تشكل روايات أهل البيت عليهم السلام مصدراً أساسياً لفهم حقيقة الإمام المهدي عليه السلام وطبيعة دوره في المشروع الإلهي الممتد عبر التاريخ. فالروايات لا تقدم القائم عليه السلام بوصفه شخصية منفصلة عن مسيرة الأنبياء والرسل، بل تصفه بأنه المظهر الجامع للسنن الإلهية التي أجراها الله تعالى في أوليائه وحججه عبر العصور. ومن هنا تكررت في النصوص عبارة «تجري فيه سنن الأنبياء»، وهي عبارة تكشف عن وجود ارتباط عميق بين حركة الأنبياء السابقة وبين حركة الإمام المهدي عليه السلام في آخر الزمان.
وقد صرح الإمام الحسن العسكري عليه السلام بهذه الحقيقة عندما قال: «إن ابني هو القائم من بعدي وهو الذي تجري فيه سنن الأنبياء بالتعمير والغيبة». والتعمير في اللغة مأخوذ من العمر، وهو إطالة البقاء في الحياة زمناً طويلاً، أما الغيبة فهي الاحتجاب والاستتار عن الأنظار مع بقاء الشخص موجوداً حياً. ومن خلال هذا الحديث يقرر الإمام العسكري عليه السلام أن هذا أكثر ما يستغربه الناس في قضية المهدي، و هو طول العمر والغيبة، ليس أمراً خارجاً عن السنن الإلهية المعروفة، بل هو امتداد لما وقع في حياة الأنبياء السابقين.
إلا أن التأمل في مجموع الروايات يكشف أن السنن الجارية في القائم عليه السلام أوسع من مجرد الغيبة وطول العمر، إذ تشمل الخوف، وخفاء الولادة، وتأخر الفرج، والتمحيص، والحيرة، واختلاف الناس فيه، وحضوره بين الناس مع عدم معرفتهم له، ثم ظهوره لإقامة دولة العدل الإلهي. وهذه السنن تفرقت في الأنبياء السابقين ثم اجتمعت فيه عليه السلام.
ومن أوضح هذه السنن سنة نوح عليه السلام. فقد روي عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنه قال: «في القائم سنة من نوح وهي طول العمر». كما وردت روايات عديدة تذكر الأعمار الطويلة للأنبياء، ومن أبرزها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام من أن نوحاً عليه السلام عاش ألفين وخمسمائة سنة، وما ورد في الروايات الأخرى من ذكر الأعمار المديدة لآدم ونوح وسليمان وغيرهم من الأنبياء. وليس الغرض من هذه النصوص مجرد الإخبار التاريخي، بل إزالة الاستغراب من فكرة العمر الطويل، إذ إن من يسلّم بإمكان إطالة الله تعالى عمر نبي من أنبيائه قروناً طويلة لا يبقى أمامه وجه لاستبعاد بقاء الإمام المهدي عليه السلام هذه المدة المديدة بإرادة الله تعالى وقدرته.
غير أن سنة نوح عليه السلام لا تقتصر على طول العمر، بل تمتد إلى سنة أخرى شديدة الأهمية، وهي سنة إبطاء الفرج وتأخير تحقق الوعد الإلهي. فقد روت الروايات أن الله تعالى أمر نوحاً عليه السلام أن يغرس النوى وينتظر نموها وإثمارها قبل نزول العذاب على قومه، ثم أعاد عليه الأمر مرة بعد أخرى. وكان المؤمنون في كل مرحلة ينتظرون تحقق الوعد، فيرتد بعضهم أو ينافق بعضهم بسبب طول الانتظار، حتى لم يبق في النهاية إلا أصحاب اليقين الخالص.
وقد جعل الإمام الصادق عليه السلام هذه القصة تفسيراً مباشراً لعصر الغيبة، إذ قال: «وكذلك القائم فإنه تمتد أيام غيبته ليصرح الحق عن محضه ويصفو الإيمان من الكدر». ومعنى «ليصرح الحق عن محضه» أن الحق ينكشف خالصاً من الشوائب، أما «يصفو الإيمان من الكدر» فمعناه أن الإيمان يتنقى من شوائب النفاق والشك والتردد. ومن هنا يتبين أن الغيبة ليست مجرد فترة زمنية فاصلة بين الظهور والقيام، بل هي مشروع إلهي لتمحيص المؤمنين وتهذيبهم وكشف حقائق النفوس.
