المسألة:
سماحة الشيخ
يُذكر في التأريخ أنَّ عدد أفراد معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) لا يتجاوز المائة، فهل يستدعي مثل هذا العدد القليل تعبئة جيش يصل قوامه إلى ثلاثين ألف مقاتل؟ لذلك شكَّك البعض في عدد جيش الحسين (ع) والبعض شكَّك في عدد جيش الأمويين، والبعض قال أصلاً الجيش معبأ للمحاربة في معركة ثانية. فما هو تعليقكم؟
الجواب:
عامَّة المؤرِّخين لم يتجاوزوا بعدد أنصار الحسين المائتين:
أمَّا عددُ أفراد معسكر الإمام الحسين(عليه السلام) فقد اختلفتْ كلمات المؤرِّخين في تحديده فالمشهور -ظاهراً- أنَّهم اثنان وسبعون بين فارسٍ وراجل أو ما يقرب من هذا العدد(1) وذكر المسعودي في إثبات الوصية أنَّهم واحدٌ وستون رجلاً(2) وذكر اليعقوبي أنَّهم اثنان وستون رجلاً(3) وذكر عددٌ من المؤرِّخين أنَّهم ثمانون وزيادة(4) وآخرون ذكروا أنَّهم يزيدون على التسعينَ بين فارسٍ وراجل(5) وآخرون بلغوا بهم المائة أو يزيدون قليلاً(6) وأفاد السيِّد ابن طاووس في اللُّهوف وابنُ نما الحلِّي في مثير الأحزان وغيرهما أنَّ عددهم خمسة وأربعين فارساً ومائة راجل وهو المرويُّ عن الإمام الباقر(عليه السلام)(7) ونسب سبط ابنُ الجوزي لبعضهم القول بأنَّه كانوا سبعين فارساً ومائة راجل(8).
قول المسعودي والقول المنسوب إليه كلاهما شاذ:
وعليه فيصحُّ القول أنَّ عامَّة المؤرِّخين لم يتجاوزوا بعدد أنصار الحسين(عليه السلام) المائة والسبعين، ومع الاحتراز فالعددُ لا يصلُ عند عامَّة المؤرِّخين إلى المائتين، وأمَّا ما نسبَه سبطُ ابن الجوزي إلى المسعودي من أنَّ عددهم بلغ ألفاً(9) -فلو صحَّت النسبة- فهو قولٌ شاذ لا يُعبأُ به، لكونه منافياً لِمَا عليه عامَّةُ المؤرِّخين أعني الغالبيَّة الساحقة منهم، على أنَّ الظاهر هو عدم صحَّة النسبة، فالمذكور في مروج الذهب للمسعودي أنَّ عددهم خمسمائة فارس ومائة راجل(10) أي أنَّ المجموع -بحسب ما ذكره- ستمائة رجل، وهو قولٌ شاذٌّ أيضاً لمنافاته للقدر المشترك الذي عليه عامَّة المؤرِّخين وهو أنَّ عددهم لم يصل إلى المائتين.
والمُلفت أنَّه بعد أنْ ذكر أنَّ عددهم ستمائة رجل بين فارسٍ وراجل عاد فقال: "وكان جميع من قُتل مع الحسين في يوم عاشوراء بكربلاء سبعة وثمانين"(11) فبينَ القولين تهافتٌ بيِّنٌ إلا أنْ يُبنى على أنَّ مراده ممَّا ذكره أولاً هو أنَّ عدد مَن كان في معسكر الحسين (عليه السلام) قبل أن يتفرَّقوا عنه ستمائة ثم لم يبقَ معه بعد الإعلان عن مقتل مسلم بن عقيل وقبل الوصول إلى كربلاء سوى العدد الذي ذكر أنَّهم قُتلوا معَه، وهم بحسب قوله سبعة وثمانون.
هذا وقد ذكر المسعوديُّ نفسه في إثبات الوصية أنَّ الحسين (عليه السلام) كان في واحدٍ وستين رجلاً(12) فأينَ هذا العدد من العدد المذكور في مروج الذهب؟! وهو ما يُؤيِّد أنَّه لم يقصد من الستمائة البيان لعدد الذين قاتلوا معه يوم عاشوراء وإنَّما قصد مِن ذلك البيان لعدد الذين كانوا معه في الطريق. فإنْ تمَّ هذا التوجيه وإلا فيتعيَّن البناء على سقوط هذا القول لشذوذه ومنافاته لِما عليه عامَّة المؤرِّخين وهو أنَّ عدد أنصار الحسين (عليه السلام) لم يصل إلى المائتين.
