دوافع منع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من كتابة الوصية في رزية يوم الخميس

دراسةٌ تحليلية في دلالة الواقعة وارتباطها بمستقبل المرجعية بعد النبيّ

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ حادثة رزية الخميس من الوقائع التي لا يصحّ التعامل معها بوصفها حادثةً تاريخيةً عابرة؛ فإنّها وقعت في أخطر ظرفٍ مرّت به الأمة الإسلامية، أعني مرض النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) الذي اتصل بوفاته، وفي مجلسه وبين يديه جماعة من أصحابه، وقد صدر منه أمرٌ صريحٌ بكتابة الوصية مقرونةٌ بتعليلٍ في غاية الأهمية، وهو قوله: «هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده»، وفي لفظ آخر: «إئتوني بالكتف والدواة - أو: اللوح والدواة - أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً»، فاختلف الحاضرين، منهم من يقول: «قرّبوا يكتب لكم النبي كتاباً لن تضلوا بعده»، ومنهم من يقول ما قال عمر: «إنّ النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله». وفي لفظ آخر: فقالوا: «إنّ رسول الله يهجر أو هجر». - من دون تصريح باسم القائل-، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله». فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال النبي لهم: «قوموا عنّي لا ينبغي عند نبي التنازع».

وهذه العبارة هي مفتاح فهم الواقعة؛ إذ إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يقل: «أكتب لكم كتابًا تتذكرون به بعض الأحكام»، ولم يقل: «أكتب لكم أمرًا دنيويًا»، وإنما علّق الكتاب على غايةٍ كليةٍ تتصل بمصير الأمة وهدايتها، وهي نفي الضلال عنها بعده.

فإنّ كتابة الكتاب العاصم من الضلال في قوله: «لن تضلوا بعده أبدا» يكشف عن أنّ مضمون الكتاب كان ذا صلة مباشرة بمسألة الهداية بعده. وهذه قرينة لفظية لا يصحّ إهمالها في تحليل الواقعة.

فلو كان الكتاب الذي أراد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كتابته لا يعدو أن يكون تأكيدًا لأمرٍ ثابتٍ معلومٍ لدى الأمة، بحيث لا يترتّب على تدوينه أثرٌ جديد في مسارها، فما وجهُ تعليق النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عصمةَ الأمة من الضلال على كتابة ذلك الكتاب؟ فإنّ قوله: «لن تضلّوا» ظاهرٌ في أنّ ما أراد كتابته كان متضمّنًا لبيانٍ ذي أثرٍ هادٍ وحاسم، بحيث لو التزمت الأمة بمضمونه عصمها ذلك من التفرّق والاختلاف المؤدّي إلى الضلال.

 

ومن هنا يتجه السؤال الأساس في تحليل واقعة رزية الخميس: ما الذي أراد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أن يكتبه، حتى ربط الالتزام به النجاة من الضلال ودفع بعض الصحابة للإعتراض؟

فإنّ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تفتح الطريق إلى استكشاف حقيقة الواقعة، وتكشف عن مدى ارتباط الاعتراض بمضمون الكتاب وآثاره في مستقبل الأمة، لا بمجرد حالة النبيّ الصحية أو اشتداد المرض عليه.

وعليه، وللوقوف على حقيقة الداعي الذي حمل بعض الحاضرين على الاعتراض على كتابة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، بل والتعبير بما نُسب إليهم من القول بالهجر، لا بدّ من استقراء القرائن والشواهد المرتبطة بالحادثة، والنظر في مجموع سياقاتها ومآلاتها؛ إذ يمكن من خلال ذلك الوقوف على حقيقة مضمون الكتاب الذي أراد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تدوينه، وذلك من خلال وجوهٍ عدّة، أهمّها:

 

أولاً: وحدة التعبير بين رزية الخميس وحديث الثقلين:

عند ضمّ حادثة رزية الخميس إلى حديث الثقلين تظهر قرينةٌ أخرى بالغة الأهمية. فقد ورد في الأخبار أن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال في حديث الثقلين: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي». فتأمل وحدة المفردة «لن تضلوا». في الحديثين: رزية الخميس وفي حديث الثقلين.