ولا يقتصر التمحيص في الروايات على طول الانتظار وتأخر الفرج، بل يظهر أيضاً في صورة الابتلاءات العملية التي تكشف حقيقة الطاعة والتسليم لله تعالى. فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «إن أصحاب موسى ابتلوا بنهر، وإن أصحاب القائم يبتلون بمثل ذلك». والابتلاء في اللغة مأخوذ من البلاء، وهو الاختبار الذي يراد به إظهار ما خفي من حقيقة الإنسان وإبراز ما ينطوي عليه من صدق أو ضعف. وتشير الرواية إلى أن سنة الامتحان الإلهي التي جرت في الأمم السابقة ستتكرر في عصر القائم عليه السلام.
وهذا الابتلاء يشير إلى ما حكاه القرآن الكريم في قصة طالوت وجنده، إذ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ۖ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (البقرة: 249). ولم يكن المقصود من هذا الامتحان مجرد اختبار القدرة على تحمل العطش، بل كان اختباراً للطاعة والانقياد والثبات أمام الرغبات النفسية. ولذلك أخفق أكثر القوم في الامتحان، ولم يثبت إلا القليل ممن امتلكوا اليقين والصبر.
ومن هنا يتضح أن أصحاب القائم عليه السلام ليسوا مستثنين من هذه السنة الإلهية، بل سيمرون بامتحانات تكشف صدق الإيمان وقوة الارتباط بالحجة الإلهية، فلا يبقى في ساحة الانتظار إلا من رسخ يقينه وخلصت سريرته. وهذه الرواية تنسجم تمام الانسجام مع ما ورد في قصة نوح عليه السلام من ارتداد جماعات من أتباعه بسبب طول الانتظار، كما تنسجم مع الروايات التي تحدثت عن الشكوك والحيرة والفتن في عصر الغيبة. فكما امتحن أصحاب نوح بطول الأمد، وامتحن أصحاب طالوت بالطاعة والتسليم، فإن المنتظرين للقائم عليه السلام يجتمع في حقهم هذان النوعان من الامتحان، ليظهر المؤمن الصادق من المدعي، ويتميز أهل الثبات من أهل التردد، وتتحقق سنة التمحيص الإلهي التي تكررت في تاريخ الأنبياء والأوصياء.
ومن أعمق الروايات في هذا الباب رواية سدير الصيرفي الطويلة، حيث دخل على الإمام الصادق عليه السلام فرآه شديد الحزن والبكاء، فلما سأله عن سبب ذلك أخبره أنه نظر في كتاب الجفر وتأمل فيه مولد القائم وغيبته وإبطاءه وطول عمره وما يصيب المؤمنين في زمانه من البلاء والحيرة والشكوك وارتداد كثير من الناس عن دينهم بسبب طول الغيبة. ثم بيّن عليه السلام أن الله تعالى أجرى في القائم سنناً من عدد من الأنبياء، فشبه مولده بمولد موسى، وغيبته بغيبة عيسى، وإبطاء ظهوره بإبطاء نوح، وجعل عمر الخضر دليلاً على طول عمره. وتكتسب هذه الرواية أهمية استثنائية لأنها لا تكتفي بذكر الشبه، بل تكشف الحكمة الإلهية الكامنة وراء كل سنة من هذه السنن.
ومن السنن المهمة أيضاً سنة يوسف عليه السلام. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «إن في صاحب هذا الأمر لشبهاً من يوسف». ثم بيّن وجه الشبه بأن إخوة يوسف كانوا يدخلون عليه ويخاطبونه ويتعاملون معه وهو أخوهم، ومع ذلك لم يعرفوه حتى كشف لهم عن نفسه. وهذه الرواية من أعمق الروايات في تفسير الغيبة، لأنها تبين أن الغيبة لا تعني بالضرورة الغياب المكاني أو الانقطاع عن المجتمع، بل قد يكون الإمام موجوداً بين الناس وهم لا يعرفونه.