العدد الذي حشده النظام الأموي لحرب الحسين (عليه السلام):
وأمَّا عددُ المعسكر الأمويِّ الذي بعثَه ابنُ زياد لحرب الحسين (عليه السلام) فالمقلُّ من المؤرِّخين ذكر أنَّهم أربعة آلاف(13) مقاتل، وزاد بعضُهم خمسمائة(14) وأمَّا المُكثِر فذكر أنَّ عددَ مَن بعثهم ابنُ زياد لحربِ الحسين (عليه السلام) بلغَ خمساً وثلاثين ألفاً كما في المناقب لابن شهراشوب(15) وبين المقلِّ والمُكثر ذكر بعضُهم أنَّ تعداد المُعسكر الأمويِّ بلغ واحداً وثلاثينَ ألفاً كما في عمدة الطالب لابن عنبة، فقد أفاد أنَّ عدد من أُرسلوا إلى كربلاء ثلاثون ألفاً مضافاً إلى الألف الذي جاء مع الحرِّ بن يزيد الرياحي(16) وذكر آخرونَ أنَّ عدد مَن بُعثوا لحربِ الحسين (عليه السلام) بلغ عشرين ألفاً كما في اللهوف، ومثير الأحزان، والصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي وغيرها(17) وذكر آخرونَ أنَّ عددهم بلغ اثنين وعشرين ألفاً كما في الفتوح لابن أعثم ومقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي، ومرآة الجنان لليافعي وغيرها(18) وأفاد المسعودي في إثبات الوصيَّة أنَّ عددهم بلغ ثمانية وعشرين ألفاً(19).
وأمَّا المرويُّ عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) والإمامُ زين العابدين(عليه السلام) فهو أنَّهم ثلاثون ألف مقاتل، فالمروي عن الإمام الحسن(عليه السلام) أورده الشيخُ الصدوق في الأمالي قال: حدَّثنا أحمد بن هارون الفامي (رضي الله عنه) قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن جعفر بن جامع الحميري قال: حدَّثنا أبي عن أحمد بن محمد بن يحيى عن محمد بن سنان عن المفضَّل بن عمر عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جدِّه (عليهم السلام): أنَّ الحسينَ بن عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) دخل يوماً إلى الحسن (عليه السلام) فلمَّا نظر إليه بكى، فقال له: ما يُبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أبكى لِمَا يُصنع بك. فقال له الحسنُ (عليه السلام): إنَّ الذي يُؤتى إليَّ سمٌّ يُدسُّ إليَّ فأُقتل به، ولكنْ لا يومَ كيومِك يا أبا عبد الله، يزدلفُ إليك ثلاثون ألفَ رجل، يدَّعونَ أنَّهم من أمة جدِّنا محمد (صلَّى الله عليه وآله) وينتحلونَ دينَ الاسلام، فيجتمعونَ على قتلِك، وسفْكِ دمك، وانتهاكِ حرمتك، وسبيِ ذراريك ونسائِك، وانتهابِ ثقلِك، فعندها تحلُّ ببني أميةَ اللَّعنة، وتُمطرُ السماءُ رماداً ودماً، ويبكي عليك كلُّ شيء حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار"(20).
والمرويُّ عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أورده أيضاً الشيخُ الصدوق في الأمالي قال: حدَّثنا أبو علي أحمد بن زياد الهمداني ( رحمه الله ) قال: حدَّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني عن يونس بن عبد الرحمن عن ابن أسباط عن عليِّ بن سالم عن أبيه عن ثابت بن أبي صفية -أبو حمزة الثمالي- قال: "نظر سيِّدُ العابدين عليُّ بن الحسين (عليهما السلام) إلى عبيد الله بن العبَّاس بن عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) فاستعبَر، ثم قال: ما مِن يومٍٍ أشدُّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) مِن يومِ أحد، قُتل فيه عمُّه حمزة بن عبد المطلب أسدُ الله وأسدُ رسولِه، وبعده يوم مؤتة قُتلَ فيه ابن عمِّه جعفر بن أبي طالب. ثم قال (عليه السلام): ولا يوم كيومِ الحسينِ (عليه السلام) ازدلفَ إليه ثلاثون ألف رجل، يزعمون أنَّهم من هذه الأمة كلٌّ يتقرَّب إلى الله عزَّوجلَّ بدمِه، وهو بالله يذكِّرهم فلا يتَّعظون، حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً .."(21).
