بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى أنّ البحث في حقيقة الذنوب وأقسامها وآثارها من المباحث المهمّة في منظومة المعارف الإسلامية؛ لما لها من آثار تتجاوز مجرّد مخالفة الحكم الشرعي إلى ما تخلّفه من تبعاتٍ روحية وأخلاقية وتكوينية واجتماعية في حياة الإنسان.
وقد أولت النصوص الواردة في بيانات العترة هذا الباب عنايةً بالغة، فكشفت عن أنّ الذنب ليس أمراً اعتبارياً محضاً ينتهي أثره بانتهاء فعل المعصية، بل قد تترتّب عليه آثارٌ في نفس الإنسان وسلوكه، وفي علاقته بالله سبحانه وبالمجتمع، بل قد يكون منشأً لزوال بعض النعم، ونزول بعض البلايا، واحتجاب الدعاء، وهتك ما جعله الله سبحانه للعبد من أسباب الستر والعصمة. ومن هنا، فإنّ معرفة الذنوب وآثارها ليست بحثاً أخلاقياً تكمّلياً فحسب، بل هي من مقدّمات معرفة النفس وتزكيتها، وصيانة السلوك عن الانحراف، وإحكام مسار العبودية لله سبحانه؛ إذ كيف يمكن للإنسان أن يجاهد أمراً يجهل حقيقته، أو يتوقّى آثاراً لا يعرف أسبابها ومناشئها؟
وعليه، يقع الكلام في جهتين:
الجهة الأولى: في أقسام الذنوب:
يمكن النظر إلى الذنوب من جهاتٍ متعدّدة، ومن أهمّ التقسيمات المستفادة من كلمات أهل البيت (عليهم السلام) تقسيمها بالنظر إلى متعلَّق الحق إلى قسمين:
القسم الأول: ما يرجع إلى حقّ الله سيحانه:
وهو ما يكون التعدّي فيه متعلّقاً بعلاقة العبد بربّه سبحانه، كترك بعض الفرائض أو ارتكاب بعض المحرّمات التي لا يتعدّى أثرها المباشر إلى حقوق الآخرين. وهذا القسم، من حيث أصل المؤاخذة، داخلٌ تحت مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا وغفر، وإن شاء عاقب، كما أنّ التوبة النصوح والاستغفار والإنابة إلى الله تعالى من أعظم أسباب محو آثاره والتخلّص من تبعاته.
القسم الثاني: ما يرجع إلى حقوق العباد:
وهو ما يكون متعلّقاً بحقوق الآخرين، كالاعتداء على أموالهم أو دمائهم أو أعراضهم، والغِيبة والنميمة والظلم وأكل المال بالباطل ونحو ذلك.
وهذا القسم يمتاز عن سابقه بأنّ مجرّد الاستغفار لا يكفي ـ في أصل حقّ المخلوق ـ ما لم يُرفع الظلم ويُؤدَّ الحق إلى مستحقّه أو تحصل البراءة منه على الوجه المعتبر؛ لأنّ الشريعة لم تجعل حقوق العباد تابعةً لمجرّد علاقة العبد بربّه، بل أثبتت لكلّ ذي حقّ حقّه، ولا سيّما إذا ترتّب على الذنب ظلمٌ أو إتلافٌ أو اعتداء.
ومن هنا تظهر خطورة الذنوب المتعلّقة بحقوق الناس، فإنّ آثارها لا تقف عند حدود نفس المذنب، بل تتعدّاه إلى غيره، فيكون الجاني مطالباً بإصلاح ما أفسده، وردّ ما اعتدى عليه، والتحلّل من مظالم العباد.
الجهة الثانية: في آثار الذنوب:
وردت في بيانات العترة الطاهرة (عليهم السلام) روايات عديدة تكشف عن طائفة من الآثار المترتبة على الذنوب، ومن أبرزها ما ورد عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) في تقسيم الذنوب بحسب آثارها ومآلاتها.
وقد رُوي عنه (عليه السلام): «والذنوب التي تهتك العصم، والذنوب التي تنزل النقم، والذنوب التي تغيّر النعم، والذنوب التي تردّ الدعاء، والذنوب التي تنزل البلاء...» ثم ذكر (عليه السلام) مصاديق كلّ قسم.