ولهذا قال الإمام الصادق عليه السلام: «إن صاحب هذا الأمر يتردد بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ فرشهم ولا يعرفونه حتى يأذن الله له أن يعرفهم نفسه كما أذن ليوسف». فكما كانت غيبة يوسف غيبة معرفة لا غيبة وجود، كذلك قد تكون غيبة الإمام المهدي عليه السلام.
كما تشير بعض الروايات إلى وجه آخر من الشبه بيوسف عليه السلام، وهو ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: «إن صاحب هذا الأمر فيه شبه من يوسف ابن أمة سوداء يصلح الله له أمره في ليلة». والمقصود أن الله تعالى يهيئ أسباب ظهوره وتمكينه في وقت قصير بعد طول انتظار، كما نقل يوسف عليه السلام من حال الشدة والابتلاء إلى مقام الملك والتمكين الإلهي.
وأما سنة موسى عليه السلام فقد لخّصها الإمام الباقر عليه السلام بقوله: «خائف يترقب». والخوف هنا ليس خوف العجز أو الضعف، بل الحذر الذي تقتضيه الحكمة الإلهية لحفظ الحجة. وقد أوضح الإمام الصادق عليه السلام في حديث سدير أن فرعون لما علم بقرب ولادة من يكون زوال ملكه على يديه سعى إلى قتل أبناء بني إسرائيل، لكن الله تعالى حفظ موسى وأخفى أمره حتى جاء الوقت المقدر لظهوره.
وكذلك كانت حال القائم عليه السلام، فإن السلطات الظالمة كانت تترقب ولادة الموعود الذي أخبرت به الروايات، فسعت إلى مراقبة الأئمة عليهم السلام والتضييق عليهم، إلا أن الله تعالى حفظ حجته وأخفى أمر ولادته كما حفظ موسى عليه السلام.
ولهذا وردت عدة روايات تنص على أن القائم عليه السلام يقول عند ظهوره: ﴿ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين﴾. فالرواية تجعل كلمات موسى عليه السلام معبرة عن واقع القائم أيضاً، إذ إن مرحلة الغيبة والخفاء ليست إلا مقدمة للظهور والتمكين.
وأما سنة عيسى عليه السلام فتتمثل في الغيبة والاختلاف فيه وإنكار الناس لأمره. فقد بيّن الإمام الصادق عليه السلام أن اليهود والنصارى اختلفوا في عيسى عليه السلام وادعت طائفة منهم أنه قتل، بينما نفى الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾. وكذلك شأن القائم عليه السلام، فإن طول غيبته يؤدي إلى اختلاف الناس فيه، فمنهم من ينكر أصل ولادته، ومنهم من يشك في وجوده، ومنهم من يذهب إلى آراء منحرفة بشأنه.
ومن هنا تظهر سنة أخرى من السنن الجارية في القائم، وهي سنة الحيرة والاختلاف. فالروايات تذكر أن بعض الناس سيقول: هلك، وبعضهم يقول: لا يدرى في أي واد سلك، وبعضهم يزعم موته أو انقطاع أمره. وهذه الحيرة ليست حادثاً عارضاً، بل هي جزء من الامتحان الإلهي الملازم للغيبة.
وقد أكد الإمام الرضا عليه السلام هذا المعنى حين أخبر عن زمان يقال فيه: «غاب ومات ولا إمام»، وبيّن ما يصيب المؤمنين من الحزن والحيرة والاشتياق لفقد الحجة الظاهر. وهنا تتجلى وظيفة الغيبة بوصفها مدرسة إيمانية يتربى فيها المؤمن على الثبات والتسليم لله تعالى رغم غياب الشواهد الحسية المباشرة.
وأما سنة الخضر عليه السلام فتتمثل في العمر الطويل الذي جعله الله تعالى حجة على إمكان بقاء الإمام المهدي عليه السلام. ففي حديث سدير يصرح الإمام الصادق عليه السلام بأن الله تعالى لم يطل عمر الخضر لنبوة جديدة، ولا لشريعة جديدة، ولا لإمامة عامة، وإنما أبقاه حياً ليكون دليلاً على إمكان طول عمر القائم عليه السلام وقطعاً لحجة المنكرين. وبهذا يتحول وجود الخضر نفسه إلى برهان عملي على إمكان بقاء الإمام المهدي عليه السلام كل هذه القرون.