غير أنّ حديث الثقلين يحدد طريق العصمة من الضلال، فلا يجعلها قائمةً على القرآن منفردًا، وإنما على التمسك بالكتاب والعترة الطاهرة معاً.

ومن هنا يمكن فهم الكتاب الذي أراد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كتابته في مرضه الأخير ضمن السياق النبوي العام المتعلق بحفظ الأمة من الضلال، ولا سيما أنّ العترة الطاهرة كانت هي المرجع الذي قرنه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالكتاب الكريم في مقام العصمة والهداية. وقد ذهب جملة من أعلام مخالفينا إلى إنَّ النبيَّ ‌أراد ‌أنْ ‌ينصَّ ‌على ‌أسامي ‌الخلفاء ‌بعده حتَّى لا يقع فيهم الاختلاف (1).

 

ثانياً: كتابة الوصية وأثرها في حسم النزاع:

ينبغي الالتفات إلى الفرق بين البيان الشفهي والبيان المكتوب. فالبيان الشفهي، وإن كان حجةً في نفسه، قد تتعدد فيه وجوه النقل والفهم، وقد يقع الاختلاف في ألفاظه أو دلالاته أو في ثبوت صدوره.

أما النص المكتوب، إذا ثبت صدوره عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فإنه يمثل وثيقةً أكثر حسمًا في النزاع؛ ولذلك فإنّ إتمام كتابة الوصية في تلك اللحظة كان يمكن أن تكون له آثار بالغة في المرحلة اللاحقة لوفاة النبيّ.

وهنا تظهر أهمية السؤال عن مضمون الكتاب. فإذا كان الكتاب متعلقًا بأحكام جزئية، فإنّ الاعتراض عليه يحتاج إلى تفسير، لكنه لا يحمل بالضرورة دلالة سياسية أو عقدية.

أما إذا كان متعلقًا ببيان المرجعية بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فإنّ منع تدوينه يكتسب دلالةً تاريخية وسياسية وعقدية أكبر؛ لأنّ الكتابة حينئذٍ كانت ستسهم في حسم قضيةٍ ستصبح بعد وفاة النبيّ من أخطر قضايا الأمة. وهذا هو أحد أهم وجوه البحث في رزية الخميس.

 

ثالثًا: القرينة المنقولة عن عمر بن الخطاب:

وتزداد هذه المسألة أهميةً بما نقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة عن ابن طاهر البغدادي بإسناده عن ابن عباس في حواره مع عمر بن الخطاب، حيث نُقل عنه قوله في سياق الحديث عن مرض النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقًا وحيطةً على الإسلام...» (2).

 

وهذه الرواية على فرض ثبوتها، فإنّ دلالتها التاريخية بالغة الأهمية؛ لأنها تنقل تفسيرًا للمنع يتجاوز مجرد اشتداد المرض، وتربطه بما أراد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أن يصرّح به بشأن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام). وعندئذٍ يصبح المنع مرتبطًا ـ بحسب مضمون هذه الرواية ـ بما قد يترتب على التصريح من آثار في مستقبل الأمة، لا بمجرد الحالة الصحية للنبيّ (صلّى الله عليه وآله).

وهذا ينسجم مع طبيعة الظرف التاريخي؛ إذ إنّ قضية المرجعية بعد النبيّ كانت من أخطر القضايا التي ستواجه الأمة عقب وفاته. ويعتبر شاهدا قويا على فهم المعترضين لفحوى مراد النبي بقرينة عبارة: «لن تضلوا». الواردة في حديثي رزية الخميس والثقلين.

