، مثلًا، يمكن أن يُربّى حتى يصير وفاءً وصلةً وإحسانًا، كما يمكن أن ينحرف إذا تحوّل إلى تعصّبٍ يحمل الإنسان على نصرة قريبه بالباطل. وكذلك التعاطف الفطريّ يمكن أن يرتقي بالتربية إلى رحمةٍ واعيةٍ منضبطة، لا تقف عند حدود المصلحة الشخصيّة أو القرابة.
وعليه، فالفطرة تمثّل أرضيّةً مهمّةً في البناء الأخلاقيّ، لكنّها ليست بديلًا عن التهذيب والتقويم؛ إذ تتوقّف سلامة ثمرتها على حسن توجيهها، وتنمية جوانبها الإيجابيّة، ومنعها من الانحراف عن مقتضيات الحقّ والعدل.
ثانيًا: الأخلاق المكتسبة:
يُراد بها الخصال والعادات التي تتكوّن في الإنسان نتيجة التعلّم والتدريب والتكرار، والتأثّر بالأسرة والأصدقاء والمجتمع، فضلًا عن أثر الاختيار الشخصيّ والمجاهدة الواعية للنفس. ومن أمثلتها آداب الاستئذان، واحترام المجالس، وحسن استقبال القادم، والالتزام بالنظام العامّ، ومراعاة آداب الطعام والحديث والتعامل. وقد تكون هذه السلوكيّات من قبيل الآداب الاجتماعيّة والأعراف المتعارفة، وقد ترتقي إلى مرتبة الفضائل الأخلاقيّة متى استندت إلى غاياتٍ صحيحة، كاحترام الإنسان، وصيانة حقوق الآخرين، وحفظ النظام، واجتناب الأذى. ومن الضروريّ هنا التمييز بين العادة الاجتماعيّة والفضيلة الأخلاقيّة؛ فليس كلّ ما اعتاده الناس حسنًا في ميزان الأخلاق، كما أنّ اختلاف الأعراف لا يستلزم اختلاف القيم الأساسيّة. فقد يكون القيام للقادم مظهرًا من مظاهر الاحترام في بيئةٍ معيّنة، بينما لا يكون تركه دليلًا على سوء الأدب في بيئةٍ أخرى. والعبرة في مثل هذه الموارد بما يكشف عنه السلوك من احترامٍ أو إهانة، وما يترتّب عليه من حفظ الحقوق أو انتهاكها، لا بمجرّد الصورة الخارجيّة للفعل.
ومن هنا، فإنّ الأخلاق المكتسبة تتشكّل من خلال مسارين متكاملين: مسار التلقّي والتأثّر بالبيئة، ومسار التهذيب الواعي القائم على المحاسبة والممارسة. وقد يكون المجتمع عاملًا مساعدًا على اكتساب الفضيلة، كما قد يكون سببًا في تطبيع الرذيلة إذا شاع فيه الكذب أو الغشّ أو التعدّي على الحقوق. وتترتّب على ذلك مسؤوليّةٌ تربويّةٌ مهمّة، تتمثّل في اختيار البيئة الصالحة، وانتقاء القدوات الحسنة، وتعويد النفس على الممارسات الفاضلة، وعدم التسليم لكلّ ما يستقرّ عليه العرف الاجتماعيّ من دون عرضه على ميزان العقل والشرع.
ثالثًا: العلاقة بين الفطرة والاكتساب:
ليس المراد من هذا التقسيم إقامة حاجزٍ قاطعٍ بين الفطريّ والمكتسب، بل بيان اختلاف جهتي المنشأ والتكوّن؛ إذ قد يكون للخصلة أصلٌ فطريّ، ثم تتقوّى بالتربية والممارسة حتى تصبح ملكةً راسخة، وقد يكتسب الإنسان خصلةً لم تكن ظاهرةً فيه منذ البداية، ثم تترسّخ بالتكرار حتى تصير جزءًا من سجيّته. فالإنسان قد يكون مهيّأً للرحمة بطبعه، لكنّ ممارسة الإحسان والرفق تُنمّي هذا الاستعداد وتوسّع دائرته. وقد لا يكون الحلم ظاهرًا في شخصيّته، غير أنّه يستطيع اكتسابه بالتدرّب على ضبط الغضب، والتأنّي في الحكم، ومقاومة دواعي الانتقام. وهذا المعنى يفتح باب الإصلاح الأخلاقيّ، ويمنع الاستسلام لدعوى أنّ الإنسان أسير طبعه لا يستطيع تغييره؛ فإنّ الاستعدادات وإن تفاوتت، فإنّ التربية والمجاهدة وتكرار الأفعال لها أثرٌ مهمٌّ في تهذيب النفس وتعديل السلوك، ضمن ما تسمح به طبيعة الإنسان وظروفه.