كما تتحدث الروايات عن سنة الغيبتين، فتذكر أن للقائم عليه السلام غيبتين، إحداهما أقصر من الأخرى. ومع طول الغيبة الثانية يبلغ الامتحان مداه حتى يقول بعض الناس: هلك أو لا يدرى في أي واد سلك. وتكشف هذه الروايات عن حجم الابتلاء الذي يرافق عصر الغيبة، حيث يتحول غياب الإمام إلى ميدان لاختبار الصبر والثبات واليقين.
ولا تبدو سنة الغيبتين منفصلة عن بقية السنن المتقدمة، بل هي الإطار الذي تجتمع فيه أكثر تلك السنن. ففي الغيبة تتجلى سنة يوسف عليه السلام من حيث حضور الحجة بين الناس مع عدم معرفتهم به، وتتجلى سنة موسى عليه السلام من حيث الخوف والترقب وحفظ الحجة من أيدي الظالمين، وتتجلى سنة عيسى عليه السلام من حيث اختلاف الناس فيه ووقوع الحيرة بشأن أمره. وبذلك تصبح الغيبة المهدوية مظهراً جامعاً لعدد من السنن الإلهية التي تفرقت في الأنبياء السابقين ثم اجتمعت في القائم عليه السلام.
وأما سنة رسول الله صلى الله عليه وآله فهي السنة التي تكتمل بها صورة المشروع المهدوي كله. فقد سئل الإمام الباقر عليه السلام عن السنة الجارية في القائم من النبي محمد صلى الله عليه وآله فقال: «إذا قام سار بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله». والسيرة في اللغة هي الطريقة والمنهج، والمراد هنا أن القائم عليه السلام يتبع المنهج الرسالي الذي سار عليه النبي الأكرم في إقامة الدين وإحياء التوحيد ومواجهة الانحراف وإقامة العدل بين الناس.
غير أن الرواية تضيف: «إلا أنه يبين آثار محمد ويضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر هرجاً ومرجاً حتى يرضى الله». والتعبير بـ«يبين آثار محمد» يكشف أن مهمة القائم ليست الإتيان بدين جديد أو شريعة جديدة، وإنما إحياء معالم الرسالة المحمدية التي اندرس بعضها أو حُرّف فهمها أو ابتعد الناس عن حقيقتها. فهو يعيد الدين إلى صفائه الأول كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله.
كما أن سنة النبي صلى الله عليه وآله تظهر في طبيعة المواجهة التي يخوضها القائم عليه السلام مع قوى الانحراف والظلم. فقد رد الإمام الباقر عليه السلام على من زعم أن المهدي إذا قام استقامت له الأمور بلا قتال، فقال: «كلا والذي نفسي بيده لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول الله صلى الله عليه وآله حين أدميت رباعيته وشج وجهه». فكما واجه النبي صلى الله عليه وآله التحديات والابتلاءات في سبيل إقامة الدين، كذلك يواجه القائم عليه السلام صعوبات جسيمة قبل استقرار دولة العدل الإلهي.
وتؤكد رواية أخرى هذا المعنى عندما تصف القائم عليه السلام واقفاً عند الكعبة محتجاً على الناس، فيقول: «من يحاجني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، ومن يحاجني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، ومن يحاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، ومن يحاجني في موسى فأنا أولى الناس بموسى، ومن يحاجني في عيسى فأنا أولى الناس بعيسى، ومن يحاجني في محمد فأنا أولى الناس بمحمد». وهذه الرواية تكشف أن القائم ليس وارثاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وحده، بل وارث لجميع الأنبياء والرسل، وأن مشروعه يمثل الامتداد الطبيعي والخاتمة العملية لجميع الرسالات السماوية.
ومن هنا يتبين أن الروايات لم تتعامل مع غيبة الإمام المهدي عليه السلام بوصفها أمراً استثنائياً خارجاً عن المألوف في التدبير الإلهي، بل قدمتها على أنها امتداد طبيعي لسنن جرت في الأنبياء السابقين. فكما كانت ولادة موسى عليه السلام خفية ومحفوفة بالمخاطر، وغاب يوسف عن أهله مع حضوره بينهم، ورفع عيسى عن أعين الناس واختلفت الأمم فيه، وطال عمر نوح والخضر عليهما السلام، وابتلي أتباع الأنبياء بالانتظار والتمحيص والغربلة، كذلك اجتمعت هذه السنن جميعاً في الإمام المهدي عليه السلام لتكون دليلاً على وحدة المشروع الإلهي عبر التاريخ، وأن ما يجري في عصر الغيبة إنما هو امتداد لما جرى في تاريخ الرسالات الإلهية السابقة.
