مما روي عن امامنا الصادق عليه السلام في زيارة شهيد كربلاء ابي الفضل العباس عليه السلام؛
عن مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَیْنِ الْعَسْکَرِیُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِیِّ بْنِ مَهْزِیَارَ عَنْ أَبِیهِ عَنِ ابْنِ أَبِی عُمَیْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِی حَمْزَةَ الثُّمَالِیِّ قَالَ قَالَ الصَّادِقُ علیه السلام: إِذَا أَرَدْتَ زِیَارَةَ قَبْرِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِیٍّ وَ هُوَ عَلَی شَطِّ الْفُرَاتِ بِحِذَاءِ الْحَیْرِ فَقِفْ عَلَی بَابِ السَّقِیفَةِ وَ قُلْ سَلَامُ اللَّهِ وَ سَلَامُ مَلَائِکَتِهِ الْمُقَرَّبِینَ وَ أَنْبِیَائِهِ الْمُرْسَلِینَ وَ عِبَادِهِ الصَّالِحِینَ وَ جَمِیعِ الشُّهَدَاءِ وَ الصِّدِّیقِینَ وَ الزَّاکِیَاتِ الطَّیِّبَاتِ فِیمَا تَغْتَدِی وَ تَرُوحُ عَلَیْکَ یَا ابْنَ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ أَشْهَدُ لَکَ بِالتَّسْلِیمِ وَ التَّصْدِیقِ وَ الْوَفَاءِ وَ النَّصِیحَةِ لِخَلَفِ النَّبِیِّ صلی الله علیه و آله الْمُرْسَلِ وَ السِّبْطِ الْمُنْتَجَبِ وَ الدَّلِیلِ الْعَالِمِ وَ الْوَصِیِّ الْمُبَلِّغِ وَ الْمَظْلُومِ الْمُهْتَضَمِ فَجَزَاکَ اللَّهُ عَنْ رَسُولِهِ وَ عَنْ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ وَ عَنِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَیْنِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَیْهِمْ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ بِمَا صَبَرْتَ وَ احْتَسَبْتَ وَ أَعَنْتَ فَنِعْمَ عُقْبَی الدَّارِ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَکَ وَ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ جَهِلَ حَقَّکَ وَ اسْتَخَفَّ بِحُرْمَتِکَ وَ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ حَالَ بَیْنَکَ وَ بَیْنَ مَاءِ الْفُرَاتِ أَشْهَدُ أَنَّکَ قُتِلْتَ مَظْلُوماً وَ أَنَّ اللَّهَ مُنْجِزٌ لَکُمْ مَا وَعَدَکُمْ.[1]
إنَّ المتأمِّل في ألفاظ هذه الزيارة الشريفة المروية عن الإمام الصادق عليه السلام لا يجد نفسه أمام نصٍّ للسلام والتعزية فحسب، بل أمام وثيقةٍ عقائديةٍ وروحيةٍ ترسم شخصية أبي الفضل العباس عليه السلام بأبعادها الحقيقية، وتكشف عن مقامٍ سامٍ قلَّ أن اجتمعت نظائره في غيره، فالزيارة لا تصف حادثةً تاريخيةً مضت، وإنما تُعرِّف الأمة بسرِّ رجلٍ أصبح رمزاً للوفاء، ومثالاً للتسليم، وآيةً في البصيرة والطاعة والفداء.
لقد ابتدأت الزيارة بسلامٍ عظيمٍ لم يُمنح إلا لعظيم، فقال الإمام الصادق عليه السلام:
«سَلَامُ اللَّهِ وَسَلَامُ مَلَائِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ وَأَنْبِيَائِهِ الْمُرْسَلِينَ وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ وَجَمِيعِ الشُّهَدَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ... عَلَيْكَ يَا ابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ».
وهنا يقف القلم خاشعاً؛ إذ ليس السلام صادراً من فردٍ أو جماعة، بل من الله سبحانه أولاً، ثم من الملائكة المقربين، ثم من الأنبياء والمرسلين، ثم من الصالحين والشهداء والصديقين. وكأن الإمام عليه السلام يريد أن يقول: إن العباس قد بلغ من الطهارة والكرامة منزلةً اجتمعت على تعظيمها السماوات والأرض. فالسلام الإلهي ليس مجرد تحية، بل هو إعلان رضا وقبول وقرب. وما أعظمها من منزلة أن يكون الإنسان موضع سلام الله الدائم.