المحور الثالث: تقسيم الأخلاق بلحاظ نوع العلاقة:
يُعدّ هذا التقسيم من أبرز التقسيمات التربويّة؛ لأنّه ينظر إلى الأخلاق من جهة المجال الذي تظهر فيه، والطرف الذي تتعلّق به مسؤوليّة الإنسان. وبمقتضاه يمكن تصنيف الأخلاق إلى أخلاق العلاقة بالله تعالى، وأخلاق الإنسان مع ذاته، وأخلاقه مع المجتمع، وأخلاقه مع سائر الموجودات غير العاقلة.
وهذه المجالات ليست جزرًا منفصلة؛ إذ قد يجتمع في الفعل الواحد أكثر من بُعدٍ أخلاقيّ، كما أنّ صلاح علاقة الإنسان بربّه ينبغي أن ينعكس على سلوكه مع نفسه والآخرين، فلا تبقى الأخلاق مجرّد دعاوى أو مظاهرَ منفصلةٍ عن حقيقة الالتزام.
أوّلًا: أخلاق العبد مع الله تعالى:
تمثّل علاقة الإنسان بربّه تعالى الأصل الأعلى في المنظور الإسلاميّ؛ لأنّها تقوم على الإيمان بالله، ومعرفة عظمته وكماله، والإقرار بربوبيّته، واستحضار عبوديّة الإنسان له، وما يترتّب على ذلك من خضوعٍ وطاعةٍ وشكرٍ وإخلاص.
وتتجلّى هذه الأخلاق في الإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته الكماليّة على الوجه اللائق بجلاله، وتنزيهه عمّا لا يليق بساحة قدسه، وإخلاص العبادة له، وحسن التوكّل عليه، والصبر على قضائه، والشكر على نعمه، والتوبة من الذنوب، ومراقبة النفس في السرّ والعلن.
كما تشمل أدب العبد في الدعاء والمناجاة والخطاب، فلا يتعامل مع العبادة بوصفها عادةً خاليةً من الحضور، ولا يجعل الطاعة وسيلةً للسمعة أو تحصيل المنزلة بين الناس، بل يقصد بها التقرّب إلى الله تعالى وامتثال أمره.
ومن أهمّ الآثار التربويّة لهذا القسم أنّه ينقل الإنسان من مجرّد الالتزام الظاهريّ إلى الرقابة الباطنيّة؛ فمَن استحضر اطّلاع الله تعالى عليه، لم يحصر استقامته في أوقات حضور الناس، ولم يجعل غياب الرقيب البشريّ ذريعةً إلى التفلّت من المسؤولية.
غير أنّ صدق العلاقة بالله لا يُقاس بمجرّد كثرة الشعائر الظاهرة، مع أهمّيّتها في مواضعها، بل ينبغي أن يظهر أثرها في صدق المعاملة، وأداء الحقوق، واجتناب الظلم، وحسن الخلق؛ لأنّ العبادة التي لا تترك أثرًا في تهذيب النفس تحتاج إلى مراجعةٍ في فهمها وممارستها.
ثانيًا: أخلاق الإنسان مع ذاته:
لا تقتصر مسؤوليّة الإنسان الأخلاقيّة على علاقته بخالقه أو تعامله مع الآخرين، بل تشمل موقفه من نفسه أيضًا؛ إذ إنّ الذات أمانةٌ ينبغي صيانتها، وقابليّةٌ ينبغي تنميتها، ومسؤوليّةٌ لا يصحّ إهمالها أو الاعتداء عليها. وتتمثّل أخلاق الإنسان مع ذاته في تهذيبها من الرذائل، وترويضها على الفضائل، وحفظ كرامتها، وصيانة جسده وعقله من وجوه الإضرار المحرّمة أو العبثيّة، وتنظيم وقته، والعناية بمعرفته، ومحاسبة نفسه على تقصيرها، وعدم إطلاق العنان لشهواتها وأهوائها. ومن أبرز مظاهر هذا القسم: العفّة، والحلم، والصبر، والتواضع، وضبط الغضب، والاعتدال في المأكل والمشرب، والابتعاد عن الإسراف، والمحافظة على النظام، وطلب العلم النافع، وتنمية القدرة على التمييز بين الحقّ والباطل.