ومن خلال مجموع هذه الروايات يتضح أن الإمام المهدي عليه السلام يمثل المظهر الجامع لسنن الأنبياء جميعاً. ففيه طول عمر نوح والخضر، وفيه إبطاء الفرج الذي ابتلي به أتباع نوح، وفيه التمحيص والغربلة التي سبقت النجاة في قصة نوح، وفيه خفاء موسى وخوفه وترقبه، وفيه غيبة يوسف مع حضوره بين الناس وعدم معرفتهم له، وفيه الاختلاف والحيرة التي وقعت في أمر عيسى عليه السلام، وفيه سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وإحياء رسالته وإقامة دولته العالمية.
ولهذا لم تنظر الروايات إلى القائم عليه السلام بوصفه إماماً من أئمة أهل البيت عليهم السلام فحسب، بل بوصفه وارث النبوات كلها وخاتمة المشروع الإلهي في التاريخ. فهو الحلقة التي تجتمع عندها السنن التي تفرقت في الأنبياء، ليحقق الوعد الإلهي النهائي بإظهار الحق وإقامة العدل ووراثة المستضعفين للأرض، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين﴾.
وتكتسب هذه الرواية أهمية استثنائية لأنها لا تكتفي بذكر الشبه، بل تكشف الحكمة الإلهية الكامنة وراء كل سنة من هذه السنن.
ومن السنن المهمة أيضاً سنة يوسف عليه السلام. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «إن في صاحب هذا الأمر لشبهاً من يوسف». ثم بيّن وجه الشبه بأن إخوة يوسف كانوا يدخلون عليه ويخاطبونه ويتعاملون معه وهو أخوهم، ومع ذلك لم يعرفوه حتى كشف لهم عن نفسه. وهذه الرواية من أعمق الروايات في تفسير الغيبة، لأنها تبين أن الغيبة لا تعني بالضرورة الغياب المكاني أو الانقطاع عن المجتمع، بل قد يكون الإمام موجوداً بين الناس وهم لا يعرفونه.
ولهذا قال الإمام الصادق عليه السلام: «إن صاحب هذا الأمر يتردد بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ فرشهم ولا يعرفونه حتى يأذن الله له أن يعرفهم نفسه كما أذن ليوسف». فكما كانت غيبة يوسف غيبة معرفة لا غيبة وجود، كذلك قد تكون غيبة الإمام المهدي عليه السلام.
كما تشير بعض الروايات إلى وجه آخر من الشبه بيوسف عليه السلام، وهو ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: «إن صاحب هذا الأمر فيه شبه من يوسف ابن أمة سوداء يصلح الله له أمره في ليلة». والمقصود أن الله تعالى يهيئ أسباب ظهوره وتمكينه في وقت قصير بعد طول انتظار، كما نقل يوسف عليه السلام من حال الشدة والابتلاء إلى مقام الملك والتمكين الإلهي.
وأما سنة موسى عليه السلام فقد لخّصها الإمام الباقر عليه السلام بقوله: «خائف يترقب». والخوف هنا ليس خوف العجز أو الضعف، بل الحذر الذي تقتضيه الحكمة الإلهية لحفظ الحجة. وقد أوضح الإمام الصادق عليه السلام في حديث سدير أن فرعون لما علم بقرب ولادة من يكون زوال ملكه على يديه سعى إلى قتل أبناء بني إسرائيل، لكن الله تعالى حفظ موسى وأخفى أمره حتى جاء الوقت المقدر لظهوره.
وكذلك كانت حال القائم عليه السلام، فإن السلطات الظالمة كانت تترقب ولادة الموعود الذي أخبرت به الروايات، فسعت إلى مراقبة الأئمة عليهم السلام والتضييق عليهم، إلا أن الله تعالى حفظ حجته وأخفى أمر ولادته كما حفظ موسى عليه السلام.