وهذا البيان يكشف عن أنّ الذنوب ليست على رتبة واحدة من حيث آثارها، بل تختلف باختلاف حقيقتها ومتعلّقها وما تستلزمه من تبعات نذكرها بما يلي:
الأثر الأول: الذنوب التي تهتك العصم:
المراد ما يكون سبباً لحفظ الإنسان وستره، بحيث يكون ارتكاب بعض الذنوب موجباً لهتك ستره وسقوط بعض أسباب الحفظ والصيانة. وقد ذكر العلامة المجلسي في تفسير ذلك احتمال إرادة رفع حفظ الله سبحانه وعصمته عن الذنوب، أو رفع ستره الذي ستر به العبد عن الخلق والملائكة، مستنداً إلى ما ورد في هذا الباب من الأخبار (1).
وقد روى الصدوق بالإسناد إلى أبي خالد الكابلي قال: سمعت زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: «... والذنوب التي تهتك العصم: شرب الخمر، واللعب بالقمار، وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح، وذكر عيوب الناس، ومجالسة أهل الريب» (2). ويظهر من هذه الرواية أنّ من أبرز مصاديق هذا الأثر:
1. شرب الخمر: فإنّه يزيل العقل الذي به قوام التكليف والتمييز، ويجرّ الإنسان إلى ارتكاب ما لا يقدم عليه حال سلامة عقله، فيكون سبباً لانتهاك الحرمات والتجاوز على حقوق الآخرين، فضلاً عن منافاته الصريحة للانضباط الشرعي.
2. اللعب بالقمار: فهو من أسباب أكل الأموال بالباطل، كما أنّه يورث العداوة والبغضاء بين المتعاملين به، ويحوّل المال من وسيلةٍ لإعمار الحياة إلى أداةٍ للمخاطرة والابتزاز وأكل مال الغير بغير حق.
3. تعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح: وليس المراد مطلق المزاح؛ فإنّ المزاح المباح لا يكون مذموماً بما هو هو، وإنما الكلام في المزاح الذي يشتمل على اللغو والكذب والإيذاء والاستهزاء أو يوجب سقوط هيبة الإنسان ووقاره، فيتحول اللسان من وسيلةٍ للحق إلى أداةٍ للعبث وإيذاء الآخرين.
4. ذكر عيوب الناس: وذلك لما يتضمّنه من كشف ما ينبغي ستره، وهتك حرمة المؤمن، وقد يدخل فيه الغِيبة والتعيير والسخرية والتشهير، فيكون الإنسان بذلك سبباً في إسقاط كرامة أخيه وهتك ستره الاجتماعي.
5. مجالسة أهل الريب: فهي تجرّ إلى التأثر بهم، أو التهاون في باطلهم، أو اكتساب سلوكهم وأفكارهم، ومن ثمّ كان التحذير منها من جهة ما قد تتركه من أثرٍ في دين الإنسان واستقامته.
الأثر الثاني: الذنوب التي تنزل النقم:
والنِّقَم جمع نقمة، والمراد بها ما ينزل بالإنسان من وجوه العقوبة والبلاء والنقص والمكروه بسبب ما ارتكبه من الذنوب، وقد يكون أثرها عاجلاً في الدنيا، بحسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية.
وروى الصدوق يالإسناد إلى أبي خالد الكابلي، عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: «... والذنوب التي تنزل النقم: عصيان العارف بالبغي، والتطاول على الناس، والاستهزاء بهم، والسخرية منهم» (3).
وعليه، فمن أبرز مصاديق هذا الأثر:
1- عصيان العارف بالبغي: والظاهر أنّ المراد به أن يقدم الإنسان على البغي والظلم مع علمه بكونه ظلماً، فلا يكون جاهلاً بالحكم أو غافلاً عن حقيقة فعله، بل يتعمّد تجاوز حدود الله سبحانه مع معرفته بها.
وهذا أشدّ خطراً؛ لأنّ اجتماع العلم بالحق مع الإعراض عنه يكشف عن جرأةٍ على الحكم الإلهي وتغلّب الهوى على مقتضى المعرفة.