عدد أفراد المعسكر الأمويِّ لا يقلُّ عن العشرينَ ألفاً:
وعليه فيُمكن القول بأنَّ ما عليه الأكثر هو أنَّ عدد الذين ازدلفوا لحرب الحسين (عليه السلام) لا يقلُّ عن العشرين ألفاً فهو المقدار المشترك فيما ذكره الأكثر، ولهذا فهو إمَّا أنْ يكون عشرين ألفاً أو أكثر والأرجح أنَّه بلغ ثلاثينَ ألفاً استنادا إلى ما رُوي عن الإمام الحسن (عليه السلام) وما رُوي عن الإمام زين العابدين (عليه السلام)(22).
مناقشة ما قيل إنَّ العدد أربعةُ آلاف ونحوه:
وأمَّا ما قيل من أنَّ عدد مَن بعثَهم ابنُ زياد لحرب الحسين (عليه السلام) كانوا أربعة آلاف مقاتل أو يزيدون خمسمائة فيتعيَّن طرحُه لمنافاته للعدد المتوافق عليه لدى الأكثر وهو العشرون ألفاً.
والظاهر أنَّ هذا القول- أعني الأربعة آلاف أو يزيدون خمسمائة- نشأ عمَّا ذكره المؤرِّخون من أنَّ ابن زياد كان قد كلَّف عمر بن سعد بالمسير إلى دستبى لاستعادتها من الديلم بعد أن غلبوا عليها، وأعدَّ معه أربعة آلاف من أهل الكوفة ليسير بهم إلى هناك، فخرج بهم وعسكر في منطقةٍ يُقال لها حمَّام أعين، فلمَّا صارت قضية الحسين(ع) دعا ابنُ زياد عمرَ بن سعد وأمره بالعدول عن وِجهته والمسير إلى الحسين (عليه السلام) فسارَ بالأربعة آلاف التي كانت معه إلى كربلاء، فكان هذا العددُ هم طلائع الجيش الأمويِّ الذي بعثه ابنُ زياد لحرب الحسين (عليه السلام).
فممَّن ذكر ذلك الطبريُّ في تأريخه قال: ".. وكان سببُ خروج ابن سعد إلى الحسين عليه السلام أنَّ عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دستبى، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب إليه ابنُ زياد عهده على الري وأمرَه بالخروج، فخرج معسكِراً بالناس بحمَّام أعين، فلمَّا كان من أمر الحسين ما كان وأقبل إلى الكوفة دعا ابنُ زياد عمرَ بن سعد فقال: سرْ إلى الحسين فإذا فرغنا ممَّا بيننا وبينه سرتَ إلى عملك .. فأقبل في أربعة آلاف حتى نزل بالحسين من الغدِ من يومِ نزلَ الحسين نينوى .." وذكر قريباً من هذا النصِّ عدد من المؤرِّخين(23).
فالواضح أنَّ الأربعة آلاف هم طلائع الجيش الأمويِّ الذي كان على رأسه عمر بن سعد والذي وصل إلى كربلاء يوم الثالث من المحرَّم بعد يومٍ من نزول الحسين(عليه السلام) في كربلاء ثم توالت البُعوث والكتائب.
ويؤيِّد ذلك ما أورده البلاذري في أنساب الأشراف -وكذلك غيرُه- قال: قالوا: ولَمّا سَرَّحَ ابنُ زِيادٍ عُمَرَ بنَ سَعدٍ مِن حَمّامِ أعيَنَ، أمَرَ النّاسَ فَعَسكَروا بِالنُّخَيلَةِ، وأمَرَ أن لا يَتَخَلَّفَ أحَدٌ مِنهُم، وصَعِدَ المِنبَرَ .. وأثنى على يزيد وأبيه، وقالَ: .. وقَد زادَكُم مِئَةً مِئَةً في أعطِيَتِكُم، فلا يبقين رجل من العرفاء والمناكب والتجَّار والسكَّان إلا خرج فعسكرَ معي، فأيُّما رجلٍ وجدناه بعد يومِنا هذا متخلِّفا عن العسكر برئت منه الذمَّة.
