حقيقةُ الرِّياءِ وحدودُهُ الشَّرعيَّةُ في ضوءِ الكتابِ والسُّنَّة

بسم الله الرحمن الرحيم

فلا يخفى على ذي بصيرةٍ أنَّ من أخطر الآفات التي تنخر حقيقة الإيمان، وتُفسد صفاء القلب، وتُعرّض العمل للحبط والبطلان، رذيلةُ الرِّياء؛ إذ إنَّها من الأمراض الباطنية التي تستهدف جوهر العبادة وروحها، أعني الإخلاص لله تعالى. ولأجل ذلك حذّرت منها الشريعة المقدسة تحذيرًا بالغًا، وعدّتها من جملة الآفات المهلكة، حتى ورد في النصوص التعبير عنها بـ الشرك الأصغر؛ لما فيها من صرف العمل عن وجهه الإلهي وإشراك نظر الخلق في مقامٍ ينبغي أن يكون خالصًا لله سبحانه.

ومن هنا كان من الضروري الوقوف على حقيقة الرياء، وبيان حدوده، وتمييزه عن بعض الحالات التي قد تشتبه به، وذلك في ضوء ما دلّ عليه الكتاب الكريم والسنة الشريفة.

المطلب الأول: حقيقة الرياء ومفهومه:

أولًا: الرياء لغةً:  مأخوذ من مادة «رأى»، وهو إظهار الإنسان من نفسه أو عمله ما يقصد به أن يراه الآخرون على نحوٍ يغاير حقيقة قصده الباطني، ومنه قولهم: راءى فلانٌ القومَ؛ أي أظهر لهم من حاله ما يريد أن يحملهم عليه من الانطباع والثناء.

وعليه، فالمادّة اللغوية للرياء تدور حول إظهار العمل أو الصفة بقصد نظر الغير والاعتداد به.

ثانيًا: الرياء اصطلاحًا: المراد بالرياء: إظهار شيء من الأعمال الصالحة، أو الصفات الحميدة، أو المظاهر الدينية، أو العقائد الحقة، بقصد تحصيل المنزلة في قلوب الناس، واستجلاب مدحهم وثنائهم، من دون أن يكون المقصود الأصلي أو الداعي المؤثر هو التقرب إلى الله تعالى.

وبعبارة أدق: إنَّ حقيقة الرياء ترجع إلى إدخال نظر الناس في الغاية المقصودة من العمل الذي ينبغي أن يكون لله تعالى.

وقد أشار العلامة الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾، إلى أنَّ المراد بهم الذين يأتون بالعبادات مراءاةً للناس، فيكون عملهم واقعًا للناس لا لله سبحانه.

ومن هنا يظهر أنَّ المدار في تحقق الرياء ليس مجرد اطلاع الناس على العمل، ولا مجرد وقوع العبادة أمامهم، وإنما المدار على القصد والداعي الذي يقف وراء العمل؛ فقد يعمل الإنسان العمل الصالح في حضور الناس، ولا يكون مرائيًا إذا كان قصده وجه الله تعالى، كما أنَّ العمل قد يقع في الخفاء ويكون صاحبه متعلّقًا بنظر الناس من جهةٍ أخرى.

المطلب الثاني: الرياء في الكتاب الكريم:

لقد ذمّ القرآن الكريم الرياء ذمًّا شديدًا، وكشف عن خطره على العمل والإيمان، ومن ذلك:

الدليل الأول: قوله تعالى

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾

[البقرة: 264]. فالآية المباركة تبيّن أنَّ الإنفاق إذا اقترن بما يفسد غايته ويجرّده عن وجهه الإلهي، كان معرضًا للبطلان والحبط، وضربت لذلك مثلًا بمن ينفق ماله رئاء الناس.

وفي ذلك دلالة واضحة على أنَّ قيمة العمل الصالح ليست في صورته الظاهرية فحسب، وإنما في حقيقة الداعي الذي صدر عنه، وأنَّ فساد القصد قد يذهب بأثر العمل وثمرته، وإن بقيت صورته الخارجية.

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142].

