إنَّ من الخصال الحسنة والأخلاق الحميدة التي يتصف بها الإنسان هي: التّراحم بينه وبين الآخرين والتّواصل معهم في السَّرَّاء والضَّرَّاء، والتعاطف والمحبَّة فيما بين المُسلمين، فالمتتبّع لهذا الموضوع يرى أنَّ التَّراحم والتَّواصل من الأولويَّات الأخلاقيَّة التي جاء بها الدِّين الإسلامي وأمر المسلم التَّحلِّيّ بها.
فالرحمة هي من صفات الله تعالى، وكتبها على نفسه، وهذا ما نجده في كتابه المقدس منها: قوله تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}[1]
وقال تعالى في آية مباركة: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[2] ، فمن هذه الآيات القرآنية نفهم أنَّ الله سبحانه جعل الرحمة والمغفرة سابقة لكل شيء، وعليه لا بد من أن يكون المسلم متحلّياً بها، وذلك إنّه كيف يكون الخالق (عزَّ وجلّ)، كتب على نفسه الرَّحمة ولا يكونون عباده رحماء فيما بينهم؟ والأحاديث النَّبويَّة الشَّريفة الواردة عن النَّبيّ مُحَمَّد (صلى الله عليه واله)، وكذلك الواردة عن آل بيته الأطهار (عليهم السلام)، التي تحثُنا أيضاً على التَّحلِّي بصفة الرَّحمة والتَّراحم والمسامحة والتَّواصل بين فيما بيننا، وتناسي الأخطاء التي تصدر من بعضنا اتجاه البعض الآخر، وذلك لما لهذين الأمرين من أثرٍ نفسيٍّ داخل الفرد الآخر.
وأن يكون الفرد رحيماً شغوفاً، ليس فقط مع أفراد عائلته وعطفه وتوسعته عليهم، بل مع الجميع ويكون على تواصل مستمر معهم قدر الإمكان، وذلك لأنَّ للتواصل دورًا بارزًا في تقوية العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، فروي عن رسول الله (صلى الله عليه واله): (ليس الذي يرحم نفسه وأهله خاصة، ولكن الذي يرحم المسلمين)[3]. وكذلك رُويَ عن أمير المؤمنين عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السلام)، أَنَّه قال: (إذا عجز عن الضَّعفاء نيلك، فلتسعهم رحمتك)[4]، وأوصى ولاته بالرحمة في الرعية إذ يقول: (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْـمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ)[5].
ولأهميَّة التراحم بين الناس ومواصلتهم بعضهم بعضاً، تترتب عليها آثار ونتائج منها:
1- إن الله (سبحانه وتعالى)، ينزِّل رحمته على الذي يرحم النَّاس، وهذا ما وروي عن رسول الله (صلى الله عليه واله)، إذ إنَّه قال: (والذي نفسي بيده لا يضع الله الرحمة إلا على رحيم)[6]، نفهم من الحديث الشريف، أَنَّ من يقف مع إخوانه المسلمين الآخرين في الحزن والفرح ويساعدهم إن احتاجوا شيئاً وهو قادر على المساعدة وإعانتهم على متاعب الحياة، وزيارتهم ويتواصل معهم في كلّ وقت إن استطاع، وأن يتعامل معهم على وفق تعاليم الدّين الإسلامي، وهو الذي يدعو إلى التَّراحم بين المسلمين ويتناسوا ما حصل فيما بينهم إن حصل شيء ما مثلاً، ويغفروا لبعضهم ويتسامحوا، فالله (سبحانه) هو الذي {يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[7] فكيف العبد لا يغفر زلَّة صاحبه اتجاهه؟.
فالتراحم والتواصل والمسامحة والتَّودد للآخرين، من أحد الأسباب التي تؤدِّي إلى نزول الرَّحمة على العبد المسلم الملتزم بأخلاق الدين الإسلامي وتعاليمه، وما أتت به الدَّعوة الإسلاميّة.
وروي عن رسول الله (صلى الله عليه واله): (الرَّاحمون يرحمهم الرَّحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)[8].
وكذلك روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديثٍ لنوف البكالي، إذ أَنَّه قال له: (يا نوف، ارحَمْ تُرْحَمْ)[9]، فيجب أن يكون التَّواصل والتراحم مستمرًا، ليس فقط في أيام المناسبات يأتي المسلم لزيارة أخيه المُسلم وتواصله، لتأدية الواجب واسقاط الفرض، وبعدها لا يعوده مدة من الزَّمن.