ويُضاف إلى ذلك اجتناب احتقار النفس واليأس من إصلاحها؛ فإنّ التواضع لا يعني إهدار الكرامة، ومحاسبة النفس لا تعني تحطيمها، ومقاومة الهوى لا تعني إهمال الحاجات المشروعة. وإنّما المقصود هو إقامة التوازن بين مطالب الجسد والروح والعقل، بحيث لا يستبدّ جانبٌ منها ببقيّة الجوانب. وتتّضح القيمة التربويّة لهذا القسم في أنّ الإنسان الذي يعجز عن إدارة نفسه قد يصعب عليه الوفاء بمسؤوليّاته تجاه الآخرين؛ فمَن لا يضبط غضبه قد يسيء إلى أهله، ومَن يهمل وقته قد يضيّع حقوقه وحقوق من يعتمدون عليه، ومَن يسترسل مع الهوى قد يقدّم مصلحته العاجلة على مقتضيات الحقّ والعدل.
وعليه، فإنّ تهذيب الذات ليس ضربًا من الأنانيّة أو الانكفاء على النفس، بل هو إعدادٌ للإنسان كي ينهض بمسؤوليّاته على وجهٍ أصلح وأكمل.
ثالثًا: أخلاق الإنسان مع المجتمع:
يتّسع المجال الاجتماعيّ للأخلاق ليشمل علاقة الإنسان بأسرته وأقاربه وجيرانه وأصدقائه وسائر أفراد المجتمع، سواء في التعاملات اليوميّة أو المعاملات الماليّة أو المواقف التي تتعلّق بالحقوق والواجبات العامّة. وتقوم الأخلاق الاجتماعيّة في الإسلام على جملةٍ من القيم، في مقدّمتها الصدق، والأمانة، والعدل، والوفاء بالعهد، وحفظ الحقوق، واحترام كرامة الإنسان، والإحسان، والتعاون على الخير، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والرفق في التعامل، واجتناب الغيبة والبهتان والسخرية والتعدّي. ولا تنحصر هذه الأخلاق في حسن الكلام ولطف المظهر، بل تشمل الالتزام العمليّ بالحقوق؛ فقد يكون الإنسان لبقًا في حديثه، لكنّه يظلم العامل الذي يعمل عنده، أو يخون الأمانة التي اؤتمن عليها، أو يتعدّى على حقّ شريكه. وفي مثل هذه الموارد لا تكفي المجاملة الظاهريّة لإثبات حسن الخلق؛ لأنّ حقيقة الأخلاق تظهر عند تزاحم المصالح، ووقوع الاختلاف، وقدرة الإنسان على الظلم من دون أن يخشى انكشاف أمره. ومن هنا، فإنّ العدل يمثّل ضابطًا جوهريًّا في الأخلاق الاجتماعيّة؛ إذ لا يجوز أن تتحوّل المحبّة إلى محاباةٍ بالباطل، ولا أن يصبح الانتماء الأسريّ أو الاجتماعيّ مبرّرًا لنصرة الظالم، ولا أن يُتّخذ الاختلاف وسيلةً لإهدار كرامة المخالف أو سلب حقوقه.
كما أنّ احترام الآخرين لا يعني التسليم بصحّة جميع آرائهم وأفعالهم، بل يمكن للإنسان أن يخالف غيره في الفكر أو الاعتقاد مع التزام الإنصاف في الحوار، واجتناب الكذب والتشويه، والتمييز بين نقد الفكرة والاعتداء على صاحبها.
وتتجاوز الأخلاق الاجتماعيّة دائرة العلاقات الفرديّة إلى المسؤولية العامّة، فتشمل احترام النظام المشروع، وصيانة الأموال العامّة، وعدم الإضرار بالمصالح المشتركة، وأداء الوظائف والواجبات بإتقان، والإسهام في نشر المعرفة والحدّ من الفساد.
وبذلك يتبيّن أنّ الأخلاق الاجتماعيّة ليست مجرّد آدابٍ تزيينيّة، بل هي أساسٌ من أسس استقامة الحياة المشتركة، وحفظ الثقة بين الناس، وتحقيق التعاون، وتقليل أسباب الظلم والنزاع.
