نقض دعوى إمضاء الشورى وتحرير جهة الاحتجاج في حديث «بايعني القوم»

استدلّ بعض المخالفين بما نسب لأمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كتب إلى معاوية: «إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ، وَلَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ، وَإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ فَسَمَّوْهُ إِمَامًا كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًا...» [وقعة صفين ص٢٧].

وزعموا أنّ في هذا الكلام دلالةً صريحةً على إقراره بمشروعية الشورى، واعترافه بصحة الطريقة التي انعقدت بها خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وأنّ الإمامة تثبت باختيار المهاجرين والأنصار واجتماعهم على رجل.

وهذه الشبهة مبنية على مصادرة محلّ النزاع؛ إذ جعل المستدلّ مجرد إيراد أمير المؤمنين (عليه السلام) لواقعة البيعة، أو احتجاجه بها على خصمه، مساوقًا لإقراره بمشروعية منشأ تلك البيعة وصحة الطريق الذي انعقدت به الإمامة.

وهذا خلط بين ثبوت الواقعة وتصحيح وجهها الشرعي، وبين الاحتجاج باللازم على الخصم والتقرير به في مقام الاعتقاد. والتحقيق يقتضي تفكيك هذه الدعوى من جهات:

 

الجهة الأولى: في مقام صدور الكلام، وأنه مقام إلزام لا مقام تأسيس:

إنّ الكلام محل البحث وارد ضمن رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية، في سياق النزاع المتعلق بامتناع معاوية عن الدخول في طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد انعقاد البيعة له.

وعليه، فلابد من ملاحظة جهة الخطاب ومقام التخاطب قبل استظهار المدلول العقدي من ألفاظه؛ فإنّ المتكلم قد يحتج على خصمه بما يراه الخصم حجةً عليه، من غير أن يكون ذلك منه إقرارًا بصحة المبنى في مقام الثبوت.

وهذا من أوضح موارد الإلزام الجدلي؛ فإنّ وظيفة المناظر ليست دائمًا أن يقيم الدليل على صحة المقدمة في نفسها، بل قد يلزم الخصم بما سلّمه هو، فيقول له ـ على سبيل التنزل ـ: إذا كان هذا أصلك الذي بنيت عليه موقفك، فاللازم عليك أن تقبل نتيجته حيثما تحققت. ومن هنا فقوله (عليه السلام): «بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ»، ليس نصًا في تصحيح خلافة أولئك، فضلًا عن كونه نصًا في تأسيس أصل الشورى، وإنما هو احتجاج على معاوية بالمعيار الذي كان يستند إليه في مقام المنازعة.

وبعبارة أخرى: إنّ دلالة الكلام على الإلزام بالبيعة غير دلالته على إمضاء منشأ البيعة، ولا ملازمة بينهما لا عقلًا ولا عرفًا. فقد يسلّم المناظر مقدمةً على سبيل التنزل، أو يحتج بها على الخصم لكونها من مسلّماته، من غير أن يلتزم بها في مقام الاعتقاد.

 

الجهة الثانية: التفكيك بين أصل البيعة ومشروعية منشئها:

إنّ قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ» لا يتضمن أكثر من الإخبار عن واقعة تاريخية، وهي أنّ جماعةً ممن شاركوا في بيعة من تقدّم قد بايعوه (عليه السلام).

وأما كيفية انعقاد البيعة، وهل كانت عن نصٍّ إلهي، أو اختيار، أو شورى، أو تغلب، أو غير ذلك، فهذه جهة أخرى تحتاج إلى دليل مستقل. فالاستدلال المذكور قد خلط بين أمرين:

أحدهما: البيعة بوصفها واقعة خارجية.

والآخر: البيعة بوصفها منشأً شرعيًا للإمامة.

والثاني لا يثبت بمجرد ثبوت الأول. بل حتى لو سلّمنا جدلًا بصحة العبارة سندًا ودلالةً، فإن أقصى ما فيها أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) احتج على معاوية بأنّ الجماعة التي بايعت من سبقه قد بايعته، فلا يبقى لمعاوية وجهٌ في التفريق بين البيعتين. أما أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) قد أمضى نظرية الانتخاب والشورى وأثبتها طريقًا شرعيًا عامًا للإمامة، فهذه دعوى لا تنهض العبارة بإثباتها.