ثم ينتقل الإمام عليه السلام إلى بيان بعض من شخصية ابي الفضل العباس عليه السلام فيقول:
«أَشْهَدُ لَكَ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّصْدِيقِ وَالْوَفَاءِ وَالنَّصِيحَةِ».
إنها أربع كلمات، لكنها تختصر حياة العباس عليه السلام كلها.
أما التسليم، فهو أن يفني العبد إرادته في إرادة إمامه. لم يكن العباس عليه السلام يرى لنفسه رأياً أمام الحسين عليه السلام، ولم يكن يزن الأمور بميزان المصلحة الشخصية أو العاطفة المجردة، بل بميزان الطاعة المطلقة. ولذلك لم نرَ منه في كربلاء سؤالاً عن المصير، ولا تردداً أمام الشهادة، ولا التفاتاً إلى الدنيا.
وأما التصديق، فهو اليقين الكامل بحجية الإمام وحقانيته. لقد كان العباس عليه السلام يرى في الحسين عليه السلام الامتداد الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه وآله، ولذلك لم يكن نصره للحسين عليه السلام نصرةَ قريبٍ لقريبه، بل نصرةَ مؤمنٍ لإمامه وحجة الله عليه.
وأما الوفاء، فهو الكلمة التي إذا ذُكر العباس ذُكرت معه. فالوفاء عند الناس خُلق، أما عند العباس فقد صار مقاماً. وفى لأبيه أمير المؤمنين عليه السلام، ووفى لأخيه الحسن عليه السلام، ووفى للحسين عليه السلام، ووفى للرسالة، ووفى للعهد حتى آخر قطرة من دمه. ولذلك لم يختلف موقفه في أول الطريق عن موقفه في آخر لحظة وهو مقطوع اليدين ينزف على تراب كربلاء.
وأما النصيحة، فهي الإخلاص الخالص الذي لا تشوبه شائبة. لقد قدّم العباس كل ما يملك من قوة وشجاعة وحياة في سبيل إمامه، فلم يدخر جهداً ولم يؤخر تضحية، بل كان قلبه وعقله وسيفه وروحه كلها وقفاً على الحسين عليه السلام.
ثم تصفه الزيارة بأنه كان ناصراً:
«لِخَلَفِ النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ وَالسِّبْطِ الْمُنْتَجَبِ وَالدَّلِيلِ الْعَالِمِ وَالْوَصِيِّ الْمُبَلِّغِ وَالْمَظْلُومِ الْمُهْتَضَمِ».
وهذه الأوصاف كلها للحسين عليه السلام، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن بصيرة العباس. فليس كل من حضر كربلاء أدرك حقيقة الحسين عليه السلام كما أدركها العباس. لقد عرف أن الحسين عليه السلام هو خليفة النبي، وأنه السبط المنتجب، والدليل العالم، والوصي المبلغ. ومن عرف إمامه بهذه المعرفة ثم بذل نفسه دونه، فقد بلغ من المعرفة ما لا يبلغه كثير من الناس.
ومن أروع ما في الزيارة قول الإمام عليه السلام:
«فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنْ رَسُولِهِ وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ».
تأمل هذا التعبير جيداً.
لم يقل: جزاك الله عن الحسين عليه السلام فقط، بل عن رسول الله وأمير المؤمنين والحسن والحسين جميعاً. وكأن العباس حين نصر الحسين عليه السلام إنما نصر مشروع الرسالة كله. فمعركة كربلاء لم تكن معركة شخص، بل معركة الإسلام المحمدي الأصيل. ولذلك صار ثواب العباس عليه السلام متصلاً برسول الله نفسه، لأن دمه حمى الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله.
ثم تأتي العبارة التي تختصر سرَّ عظمته:
«بِمَا صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ وَأَعَنْتَ».
لقد جمع العباس عليه السلام بين ثلاث مقامات عظيمة:
مقام الصبر، حين رأى أهل بيته وأصحابه يتساقطون شهداء واحداً بعد آخر.
ومقام الاحتساب، حين جعل كل آلامه وقربانه لله تعالى لا لطلب ذكرٍ أو مجدٍ أو ثناء.
ومقام الإعانة، إذ لم يكن مجرد مقاتل، بل كان عضد للحسين عليه السلام وقلب معسكره وسند العيال وحامل لوائه.
ولذلك استحق أن يختم الإمام هذه الفقرة بقوله:
«فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ».
إنها شهادةٌ من الإمام الصادق عليه السلام بأن العباس عليه السلام بلغ حسن العاقبة وكمال الفوز. ثم نصل إلى سرٍّ آخر من أسرار العباس عليه السلام، وهو علاقته بالماء.