2- التطاول على الناس: وهو تجاوز حدود الأدب والعدل مع الآخرين، قولاً أو فعلاً، بما يشتمل على الاعتداء على كرامتهم أو حقوقهم أو منزلتهم، سواء كان ذلك باللسان أم باليد أم بسائر صور الاعتداء.
3- الاستهزاء بالناس والسخرية منهم: وهو من مظاهر احتقار الآخرين والاستخفاف بهم، ولا سيّما إذا كان متعلّقه خلقتهم أو عيوبهم أو أحوالهم أو أوضاعهم الاجتماعية، بقصد الإضحاك أو الإحراج أو الانتقاص.
وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) له أنّ من جملة الأمور التي تكون أسرع عقوبة: «رجل لا تبغي عليه وهو يبغي عليك...» (4).
وهو شاهد على خطورة مقابلة الإحسان بالإساءة، والاعتداء على من لم يعتدِ، والغدر بعد العهد، وقطيعة الرحم بعد وصلها؛ لما تشتمل عليه هذه الأفعال من نقضٍ لموازين العدل والوفاء وصلة الرحم.
الأثر الثالث: الذنوب التي تغيّر النعم:
ومن آثار الذنوب ما يكون سبباً في تغيّر النعم وزوال بعض وجوه الخير التي أنعم الله تعالى بها على عبده.
وقد روى الصدوق يالإسناد إلى أبي خالد الكابلي، عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: «الذنوب التي تغيّر النعم: البغي على الناس، والزوال عن العادة في الخير واصطناع المعروف، وكفران النعم، وترك الشكر، قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}» (5).
وهذه الرواية تشير إلى جملة من المناشئ التي قد تكون سبباً في تغيّر النعمة:
1- البغي على الناس: وهو الظلم والتعدي على حقوق الآخرين، واستعمال القدرة والقوة في غير موضعها، ولا سيّما الاستقواء على الضعفاء وأصحاب الحاجة.
2- الزوال عن العادة في الخير واصطناع المعروف: فهو أن يعتاد الإنسان على فعل الخير وإغاثة المحتاج وصلة الرحم والإنفاق والإحسان، ثم يترك ذلك بعد اعتياده عليه، من غير موجبٍ شرعي، فيتحول من حال البذل إلى حال الإمساك، ومن المبادرة إلى الخير إلى الانقطاع عنه.
وفي هذا إشعار بأنّ النعمة تحتاج إلى رعايةٍ وشكرٍ واستدامةٍ لمقتضياتها، وأنّ الانحراف السلوكي قد يكون سبباً في تبدّل بعض وجوه النعمة.
3- كفران النعم وترك الشكر: وذلك بأن يغفل الإنسان عن المنعم الحقيقي، أو ينسب النعمة إلى غير الله استقلالاً، أو لا يؤدي حقّها في مقام الاعتقاد والعمل. والشكر في المنظور الإسلامي ليس مجرّد لفظٍ يجري على اللسان، بل هو اعتراف بالمنعم، وإقرار بالنعمة، واستعمال لها في ما يرضيه سبحانه.
الأثر الرابع: الذنوب التي تردّ الدعاء:
ومن أخطر آثار الذنوب أنّ بعضها يكون سبباً في ردّ الدعاء أو حجب أثره، لا بمعنى أنّ الدعاء يصبح ممتنعاً ذاتاً، بل بمعنى أنّ الموانع التي أحدثها العبد بذنوبه قد تحول دون ترتّب الأثر الذي كان مقتضى الحكمة أن يترتب على دعائه.
وقد روى الكليني بالإسناد إلى أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «إنّ العبد يسأل الله الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب أو إلى وقت بطيء، فيذنب العبد ذنباً فيقول الله تبارك وتعالى للملك: لا تقض حاجته واحرمه إياها، فإنّه تعرّض لسخطي واستوجب الحرمان مني» (6).