ولهذا وردت عدة روايات تنص على أن القائم عليه السلام يقول عند ظهوره: ﴿ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين﴾. فالرواية تجعل كلمات موسى عليه السلام معبرة عن واقع القائم أيضاً، إذ إن مرحلة الغيبة والخفاء ليست إلا مقدمة للظهور والتمكين.
وأما سنة عيسى عليه السلام فتتمثل في الغيبة والاختلاف فيه وإنكار الناس لأمره. فقد بيّن الإمام الصادق عليه السلام أن اليهود والنصارى اختلفوا في عيسى عليه السلام وادعت طائفة منهم أنه قتل، بينما نفى الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾. وكذلك شأن القائم عليه السلام، فإن طول غيبته يؤدي إلى اختلاف الناس فيه، فمنهم من ينكر أصل ولادته، ومنهم من يشك في وجوده، ومنهم من يذهب إلى آراء منحرفة بشأنه.
ومن هنا تظهر سنة أخرى من السنن الجارية في القائم، وهي سنة الحيرة والاختلاف. فالروايات تذكر أن بعض الناس سيقول: هلك، وبعضهم يقول: لا يدرى في أي واد سلك، وبعضهم يزعم موته أو انقطاع أمره. وهذه الحيرة ليست حادثاً عارضاً، بل هي جزء من الامتحان الإلهي الملازم للغيبة.
وقد أكد الإمام الرضا عليه السلام هذا المعنى حين أخبر عن زمان يقال فيه: «غاب ومات ولا إمام»، وبيّن ما يصيب المؤمنين من الحزن والحيرة والاشتياق لفقد الحجة الظاهر. وهنا تتجلى وظيفة الغيبة بوصفها مدرسة إيمانية يتربى فيها المؤمن على الثبات والتسليم لله تعالى رغم غياب الشواهد الحسية المباشرة.
وأما سنة الخضر عليه السلام فتتمثل في العمر الطويل الذي جعله الله تعالى حجة على إمكان بقاء الإمام المهدي عليه السلام. ففي حديث سدير يصرح الإمام الصادق عليه السلام بأن الله تعالى لم يطل عمر الخضر لنبوة جديدة، ولا لشريعة جديدة، ولا لإمامة عامة، وإنما أبقاه حياً ليكون دليلاً على إمكان طول عمر القائم عليه السلام وقطعاً لحجة المنكرين. وبهذا يتحول وجود الخضر نفسه إلى برهان عملي على إمكان بقاء الإمام المهدي عليه السلام كل هذه القرون.
كما تتحدث الروايات عن سنة الغيبتين، فتذكر أن للقائم عليه السلام غيبتين، إحداهما أقصر من الأخرى. ومع طول الغيبة الثانية يبلغ الامتحان مداه حتى يقول بعض الناس: هلك أو لا يدرى في أي واد سلك. وتكشف هذه الروايات عن حجم الابتلاء الذي يرافق عصر الغيبة، حيث يتحول غياب الإمام إلى ميدان لاختبار الصبر والثبات واليقين.
ولا تبدو سنة الغيبتين منفصلة عن بقية السنن المتقدمة، بل هي الإطار الذي تجتمع فيه أكثر تلك السنن. ففي الغيبة تتجلى سنة يوسف عليه السلام من حيث حضور الحجة بين الناس مع عدم معرفتهم به، وتتجلى سنة موسى عليه السلام من حيث الخوف والترقب وحفظ الحجة من أيدي الظالمين، وتتجلى سنة عيسى عليه السلام من حيث اختلاف الناس فيه ووقوع الحيرة بشأن أمره. وبذلك تصبح الغيبة المهدوية مظهراً جامعاً لعدد من السنن الإلهية التي تفرقت في الأنبياء السابقين ثم اجتمعت في القائم عليه السلام.
وأما سنة رسول الله صلى الله عليه وآله فهي السنة التي تكتمل بها صورة المشروع المهدوي كله. فقد سئل الإمام الباقر عليه السلام عن السنة الجارية في القائم من النبي محمد صلى الله عليه وآله فقال: «إذا قام سار بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله». والسيرة في اللغة هي الطريقة والمنهج، والمراد هنا أن القائم عليه السلام يتبع المنهج الرسالي الذي سار عليه النبي الأكرم في إقامة الدين وإحياء التوحيد ومواجهة الانحراف وإقامة العدل بين الناس.