رابعًا: أخلاق الإنسان مع سائر الموجودات غير العاقلة:
لا تقف دائرة المسؤولية الأخلاقيّة عند حدود الإنسان، بل تمتدّ إلى طريقة تعامله مع الحيوانات وسائر الموجودات التي تقع تحت قدرته وتصرفه، كلٌّ بحسب ما يقتضيه موضوعه وما يثبت له من حقوقٍ وأحكام. وأبرز مصاديق هذا القسم أخلاق الإنسان مع الحيوان؛ إذ تقتضي الرحمة والرفق به، وعدم تعذيبه أو إيذائه بغير مسوّغ، وتوفير ما يحتاج إليه من طعامٍ وماءٍ ورعايةٍ مناسبة، وعدم تحميله ما لا يطيق، ومراعاة الأحكام الشرعيّة المتعلّقة به في الانتفاع منه أو التعامل معه. فقدرة الإنسان على السيطرة على الحيوان لا تمنحه حقّ العبث به أو إيقاع الألم عليه لمجرّد التسلية؛ لأنّ القدرة ليست في ذاتها معيارًا للحسن، ولا يبيح التمكّن من الضعيف إهدار ما يجب مراعاته من حقوقه. ومن ثمّ، فإنّ الرفق بالحيوان مظهرٌ من مظاهر تهذيب النفس، ودليلٌ على تجاوز الإنسان منطق الاستغلال المطلق إلى منطق المسؤولية والانضباط. ويدخل في هذا المجال أيضًا التعامل مع البيئة والموجودات الطبيعيّة من جهة تجنّب الإفساد والإهدار والإضرار غير المبرّر، والمحافظة على الموارد التي ينتفع بها الإنسان وغيره. غير أنّ تفاصيل هذه المسؤوليات وأحكامها تختلف باختلاف الموارد، فلا يصحّ جعل جميع الموجودات في مرتبةٍ واحدةٍ من حيث الحقوق أو التكليف، بل يُرجع في كلّ موردٍ إلى ما يقتضيه العقل والشرع وطبيعة الموضوع. وتكمن الأهمّيّة التربويّة لهذا القسم في أنّ الرحمة لا ينبغي أن تبقى مفهومًا نظريًّا محصورًا في العلاقات البشريّة، بل تتجلّى في سلوك الإنسان مع كلّ ما يستطيع إيذاءه أو الانتفاع به، ضمن الحدود التي تقرّرها الأحكام والقيم الإسلاميّة.
خاتمة:
تكامل الأبعاد الأخلاقيّة في بناء الإنسان:
يتّضح من مجموع ما تقدّم أنّ الأخلاق في الإسلام لا تُدرس من جهةٍ واحدة، بل تتعدّد تقسيماتها بتعدّد الحيثيّات والاعتبارات؛ فهي من جهة البحث والمعالجة تنقسم إلى أخلاقٍ نظريّة وأخرى عمليّة، ومن جهة المنشأ والتكوّن تتمايز فيها الاستعدادات الفطريّة عن الخصال المكتسبة، ومن جهة المجال والعلاقة تتوزّع على علاقة الإنسان بربّه تعالى، وبذاته، وبالمجتمع، وبسائر الموجودات غير العاقلة. وهذه التقسيمات ليست متعارضةً ولا متباينةً في أصلها، بل يتكامل بعضها مع بعض؛ فقد تكون الرحمة استعدادًا فطريًّا، ثم تُنمّى بالتربية والممارسة، وتُبحث نظريًّا من حيث حقيقتها وحدودها، وتتحقّق عمليًّا في معاملة الوالدين والمحتاجين والحيوانات. وكذلك العدل، فإنّه قيمةٌ يُبحث عن أساسها في علم الأخلاق، ويكتسب الإنسان القدرة على ممارستها بالتربية والمجاهدة، ثم تظهر آثارها في علاقته بنفسه وبالناس.
ومن هنا، فإنّ المشروع التربويّ الإسلاميّ لا يكتفي بتعليم الإنسان أسماء الفضائل والرذائل، ولا بمجرد تعويده على مظاهر السلوك المقبول اجتماعيًّا، بل يستهدف بناء شخصيّةٍ تتكامل فيها المعرفة والقناعة والملكة والعمل؛ بحيث يعرف الإنسان الحقّ، ويؤمن بقيمته، ويُدرّب نفسه على الالتزام به، ويستمرّ في محاسبتها عند التقصير.
فالغاية من التربية الأخلاقيّة ليست صناعة مظهرٍ اجتماعيٍّ مقبولٍ فحسب، بل تهذيب الباطن وإصلاح الظاهر، وتحويل القيم من معلوماتٍ محفوظةٍ إلى صفاتٍ راسخة، ومن شعاراتٍ مرفوعةٍ إلى مواقفَ مسؤولة. وبقدر ما يتحقّق هذا التكامل، يقترب الإنسان من الغاية التي يتوخّاها الإسلام في بناء شخصيّةٍ واعيةٍ، مستقيمةٍ، عادلةٍ، رحيمةٍ، قادرةٍ على أداء حقوق الله تعالى وحقوق النفس والخلق، كلٌّ في موضعه وبحسب ما يقتضيه ميزان الحقّ والعدل. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين وعلى آله الطاهرين.

اترك تعليق