فالآية تجعل المراءاة للناس من أبرز سمات المنافقين، وتكشف عن انفصال الظاهر عن الباطن؛ إذ يظهرون العبادة في صورتها الخارجية، بينما لا يكون لله تعالى من حقيقتها ونصيبها إلا القليل. ومن هنا يتضح أنَّ الرياء ليس مجرد ضعفٍ عابر في السلوك، بل هو خلل في جهة القصد، إذ يتحول معه العمل من كونه عبادةً لله سبحانه إلى وسيلةٍ لتحصيل نظر الخلق وثنائهم.

المطلب الثالث: الرياء في السنة الشريفة:

وردت عن النبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام روايات كثيرة في التحذير من الرياء وبيان خطره، ومن ذلك:

عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: ««إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشركُ الأصغر». قيل: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء».»[1]

وهذا التعبير يكشف عن عظم خطر الرياء؛ إذ سمّاه الشارع شركًا أصغر، لا بمعنى خروجه عن أصل التوحيد، وإنما لما يتضمنه من إشراك غير الله تعالى في جهة القصد والطلب في مقام العبادة.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: ««ايسر الرياء الشرك».»[2]

وفي ذلك إشارة إلى أنَّ الرياء وإن كان قد يختلف في مراتبه ودرجاته، إلا أنَّ حقيقته ترجع إلى ملاحظة غير الله تعالى في مقامٍ ينبغي أن يكون مختصًّا به سبحانه.

وعن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: ««إنَّ الله تعالى حرّم الجنة على كل مراءٍ».»[3]

وهذه النصوص بمجملها تؤكد أنَّ الرياء من الآفات التي لا تقف آثارها عند فساد العمل الظاهري، بل تمتد إلى فساد الباطن وإضعاف حقيقة الإخلاص.

علامات المرائي

وقد كشفت الروايات الشريفة عن بعض العلامات التي يُستدل بها على وجود الرياء في النفس، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: ««أما علامات المرائي فأربعة: يحرص على العمل لله إذا كان عنده أحد، ويكسل إذا كان وحده، ويحرص في كل أمره على المحمدة، ويُحسّن سمته بجهده».»[4]

وهذه العلامات تكشف عن أنَّ المرائي لا يكون حاله في السر كحاله في العلن، بل يتبدل نشاطه واهتمامه بالعمل بحسب حضور الناس ونظرهم إليه، الأمر الذي يكشف عن مدخلية نظر الخلق في تحريك إرادته.

المطلب الرابع: أقسام الرياء:

يمكن تقسيم الرياء بملاحظتين:

أولًا: الرياء بلحاظ القصد والنية

أ ـ الرياء الاستقلالي أو النفاقي:

وهو أن يكون العمل في ظاهره صالحًا، إلا أنَّ الداعي الحقيقي إلى الإتيان به هو نظر الناس وثناؤهم، بحيث لا يكون لله تعالى مدخل معتبر في قصد العامل.

ومثاله: أن يقوم الإنسان إلى الصلاة أمام الناس طلبًا لمدحهم، بينما لا يؤدي الصلاة إذا خلا بنفسه.

ب ـ الرياء الإشراكي:

وهو أن يكون لله تعالى مدخل في العمل، إلا أنَّ العامل يشرك معه داعيًا آخر، كطلب منزلة الناس أو استجلاب مدحهم، بحيث يكون نظر الخلق مؤثرًا في أصل العمل أو كيفيته.

ومن أمثلته أن يُصلّي الإنسان لله تعالى، لكنه يطيل صلاته ويحسن هيئتها ويزيد في خشوعها عندما يعلم أنَّ الناس ينظرون إليه، طلبًا لمدحهم أو إعجابهم.

والجامع بين القسمين هو ملاحظة غير الله تعالى في مقامٍ يعتبر فيه قصد القربة والإخلاص، وإن اختلفت مراتبهما من حيث شدة القصد وتعلقه.

ثانيًا: الرياء بلحاظ ما يقع فيه:

لا يختص الرياء بالعبادات المحضة، بل قد يظهر في صور متعددة، منها:

1. الرياء بالأعمال:

وهو أن يُظهر الإنسان أعماله الصالحة بقصد تحصيل المدح والمنزلة، سواء كانت من العبادات، كالصلاة والحج، أم من الأعمال الخيرية، كالصدقة والإعانة.

2. الرياء بالأقوال:

وذلك كأن يتصنع الإنسان الوعظ والنصح، أو يتظاهر بكثرة الذكر والدعاء، أو يتكلف عبارات التدين والصلاح، بقصد أن يراه الناس من أهل العبادة والتقوى.