ثم خرج ابن زياد فعسكر وبعثَ إلى الحُصين بن تميم، وكان بالقادسيَّة في أربعة آلاف فقدم النخيلة في جميع مَن معه، ثم دعا ابنُ زياد كُثيرَ بن شهاب الحارثي، ومحمدَ بن الأشعث بن قيس، والقعقاعَ بن سويد بن عبد الرحمن المنقري، وأسماءَ بن خارجة الفزاري، وقال: طوَّفوا في الناس فمُروهم بالطاعة والاستقامة وخوِّفوهم عواقبَ الأمور والفتنة والمعصية، وحثُّوهم على العسكرة. فخرجوا فعذروا وداروا بالكوفة، ثم لحقوا به غير كُثير بن شهاب فإنَّه كان مبالغاً يدورُ بالكوفة يأمرُ الناس بالجماعة ويُحذِّرهم الفتنة والفرقة، ويُخذِّلُ عن الحسين.
وسرَّح ابنُ زياد أيضا حصين بن تميم في الأربعة الآلاف الذين كانوا معه إلى الحسين بعد شخوص عمر بن سعد بيوم أو يومين، ووجَّه أيضا إلى الحسين حجَّار بن أبجر العجلي في ألف، وتمارض شبثُ بن ربعي، فبعثَ إليه فدعاه وعزمَ عليه أنْ يشخصَ إلى الحسين في ألفٍ ففعل. وكان الرجل يُبعث في ألفٍ فلا يصلُ إلا في ثلاثمائة أو أربعمائة وأقل من ذلك كراهةً منهم لهذا الوجه.
ووجَّه أيضا يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم في ألف أو أقل، ثم إنَّ ابن زياد استخلفَ على الكوفة عمرو بن حريث، وأمرَ القعقاع بن سويد بن عبد الرحمن بن بجير المنقري بالتطواف بالكوفة في خيل، فوجد رجلاً من همدان قد قدم يطلب ميراثاً لَهُ بِالكوفَةِ، فَأَتى بِهِ ابنَ زِيادٍ فَقَتَلَهُ، فَلَم يَبقَ بِالكوفَةِ مُحتَلِمٌ إلّا خَرَجَ إلَى العَسكَرِ بِالنُّخَيلَةِ.
ثُمَّ جَعَلَ ابنُ زِيادٍ يُرسِلُ العِشرينَ وَالثَّلاثينَ وَالخَمسينَ إلَى المِئَةِ غُدوَةً وضَحوَةً ونِصفَ النَّهارِ وعَشِيَّةً مِنَ النُّخَيلَةِ، يُمِدُّ بِهِم عُمَرَ بنَ سَعدٍ .. ووَضَعَ ابنُ زِيادٍ المَناظِرَ عَلَى الكوفَةِ؛ لِئَلّا يَجوزَ أحَدٌ مِنَ العَسكَرِ مَخافَةً لِأَنْ يَلحَقَ الحُسَينَ عليه السّلام مُغيثاً لَهُ، ورَتَّبَ المَسالِحَ حَولَها، وجَعَلَ عَلى حَرَسِ الكوفَةِ وَالعَسكَرِ زَحرَ بنَ قَيسٍ الجُعِفيَّ، ورَتَّبَ بَينَهُ وبَينَ عَسكَرِ عُمَرَ بنِ سَعدٍ خَيلًا مُضَمَّرَةً مُقَدَّحَةً، فَكانَ خَبرُ ما قِبَلَهُ يَأتيهِ في كُلِّ وَقتٍ"(24) وأورد قريباً من هذا النصِّ الدينوري في الأخبار الطوال، وابنُ العديم في بغية الطلب، وابنُ أعثم الكوفي في الفتوح(25).