 

الجهة الثالثة: إنّ عبارة «الشورى للمهاجرين والأنصار» لا يصح اقتطاعها من سياقها:

لو أُخذت العبارة مجردةً عن سياق الرسالة، لأمكن أن يتوهم منها ما ذهب إليه المستدل، ولكنها إذا ردّت إلى سياقها اتضح أنّها واردة في مقام إلزام معاوية بآثار البيعة التي انعقدت لأمير المؤمنين (عليه السلام). فمعاوية لم يكن ينازع في أصل وجود بيعة لأمير المؤمنين، وإنما كان يمتنع عن الاعتراف بلوازمها، فأقام أمير المؤمنين (عليه السلام) عليه الحجة من الجهة التي يمكن أن تلزمه بحسب مبناه. ومن ثمّ، فليس من المنهج العلمي أن يُقتطع قوله: «وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار» عن مجموع الرسالة، ثم يجعل أصلًا مستقلًا في باب الإمامة، مع أن الكلام صادر في سياق المرافعة والاحتجاج. والقاعدة في فهم النصوص أنّ المقام من القرائن المتصلة بالكلام، ولا يجوز إسقاطه عند استنباط المراد.

 

الجهة الرابعة: لو كان المراد تقرير الشورى، لزم التناقض مع الواقع التاريخي الذي يستند إليه النص نفسه:

إنّ المستدل يريد أن يجعل العبارة قاعدةً عامةً مفادها: «إنّ الإمام إنما يصير إمامًا إذا اجتمع المهاجرون والأنصار عليه وسمّوه إمامًا» ولكن هذه الدعوى تصطدم بالوقائع التاريخية التي نقلتها مصادر القوم أنفسهم. فبيعة أبي بكر لم تكن نتيجة اجتماع شامل للمهاجرين والأنصار؛ بل إنّ عمر بن الخطاب نفسه وصفها بقوله: «إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت» (1). فكيف يصح بعد ذلك جعل بيعة أبي بكر النموذج المكتمل للشورى العامة التي اشترط لها اجتماع المهاجرين والأنصار؟ وأما عمر، فلم يكن تعيينه ثمرة اجتماع المهاجرين والأنصار واختيارهم له، وإنما عهد إليه أبو بكر بالخلافة، ثم جرت البيعة له. وأما عثمان، فلم تكن بيعته عن اجتماع عموم المهاجرين والأنصار، وإنما جعل أمر الاختيار في نفر مخصوص، ثم آل الأمر إلى عثمان وفق الآلية المعروفة.

وعليه، فإن حمل العبارة على كونها تقنينًا شرعيًا لطريقة انعقاد الإمامة يوقع الكلام في إشكال واضح؛ لأنّ الخلفاء الثلاثة الذين أريد جعل بيعتهم مستندًا لهذا التقنين لم ينعقد أمرهم على صورة واحدة، ولا تحققت في بيعاتهم ـ على هذا الإطلاق ـ تلك الشورى العامة التي يدّعيها المستدل.

 

الجهة الخامسة: بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسها تكشف عن بطلان هذا التفسير:

لو كان المقصود من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) تأسيس قاعدة مفادها أنّ الإمامة لا تثبت إلا باجتماع المهاجرين والأنصار على شخص واختياره، لكان مقتضى ذلك أن تكون إمامته (عليه السلام) ناشئةً من مجرد اختيارهم له. وهذا هو عين ما لا ينسجم مع البناء العقدي الإمامي؛ فإنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يرى الإمامة مجرد منصبٍ تنشئه إرادة الأمة، وإنما هي منصب إلهي، والناس إنما تكون لهم وظيفة الكشف والطاعة والبيعة، لا وظيفة إنشاء الإمامة من أصلها. فثمّة فرق جوهري بين: البيعة الكاشفة عن القبول الخارجي والملتزمة بالطاعة، وبين: البيعة المنشئة لأصل الإمامة. والكلام محل البحث ـ على فرض صحته ـ لا يقتضي الثاني.

 

الجهة السادسة: مناقضة الشبهة بمنطق الاحتجاج نفسه:

إنّ أبلغ ما في الكلام أنه حجة على معاوية، لا حجة له؛ لأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول له ـ بحسب سياق الخطاب ـ ما مضمونه: إنّ القوم الذين بايعوا من تقدّم قد بايعوني، فإن كنت تجعل فعل أولئك حجةً في لزوم الطاعة، فلماذا ترفض فعلهم حين بايعوني؟ فالمقصود إلزام معاوية بالتسوية بين البيعات من حيث لزوم الوفاء بعد وقوعها.

وهذا لا يستلزم بحال أن يكون الإمام (عليه السلام) قد قال: إنّ هؤلاء القوم يملكون إنشاء الإمامة، وإنّ الشورى هي التي تنصّب الإمام، وإنّ من اختاروه صار إمامًا بالنصب منهم. والفرق بين العبارتين بَيِّن، ومن أسقطه فقد انتقل من المدلول إلى اللازم المدعى بلا برهان.