3. الرياء بالآثار والسمات:

وهو إظهار بعض الآثار التي توحي للناس بشدة العبادة والتقوى، كإبراز أثر السجود، أو إظهار النحول واصفرار الوجه، أو إظهار آثار السهر والتهجد، متى كان المقصود من ذلك استجلاب نظر الناس وثنائهم.

4. الرياء بالإشارات والتعريضات:

وقد يكون الرياء من خلال الإيماءات والغمز واللمز، كأن يُظهر الإنسان التعجب والإنكار بصورة مصطنعة عندما يُذكر أمامه ذنب أحد أو معصيته، ليُفهم منه أنه شديد الورع والتقوى، مع كون الغرض الحقيقي هو تحصيل هذه الصورة في أعين الناس.

وهذه الصور وإن اختلفت في متعلّقها، فإنَّ الجامع بينها واحد، وهو توظيف العمل أو القول أو الهيئة الدينية لتحصيل منزلةٍ في نفوس الخلق.

المطلب الخامس: الحدّ الفاصل بين الرياء والإخلاص:

ومن المهم التنبيه إلى أنَّ مجرد ظهور العبادة أمام الناس لا يساوق الرياء بالضرورة؛ فإنَّ المدار في ذلك على القصد والداعي.

فمن صلّى في المسجد، أو تصدق أمام الناس، أو علّمهم القرآن، أو وعظهم، وكان قصده التقرب إلى الله تعالى، ولم يكن مدح الناس غايته ولا داعيه، لم يكن بذلك مرائيًا لمجرد اطلاع الناس على عمله.

بل قد يكون إظهار بعض الأعمال مشروعًا أو راجحًا إذا ترتبت عليه مصلحة شرعية، كالتعليم، والاقتداء، والتشجيع على الخير، وإحياء الشعائر، ما دام الداعي الإلهي محفوظًا ولم يتحول العمل إلى وسيلة لتحصيل المحمدة الشخصية.

ومن هنا ينبغي عدم التسرع في الحكم على الأشخاص بالرياء؛ لأنَّ الرياء من الأمور القلبية التي لا يحيط بحقيقتها إلا الله تعالى، وإنما يمكن للإنسان أن يحاسب نفسه على دوافعه ومقاصده، وأن يجاهدها في سبيل تحصيل الإخلاص.

الخاتمة:

يتضح مما تقدم أنَّ الرياء من أخطر أمراض النفس؛ لأنَّه لا يستهدف صورة العمل، وإنما يستهدف روحه ووجهته وقصده. فالعمل قد يكون في ظاهره عبادةً وطاعةً، إلا أنَّ فساد الداعي قد يفرغه من حقيقته الإلهية، ويحوّله من وسيلةٍ للتقرب إلى الله تعالى إلى وسيلةٍ لاستجلاب نظر الخلق ومدحهم.

وقد دلّ الكتاب الكريم والسنة الشريفة على ذمّ الرياء والتحذير منه، وبيّنت النصوص أنَّه من مراتب الشرك الأصغر؛ لما يشتمل عليه من ملاحظة غير الله تعالى في مقام العبادة.

وعليه، فإنَّ حقيقة الإخلاص لا تتمثل في مجرد إخفاء العمل عن الناس، كما أنَّ حقيقة الرياء لا تتمثل في مجرد ظهوره لهم، وإنما العبرة بحقيقة القصد، وبمن يكون هو المقصود الأصلي من العمل.

ومن هنا كان تهذيب النية ومراقبة القلب من أهم وظائف السالك إلى الله تعالى؛ فإنَّ العمل بلا إخلاصٍ قد يبقى له رسمٌ في أعين الناس، ولكن لا يبقى له من الأثر عند الله سبحانه ما يستحق به الثواب.

نسأل الله تعالى أن يطهّر قلوبنا من شوائب الرياء، وأن يرزقنا صدق الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم، إنَّه وليُّ التوفيق.

-----------------------------------------------

[1] بحار الانوار ج69 ص262.

[2] غرر الحكم ص217

[3] مستدرك الوسائل ج1 ص106

[4] ميزان الحكمة ج4 ص20 . 

: الشيخ علي جواد عبيد الكيم