 

رابعاً: لماذا لم يكتب النبيّ بعد ذلك؟

قد يُقال: لو كان الكتاب متعلقًا بالإمامة أو المرجعية بعده، فلماذا لم يصرّح النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بذلك بعد وقوع الاعتراض؟ والإجابة: أنّ عدم إتمام الكتابة في تلك الواقعة لا يساوي عدم صدور البيان في مناسبات أخرى. فالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد أعلن من قبل في مواطن متعددة ما يرتبط بأمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن أبرزها واقعة الغدير، والمنزلة والثقلين وغيرها فضلًا عن النصوص الأخرى التي تستند إليها المدرسة الإمامية.

وعليه، فإنّ رزية الخميس لا تُفهم بمعزل عن سائر النصوص النبوية، بل تُقرأ ضمن المشروع النبوي العام لتثبيت معالم الهداية والمرجعية بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله). لكنه أراد توكيد النص بوصية مكتوبة.

 

النتيجة:

يمكن تلخيص البحث في جملة من النتائج:

أولًا: إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) طلب الكتابة طلبًا صريحًا، ولم يعرض الأمر بوصفه اقتراحًا قابلًا للقبول والرد.

 

ثانيًا: إنّ الغاية التي ذكرها النبيّ للكتاب، وهي «لن تضلوا بعده»، تكشف عن أهمية مضمونه واتصاله بمستقبل الأمة بعد وفاته.

 

ثالثًا: إنّ تفسير الاعتراض بمجرد اشتداد المرض لا يفسر وحده طبيعة النزاع واللغط الذي وقع في المجلس.

 

رابعًا: إنّ قول «حسبنا كتاب الله» لا يصح أن يُفهم على نحو يجعل القرآن في مقابل حجية الرسول؛ لأنّ القرآن نفسه أوجب طاعته والانقياد لأمره.

 

خامسًا: إنّ مقارنة صيغة رزية الخميس بصيغة حديث الثقلين تكشف عن اشتراكهما في محور التحصين من الضلال بعد النبيّ، وإن كانت وحدة اللفظ وحدها لا تكفي لإثبات وحدة المضمون.

 

سادسًا: إنّ الرواية المنقولة في شرح نهج البلاغة، والتي تربط إرادة التصريح باسم عليّ (عليه السلام) بالمنع، تمثل ـ على فرض ثبوتها ـ قرينة تاريخية مهمة على أنّ المسألة لم تكن مجرد رعاية لحالة النبيّ الصحية، بل كانت ذات صلة بما سيترتب على النص من آثار في قضية المرجعية والخلافة.

 

سابعًا: إنّ أقوى قراءةٍ متوازنة للواقعة هي أنّ اشتداد المرض كان ظرفًا للواقعة، لا بالضرورة تفسيرًا كاملًا لدوافع الاعتراض؛ وأنّ طبيعة الكتاب الذي وصفه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بأنّه مانع من الضلال، وطبيعة النزاع الذي نشأ حوله، يفتحان بابًا قويًا للقول بأنّ وراء الاعتراض هاجسًا يتصل بمضمون الكتاب وآثاره في مستقبل الأمة.

 

ومن ثمّ، فإنّ رزية الخميس ليست مجرد حادثةٍ مرتبطة بمرض النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، بل واقعةٌ تتصل بالسؤال الأكبر الذي واجه الأمة عند انتقال النبيّ إلى الرفيق الأعلى: من أين تستمد الأمة مرجعيتها في الهداية بعد رسول الله؟ ومن الذي يملك سلطة بيان الطريق الذي يمنعها من الضلال؟

وهنا تتضح أهمية الواقعة في البناء التاريخي والكلامي لمسألة الإمامة، دون أن تُفصل عن مجموع النصوص النبوية التي أقام عليها الإمامية حجتهم في هذا الباب.

والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

١- شرح صحيح مسلم، ج١١، ص٨٩، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج٧، ص١٣٣، إكمال المعلم بفوائد مسلم، ج٥، ص٣٧٩، المعلم بفوائد مسلم، ج٢، ص٣٥٧.

2ـ شرح نهج البلاغة، ج٣، ص٩٧.

: السيد علي رحيم الموسوي