وروى الصدوق بالإسناد إلى الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: «... والذنوب التي تردّ الدعاء: سوء النية، وخبث السريرة، والنفاق مع الإخوان، وترك التصديق بالإجابة، وتأخير الصلوات المفروضات حتى تذهب أوقاتها، وترك التقرب إلى الله عز وجل بالبر والصدقة، واستعمال البذاء والفحش في القول» (7).
وتتضح هذه المصاديق على النحو الآتي:
1- سوء النية: فالنية هي روح العمل وملاكه، وإذا فسدت المقاصد الباطنة للإنسان أفسدت أثر العمل الظاهري؛ ومن ثمّ لا ينبغي أن يكون الدعاء مجرّد حركة لسانية، بل لا بد أن يصدر عن قلبٍ متوجّه إلى الله تعالى وقاصدٍ للخير.
2- خبث السريرة: وهو فساد الباطن وتراكم الصفات الذميمة فيه، كالحقد والحسد والغلّ وسوء القصد وتمنّي زوال النعمة عن الآخرين.
3- النفاق مع الإخوان: وهو إظهار المودة والمحبة مع إبطان العداوة والبغضاء، أو التعامل مع الناس بوجهين، فيكون ظاهر الإنسان على خلاف باطنه.
4- ترك التصديق بالإجابة: والمقصود عدم الثقة بالله تعالى وبقدرته وحكمته ورحمته، بحيث يدعو العبد بلسانٍ لا يواطئه قلبه، أو يستولي عليه اليأس والقنوط من رحمة الله.
وهذا لا يعني أنّ إجابة الدعاء تكون دائماً على وفق الصورة التي يتخيلها الداعي، فإنّ الدعاء يجري ضمن الحكمة الإلهية، وقد تكون الإجابة بإعطاء المطلوب، أو بدفع ضرر، أو بادخار الأجر، بحسب ما تقتضيه المصلحة.
5- تأخير الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها: وهو من مظاهر التهاون بأعظم الفرائض العملية، فإنّ الصلاة تمثل أبرز مظاهر العبودية والخضوع لله تعالى، والتفريط فيها يكشف عن خللٍ في علاقة الإنسان بربّه.
6- ترك التقرب إلى الله تعالى بالبر والصدقة: فالامتناع عن أبواب الخير، وخصوصاً مع القدرة والحاجة الموجودة لدى الآخرين، يكشف عن شحّ النفس وقسوة القلب، بينما الإنفاق والإحسان من أسباب تزكية النفس وتقوية روح العبودية.
7- استعمال البذاء والفحش في القول: فاللسان من أخطر جوارح الإنسان، وإذا اعتاد الفحش والبذاءة والشتم والألفاظ النابية صار وسيلةً لإيذاء الآخرين وإفساد العلاقات وإسقاط المروءة. ومن هنا كان تهذيب اللسان جزءاً من تهذيب النفس، ومقدمةً لصلاح السلوك.
الأثر الخامس: الذنوب التي تنزل البلاء:
ومن الآثار التي ذكرتها الرواية نزول البلاء، والمراد به ما يعرض للإنسان من المصائب والشدائد والآلام ونحوها، على وفق السنن والأسباب التي جعلها الله تعالى في عالم التكوين.
وقد روى الصدوق بالإسناد إلى الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: «... والذنوب التي تنزل البلاء: ترك إغاثة الملهوف، وترك معاونة المظلوم، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (8).
وهذه المصاديق الثلاثة يجمعها ترك المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية تجاه المجتمع، ومن أبرزها:
1- ترك إغاثة الملهوف: وهو من نزلت به شدة أو حاجة واضطرار، وأصبح في مقام الاستغاثة وطلب العون. فترك إغاثته مع القدرة على ذلك ليس مجرّد تركٍ للإحسان، بل قد يكون تفريطاً في واجب إنساني وشرعي بحسب المورد.
2- ترك معاونة المظلوم: فالمظلوم الذي سُلب حقّه أو وقع عليه الاعتداء لا يجوز أن يتحول إلى مجرّد مشهد يتفرج عليه الآخرون مع القدرة على نصرته وإعانته. ومن هنا كان نصرة المظلوم وإعانته من مقتضيات العدل، بحسب ما يثبت من التكليف في كل مورد.
3- تضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهو تعطيل إحدى أهم وسائل الإصلاح الاجتماعي، حين يسكت الإنسان عن المنكر مع تحقق شرائط وجوبه، ويترك المجتمع فريسةً لانتشار الفساد والانحراف من دون إصلاح أو نصح أو تقويم.
ومن هنا يتضح أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليسا مجرد وظيفة فردية، بل لهما بعدٌ إصلاحي يتصل بحفظ سلامة المجتمع وصيانة منظومته الأخلاقية.
الخاتمة:
يتحصّل من مجموع ما تقدّم أنّ الذنب في المنظور الإسلامي ليس مجرد مخالفةٍ عابرةٍ لحكم شرعي، وإنما هو فعلٌ قد تترتب عليه سلسلة من الآثار الروحية والأخلاقية والتكوينية والاجتماعية، تختلف باختلاف طبيعة المعصية ومتعلّقها ودرجة الإصرار عليها وآثارها في نفس الإنسان ومحيطه.
كما يتضح أنّ النصوص الواردة عن العترة الطاهرة (عليهم السلام) لم تكتفِ ببيان حرمة الذنب والمؤاخذة عليه، بل كشفت عن بعض السنن والآثار المترتبة عليه؛ فمن الذنوب ما يهتك ستر الإنسان وعصمته، ومنها ما يكون سبباً في نزول النقم، ومنها ما يغيّر النعم، ومنها ما يردّ الدعاء ويحرم العبد من بعض وجوه الإجابة، ومنها ما يكون سبباً في نزول البلاء.
وهذا يكشف عن عمق النظرة الإسلامية إلى المعصية؛ فالإنسان لا يعيش الذنب في لحظة ارتكابه ثم تنتهي علاقته به، بل قد يحمل آثاره في قلبه وسلوكه وعلاقاته وحياته الاجتماعية. ومن هنا كان التحذير من الذنوب قائماً على أساس حفظ حقيقة الإنسان وصيانة كماله، لا على مجرّد التخويف من العقوبة.
كما أنّ التفريق بين الذنوب بحسب آثارها يلفت النظر إلى ضرورة عدم التعامل معها بمنطقٍ واحد؛ فهناك ذنوب تتعلق بحقوق الله تعالى، وأخرى تتعلق بحقوق العباد، وهناك كبائر وصغائر، وهناك ذنوب قد يكون أثرها الأساسي في هتك الستر، وأخرى في تغيير النعمة أو حجب الدعاء أو نزول البلاء.
وعليه، فإنّ مقتضى مقام العبودية ليس الاقتصار على ترك الكبائر، بل ينبغي للمؤمن أن يكون متيقظاً من جميع الذنوب، بعيداً عن الإصرار عليها والاستخفاف بها، مسارعاً إلى التوبة والاستغفار وإصلاح ما أفسده، وردّ حقوق العباد إلى أهلها، ومراقبة قلبه ولسانه وجوارحه.
فالتوبة ليست مجرّد لفظٍ يردده اللسان، وإنما هي رجوعٌ حقيقي إلى الله تعالى، وندمٌ على ما صدر، وإقلاعٌ عن المعصية، وعزمٌ على عدم العود إليها، وإصلاحٌ لما ترتب عليها من حقوق وآثار.
ومن هنا يظهر أنّ معرفة الذنوب ليست غايةً في نفسها، وإنما الغاية منها أن يعرف الإنسان مواضع الخلل في نفسه، وأن يحذر أسباب الانحراف، وأن ينتقل من مجرّد العلم بالمعصية إلى مجاهدة النفس وتهذيبها، حتى يبلغ مقام التقوى الذي جعله الله تعالى ميزاناً للفلاح والكمال.
والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ بحار الأنوار، ج 88، ص 58، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج 1، ص 25.
2- معاني الأخبار، ج 2، ص 123.
3- المصدر نفسه، ج 2، ص 123.
4- الخصال، ص 231.
5- معاني الأخبار، ج 2، ص 123.
6- الكافي، ج 2، ص 272.
7- معاني الأخبار، ج 2، ص 123.
8- المصدر نفسه، ج 2، ص 123.

اترك تعليق