أمَّا الذي لا يتواصل مع النَّاس من دون عذرٍ مشروع، قد يكون مشغولاً بأمورٍ دنيوية، ويجعلها سبباً يتحجَّج به عن عدم تواصله مع أخيه المسلم ولا يرحم الناس أبدًا، فهذا تصرّف غير مقبولٍ في الإسلام ويكون سبباً في أن لا تناله رحمة الباريّ (عزَّ وجلّ)، وهذا نفهمه ممَّا ما رواه الإمام عَلِيّ ابن أبي طالب (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه واله): (من لا يرحم النَّاس، لا يرحمه الله)[10]
2-حبّ الله (عزَّ وجل) للفرد ذي القلبِ الرّحيم على الآخرين ورضاه عنه: وهذا ما رواه أمير المؤمنين الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه واله): (إِنَّ الله عزّ وجّل رحيم يحب كل رحيم)[11]، أي أنَّ الإنسان المسلم الذي يملك الرَّحمة في قلبه لأخيه المُسلم الآخر، كسب رضا الله تعالى بفعله هذا، لأنَّه تحلَّى بصفةٍ ربَّانيَّة وعمِل بها مع أفراد مجتمعه المُسلم.
3- من النتائج الأخرى المترتبة على التَّراحم والتواصل هي: امتثال العبد لأوامر الله عزَّ وجل في التَّراحم بين المسلمين: وهذا ما ورد في الحديث المروي عن أبي عبدالله جعفر بن مُحَمَّدٍ الصَّادق (عليهم السلام)، إذ إنَّه قال: (تواصلُوا وتباروا وتراحموا وكونوا إخوة أبرارا كما أمركم الله عز وجل)[12]، وعنه أيضاً (عليه السلام)، قال: (يحق على المسلمين الاجتهاد في التَّواصل، والتعاون على التعاطف، والمواساة لأهل الحاجة، وتعاطف بعضهم على بعض، حتَّى تكونوا كما أمركم الله عزّ وجّل ﴿رحماء بينهم﴾[13] ،متراحمين، مغتمين لما غاب عنهم من أمرهم، على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهدِ رسول الله (صلى الله عليه واله)[14].
4-ينتج عن التراحم والتَّواصل بين المسلمين، وتعاطفهم فيما بينهم، وتذاكرهم أمر آل بيت المُصطفى (صلى الله عليه واله)، في مجالسهم هذه، ممَّا يدلّ على أنَّهم قاموا ما أُمِرُوا به من واجبٍ مشروع عند تواصلهم وعقد مجالسهم واجتماعهم، فروي عن أبي عبدالله جعفر بن مُحَمَّدٍ الصَّادق (صلى الله عليه واله)، أنَّه قال: (اتقوا الله وكونوا إخوة بررة متحابّين في الله، متواصلين متراحمين، تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا واحيوه)[15].
5- بالإضافة إلى ما تقدَّم من نتائج تترتَّب على التَّراحم والتَّواصل، هو أنَّ من يكون سبباً في تواصل واجتماع الناس من المُحبّين للنَّبيّ (صلى الله عليه واله)، وعترته الميامين (عليهم السلام)، لوجه الله (عز وجل)، وفيما يرضيه وعلى حبِّ النَّبيّ مُحَمَّد (صلى الله عليه واله)، وآل بيته الأطهار (عليهم السلام)، وتذاكر أمرهم ومصائبهم وما حلَّ بهم على مرّ العصور، والنَّهل من علومهم وأخلاقهم وتعاليمهم (صلى الله عليه واله)، يترتَّب له أجرٌ عظيم عند الله (عزَّ وجل)، ويحظى برضاه ورضا نبيِّه الأكرم (صلى الله عليه واله)، وآل بيته الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين)، فهذا ما نفهمه ممَّا روي عن أبي جعفر مُحَمَّد الباقر (صلى الله عليه واله)، إذ إنَّه قال: (رحم الله امرءًا ألف بين وليين لنا، يا معشر المؤمنين تآلفوا وتعاطفوا)[16].
-----------------------------------
[1] -سورة الأنعام، الآية :12.
[2] -سورة الزمر، الآية :53.
[3] - الطَّبرسيّ، العلامة الشيخ حسين بن محمد تقي الميرزا النّوُري(ره)، (ت،1320هـ)، مستدرك الوسائل، 9/54.
[4] - القبانجي، العلامة السّيِّد حسن(ره)، (ت،1991م)، مسند الإمام عَلِيّ (عليه السلام)، 10/206.
[5] - شرح نهج البلاغة، عهد الإمام (عليه السلام)، لمالك الأشتر.
[6] - مستدرك الوسائل، 9/54، المصدر السابق.
[7] -سورة الزمر، الآية :53.
[8] - الحلّيّ، العلامة الشيخ أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر الأسدي(ره)، (ت،726هـ)، الرّسالة السَّعديَّة، 143.
[9] - الصَّدوق، الأمالي،277.
[10] - الطَّبرسيّ، مستدرك الوسائل، 9/55، مصدر سابق.
[11] - الطُّوسيّ، الأمالي، 516.
[12] - الفيض الكاشاني، الوافي، 5/547.
[13] - سورة الفتح، الآية:29.
[14] - الوافي: 5/548، مصدر سابق.
[15] - المصدر السابق: 5/547.
[16] - الكُلَيني، الكافي،2/345.

اترك تعليق