فالواضح من هذا النص أنَّ الأربعة آلاف الذين كانوا مع ابن سعد كانوا هم طلائع الجيش الأموي ثم توالت البعوث، وحشَّد ابن زياد الكوفة بأسرها بالترغيب والترهيب وعسكر بالنخيلة وهدَّد كلَّ من تخلَّف بأنَّ الذمَّة قد برئت منه، وبعث من زعماء العشائر والوجهاء مَن يطوف أحياء الكوفة يُحذِّر كلَّ من تخلَّف عن اللِّحاق به في النخيلة لتسييره منها إلى كربلاء، فكانوا يخرجون إلى النخيلة ثم يتمُّ تسييرهم غُدوَةً وضَحوَةً ونِصفَ النَّهارِ وعَشِيَّةً جماعاتٍ أو ضمن قادة الجند إلى كربلاء، ونظراً لكراهة كثيرٍ منهم التوجُّه إلى هذه الوجهة فقد كان منهم من يتخلَّف في الطريق ويرجع إلى الكوفة فأمر ابنُ زياد بعض قادة الجند أنْ يطوف بالكوفة ويأتيه بكلِّ من تخلَّف، فاتَّفق أنَّ رجلاً من غير أهل الكوفة جاء إليها يطلبُ ميراثاً فأُخذ إلى ابن زياد فأمر بضربِ عنقِه، وتسامعَ الناس بذلك، فلم يتخلَّف حينذاك عن المعسكر مُحتلِم.
وبهذا -الترغيب والترهيب- والاستعانة بقادة الجند وزعماء العشائر والعرفاء والتجَّار استطاع ابنُ زياد تعبئة أهل الكوفة قاطبة لحرب الحسين (عليه السلام)، ومن المعلوم أنَّ تعداد القادرين على القتال من أهل الكوفة آنذاك يصلُ إلى مائة ألف، والنصُّ المذكور أفاد أنَّه لم يتخلَّف محتلم، ومعناه أنَّ التعبئة شملت حتى المراهقين غير المجرِّبين للحرب والقتال فلنفترض أنَّ في هذا النصِّ وشبهه مبالغة وأنَّ ثمة مَن تخلَّف واختبأ في الدور والمزارع رغم صعوبة ذلك لأنَّ المتابعين للتعبئة هم العرفاء وزعماء العشائر الذين يعرفون أبناءهم، ولكن لنفترض أنَّ ثمة من تمكَّن من التخلَّف فليكن من استجاب نصفُ هذا العدد وهو خمسون ألف رجل، ومع التنزُّل أكثر لنفترض أنَّه تخلَّف رغم التهديد والوعيد والترهيب الثلثان فالباقي يتجاوزن الثلاثين ألف مقاتل، وهذا هو العدد الذي ذكره أو ذكر قريباً منه الكثيرُ من المؤرِّخين.
والمتحصَّل أنَّ كلمات مشهور المؤرِّخين ممَّن تصدَّى لبيان تَعداد مَن احتشدوا لحرب الحسين (عليه السلام) مضافاً إلى ما رُوي عن الإمامين الحسنِ السبط وزين العابدين (عليه السلام) ومضافاً إلى المُعطيات التأريخيَّة يبعث مجموعُها على الاطمئنان بأنَّ عدد مَن شارك ضمن المعسكر الأمويِّ في حرب الحسين (عليه السلام) لا يقلُّ عن العشرين ألفاً إن لم يكن أكثر كما هو الأرجح.