 

الجهة السابعة: ضعف السند يمنع من الاستقلال بالخبر في مقام الاحتجاج العقدي:

ثم إنّ الرواية ـ على فرض النظر إلى طريقها الوارد في وقعة صفين ـ لا تخلو من بحث رجالي، فقد رويت من طريق: «عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة، عن عامر الشعبي...». وقد وقع الكلام في وثاقة رجال هذا الطريق، ومنهم عمر بن سعد بن أبي الصيد الأسدي (2)، ونمير بن وعلة (3). ومن ثمّ لا يصح جعل هذا الخبر ـ منفردًا ـ أساسًا لإثبات أصل عقدي خطير كطريق تعيين الإمام. غير أنّ المهم هنا أنّ المناقشة السندية ليست هي العمدة في الجواب؛ إذ لو تنزلنا عن المناقشة السندية، وسلّمنا بصحة الرواية سندًا، لم يثبت المطلوب؛ لأنّ محل النزاع الحقيقي هو جهة الدلالة ومقام الصدور، وقد اتضح أنّ حمل الكلام على تقرير أصل الشورى غير متعين، بل السياق شاهد على كونه واردًا في مقام الإلزام.

 

الجهة الثامنة: نقض دعوى الشورى من المصادر التي يحتج بها الخصم:

والأعجب من ذلك أنّ المستدل يستخرج من العبارة نظريةً في الشورى، ثم يتجاهل أنّ الوقائع التاريخية التي ينقلها التراث الذي يحتج به لا تشهد لصحة هذا التعميم. فبيعة أبي بكر قد وصفها عمر نفسه بأنها: «فلتة». وبيعة عمر جاءت بتعيين أبي بكر له. وأما عثمان فجعل أمره في شورى مخصوصة، لا في اجتماع عام لجميع المهاجرين والأنصار.

فإن قيل: المراد من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ليس تحقق الشورى بصورة مثالية في كل واحدة من هذه الوقائع، بل بيان أصل اعتبار اختيار أهل الحل والعقد.

قيل له: هذا عدول عن ظاهر الدعوى الأولى؛ إذ انتقل المستدل من القول بأن النص يثبت شرعية الشورى العامة للمهاجرين والأنصار إلى معنى آخر أوسع وأقل تحديدًا، وهو اعتبار أهل الحل والعقد، وهذا يحتاج إلى دليل مستقل، ولا يكفي فيه النص محل البحث.

 

الخلاصة:

يتضح بما تقدم أنّ الاستدلال بقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ» لا ينهض لإثبات أنّه (عليه السلام) أمضى خلافة من سبقه، ولا أنّه أقرّ الشورى طريقًا شرعيًا منشئًا للإمامة.

وذلك لأنّ غاية ما يمكن استفادته من الكلام ـ على تقدير ثبوته سندًا ـ هو الاحتجاج على معاوية بما يراه ملزمًا له، وإقامة الحجة عليه من خلال فعل الجماعة التي بايعت الخلفاء المتقدمين ثم بايعت أمير المؤمنين (عليه السلام).

وعليه، فالاستدلال بالشبهة المذكورة قائم على خلطٍ بين مقامين: مقام الثبوت العقدي، ومقام الإلزام الجدلي؛ وبين: البيعة بوصفها واقعةً تاريخية، والبيعة بوصفها منشأً شرعيًا للإمامة؛ وبين: قبول آثار البيعة بعد وقوعها، وتصحيح الطريق الذي أفضى إليها. وهذه التفرقة هي المفتاح في حلّ الإشكال.

فليس كل ما أورده الإمام (عليه السلام) في مقام المحاجة يكون تقريرًا لمبناه العقدي، كما أنّ الاحتجاج على الخصم بمسلّماته لا يستلزم تصحيح تلك المسلّمات في مقام التحقيق.

ومن هنا يكون حمل قوله (عليه السلام): «وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار» على أنّه بصدد تأسيس أصلٍ عقدي مفاده أنّ الإمامة تثبت باختيار الأمة وشوراها حملًا غير تام؛ إذ لا ينهض به لا سياق الكلام، ولا مقام التخاطب، ولا الوقائع التاريخية التي أحاطت بالبيعات الثلاث، فضلًا عن أنّه لا ينسجم مع مجموع بيانات أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام) في حقيقة الإمامة وكونها عهدًا إلهيًا لا ينعقد أصلها بمجرد اختيار الناس.

وبذلك يسقط الاستدلال من أساسه؛ لأنّ غاية النص ـ على فرض تمامية سنده ـ إلزام الخصم بلوازم ما التزمه، لا تأسيس شرعية الشورى ولا إمضاء خلافة من تقدّم.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ صحيح البخاريّ ج٨ ص١٦٨

2- الجرح والتعديل ج٦ ص١١٢

3 - الجرح والتعديل ج٨ ص٤٩٨

: السيد علي رحيم الموسوي