تقول الزيارة:
«لَعَنَ اللَّهُ مَنْ حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَاءِ الْفُرَاتِ».
قد يتصور البعض أن القضية قضية عطشٍ فحسب، لكنها أعمق من ذلك بكثير. إن العباس صار رمزاً للإيثار المطلق. وصل إلى الماء بعد جهدٍ عظيم، وكان العطش يحرق أحشاءه، لكنه حين ذكر عطش الحسين عليه السلام وأطفال الحسين رمى الماء ولم يشرب.
وقد روي عنه سلام الله عليه انه لما رمى الماء انشد هذه الابيات
يا نَفْسُ من بعدِ الحسينِ هُوني وبعدَهُ لاَ كُنْتِ أنْ تَكوني
هذا حسينٌ واردُ المَنونِ وتَشْربينَ بارِدَ المَعينِ
تاللهِ ما هذا فِعالُ دِيني ولا فِعَالُ صَادِقِ اليقينِ
هنا تتجلى قمة الإنسانية والإيمان. فالإنسان في لحظة الحاجة الشديدة يفكر بنفسه أولاً، أما العباس عليه السلام فقد ألغى ذاته تماماً. ولهذا أصبح الماء في كربلاء شاهداً على وفائه، وصارت ذكرى عطشه مدرسةً أخلاقيةً خالدة للأجيال.
ثم يقول الإمام عليه السلام:
«أَشْهَدُ أَنَّكَ قُتِلْتَ مَظْلُوماً».
والظلامة هنا ليست ظلامة القتل فقط، بل ظلامة رجلٍ لم يُعرف قدره عند أعدائه. لقد واجهوه بالسيوف وهو حامل راية الحق، ومنعوه الماء وهو ابن بيت الرحمة، وقطعوا يديه وهو يسعى لإنقاذ الأطفال العطاشى.
لكن هذه الظلامة تحولت إلى نورٍ خالد. فما من شهيدٍ في كربلاء اقترن اسمه بالوفاء كما اقترن اسم العباس عليه السلام. حتى أصبح لقب "باب الحوائج" انعكاساً لمكانته في قلوب المؤمنين، الذين رأوا فيه نموذج العبد الذي فنى في طاعة الله وأوليائه، فرفع الله ذكره في الدنيا والآخرة.
ثم تختم الزيارة بقول الإمام:
«وَأَنَّ اللَّهَ مُنْجِزٌ لَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ».
وهذه العبارة تكشف عن المستقبل الأبدي للعباس وأهل البيت عليهم السلام. فكل ما وعدهم الله به من النصر والكرامة والرضوان والدرجات العلى واقع لا محالة. لقد خسر العباس الدنيا ظاهراً، لكنه ربح الخلود حقيقةً. وسقط جسده على تراب كربلاء، لكن روحه ارتفعت إلى مقامٍ تتطلع إليه الأرواح.
وهكذا يظهر أبو الفضل العباس عليه السلام من خلال هذه الزيارة ليس مجرد فارسٍ شجاع، ولا مجرد أخٍ وفيٍّ، بل مدرسة كاملة في معرفة الإمام، والتسليم لله، واليقين بالحق، والإيثار، والوفاء، والبصيرة، والفداء.
إنه الرجل الذي ذابت ذاته في إمامه حتى لم يبقَ منه إلا صورة الطاعة الخالصة. والرجل الذي حمل اللواء بيديه، فلما قُطعتا حمله بقلبه. والرجل الذي وصل إلى الماء فلم يشرب، لأنه كان يرى عطش الحسين عليه السلام أكبر من عطشه. والرجل الذي سقط شهيداً، لكنه بقي واقفاً في ضمير التاريخ.
سلامٌ على العباس يوم وُلد في بيت الإمامة، ويوم عاش حاملا للواء الحق، ويوم استشهد بين يدي الحسين عليه السلام، ويوم يُبعث حياً. وسلامٌ على تلك الروح العظيمة التي جسدت معنى الوفاء حتى صار اسمها مرادفاً له، وجسدت معنى النصرة حتى صارت رايةً لكل ناصرٍ للحق، وجسدت معنى العبودية حتى استحقت سلام الله وملائكته وأنبيائه والصالحين أجمعين. فما أعظمك يا أبا الفضل، وما أسمى مقامك، وما أخلد ذكرك في الأرض والسماء.
الهوامش:
[1] ـ كامل الزيارات, ص 256.

اترك تعليق