غير أن الرواية تضيف: «إلا أنه يبين آثار محمد ويضع السيف على عاتقه ثمانية أشهر هرجاً ومرجاً حتى يرضى الله». والتعبير بـ«يبين آثار محمد» يكشف أن مهمة القائم ليست الإتيان بدين جديد أو شريعة جديدة، وإنما إحياء معالم الرسالة المحمدية التي اندرس بعضها أو حُرّف فهمها أو ابتعد الناس عن حقيقتها. فهو يعيد الدين إلى صفائه الأول كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله.
كما أن سنة النبي صلى الله عليه وآله تظهر في طبيعة المواجهة التي يخوضها القائم عليه السلام مع قوى الانحراف والظلم. فقد رد الإمام الباقر عليه السلام على من زعم أن المهدي إذا قام استقامت له الأمور بلا قتال، فقال: «كلا والذي نفسي بيده لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول الله صلى الله عليه وآله حين أدميت رباعيته وشج وجهه». فكما واجه النبي صلى الله عليه وآله التحديات والابتلاءات في سبيل إقامة الدين، كذلك يواجه القائم عليه السلام صعوبات جسيمة قبل استقرار دولة العدل الإلهي.
وتؤكد رواية أخرى هذا المعنى عندما تصف القائم عليه السلام واقفاً عند الكعبة محتجاً على الناس، فيقول: «من يحاجني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، ومن يحاجني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، ومن يحاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، ومن يحاجني في موسى فأنا أولى الناس بموسى، ومن يحاجني في عيسى فأنا أولى الناس بعيسى، ومن يحاجني في محمد فأنا أولى الناس بمحمد». وهذه الرواية تكشف أن القائم ليس وارثاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وحده، بل وارث لجميع الأنبياء والرسل، وأن مشروعه يمثل الامتداد الطبيعي والخاتمة العملية لجميع الرسالات السماوية.
ومن هنا يتبين أن الروايات لم تتعامل مع غيبة الإمام المهدي عليه السلام بوصفها أمراً استثنائياً خارجاً عن المألوف في التدبير الإلهي، بل قدمتها على أنها امتداد طبيعي لسنن جرت في الأنبياء السابقين. فكما كانت ولادة موسى عليه السلام خفية ومحفوفة بالمخاطر، وغاب يوسف عن أهله مع حضوره بينهم، ورفع عيسى عن أعين الناس واختلفت الأمم فيه، وطال عمر نوح والخضر عليهما السلام، وابتلي أتباع الأنبياء بالانتظار والتمحيص والغربلة، كذلك اجتمعت هذه السنن جميعاً في الإمام المهدي عليه السلام لتكون دليلاً على وحدة المشروع الإلهي عبر التاريخ، وأن ما يجري في عصر الغيبة إنما هو امتداد لما جرى في تاريخ الرسالات الإلهية السابقة.
ومن خلال مجموع هذه الروايات يتضح أن الإمام المهدي عليه السلام يمثل المظهر الجامع لسنن الأنبياء جميعاً. ففيه طول عمر نوح والخضر، وفيه إبطاء الفرج الذي ابتلي به أتباع نوح، وفيه التمحيص والغربلة التي سبقت النجاة في قصة نوح، وفيه خفاء موسى وخوفه وترقبه، وفيه غيبة يوسف مع حضوره بين الناس وعدم معرفتهم له، وفيه الاختلاف والحيرة التي وقعت في أمر عيسى عليه السلام، وفيه سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وإحياء رسالته وإقامة دولته العالمية.
ولهذا لم تنظر الروايات إلى القائم عليه السلام بوصفه إماماً من أئمة أهل البيت عليهم السلام فحسب، بل بوصفه وارث النبوات كلها وخاتمة المشروع الإلهي في التاريخ. فهو الحلقة التي تجتمع عندها السنن التي تفرقت في الأنبياء، ليحقق الوعد الإلهي النهائي بإظهار الحق وإقامة العدل ووراثة المستضعفين للأرض، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين﴾.

اترك تعليق