لماذا عبَّأ ابنُ زياد هذا العدد لحربِ الحسين (عليه السلام):
وأمَّا لماذا حشَدَ ابنُ زياد هذا العدد من العساكر لحرب الإمام الحسين (عليه السلام) والحال أنَّه لم يكن مع الحسين (عليه السلام) ما يصل إلى المائتين مقاتل؟
والجواب: هو أنَّ ابن زياد فعلَ ذلك تحسُّباً لأيِّ طارئ، فلعلَّ مدَداً يصلُه من البصرة، فهو يعلمُ أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان قد كاتب عدداً من زعماء عشائرها، ولا يعلمُ ابنُ زياد ما الذي ينوون فعلَه، فلو كانوا قد عزموا أو عزم بعضُهم على الانتصار للإمام (عليه السلام) فإنَّ طبيعة الحال والظروف تقتضي التكتُّم والإسرار إلى أنْ يتهيأ لهم ذلك، ولعلَّ رأيهم اقتضى اختيار المباغتة، فابنُ زياد يتحسَّب لذلك، وكذلك يتحسَّب إلى أنَّ من الممكن أنْ يصل الإمامَ (عليه السلام) مدَدٌ من القبائل المنتشرة في العراق وتوابعها، فهو لا يعلم ما الذي فعله الإمام (عليه السلام) حين كان في طريقه إلى الكوفة، وحين كان يُعِدُّ للنهضة وهو في مكة، ويتحسَّب ابنُ زياد كذلك إلى أنَّ مِن الممكن أنْ يقعَ تمرُّدٌ في أوساط أو أطراف الجيش الذي بعثَه فيمتنعوا عن القتال أو يتحوَّلوا إلى معسكر الإمام (عليه السلام) فابنُ زياد يُدركُ موقع الإمام (عليه السلام)في نفوس الناس، ويعلمُ أنَّ الكثير من أهل الكوفة يُضمرون العداء أو لا يدينون بالولاء للأمويين، فاحتمال التمرُّد أو التحوَّل قائم، وكذلك فإنَّ ابنَ زياد يتحسَّب للأعداد الغفيرة من أهل الكوفة الذين تخلَّفوا عن اللِّحاق بمعسكره رغم التحشيد والتهديد والوعيد، فلعلَّهم يكمنون انتظاراً لوقتٍ توافقوا عليه، ولعلَّهم يتربَّصون فرصةً سانحة للانقضاض على معسكرِه خصوصاً وأنَّه يعلم أنَّ ما يقرب أو يزيد على الثمانية عشر الفاً كانوا قد بايعوه فلعلَّهم أو النصف منهم يفون ببيعتهم له، كلُّ ذلك وشبهه كان يتحسَّب له ابنُ زياد، لذلك استفرغ أقصى وسعه لتعبئة ما أمكنه تعبئته من أجناد ليتمكَّن بهم من فرض حصارٍ مطبِق على معسكر الحسين (عليه السلام) فلا يصلُه مدَدٌ من خارج الكوفة ولا مِن داخلها، وليتمكَّن بهذا العدد من معاجلةِ الحسين(عليه السلام) ومَن معه خشية الوقوع لظروفٍ غير محسوبة قد تنقلبُ معها موازينُ القوى، لذلك كان يستحثُّ عمرَ بن سعد على سرعة المناجزة(26) للإمام الحسين (عليه السلام) ويُهدِّده بالعزل -بل والقتل- والاستعاضة عنه بغيره إنْ لم يُبادر لذلك(27). وكان يبعثُ إليه بالمدَد بعد المدَد إلى اليوم السادس من المحرم ثم إلى عشيَّة اليوم التاسع من المحرَّم.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
11 / صفر / 1447ه
6 / يوليو / 2025م
الهوامش:
1- الإرشاد -المفيد- ج2 / ص95، تاريخ الطبري -الطبري-ج4 / ص320، الكامل في التأريخ -ابن الأثير- ج4 / ص59، المختصر في أخبار البشر -أبو الفدا- ج1 / ص191، تاريخ اليعقوبي ج2 / ص243، أنساب الأشراف -البلاذري- ج3 / ص187، تجارب الأمم -ابن مسكويه- ج2 / ص81، بغية الطلب في تاريخ حلب -ابن العديم- ج6 / ص2630، أعلام الورى -الطبرسي- ج1 / ص457، روضة الواعظين -الفتال السيوري- ص184، الفتوح -ابن أعثم- ج5 / ص101، البداية والنهاية -ابن كثير- ج8 / ص192، 205، امتاع الأسماع -المقريزي- ج5 / ص364، الأخبار الطوال -الدينوري- 260، العقد الفريد -ابن عبد البر- ج5 / ص130.
2- إثبات الوصيَّة -المسعودي- ص166.
3- تاريخ اليعقوبي -اليعقوبي- قال: "وكان الحسين في اثنين وستين، أو اثنين وسبعين رجلا من أهل بيته وأصحابه" ج2 / ص243
4- مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص248، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (ص) -ابن طلحة الشافعي- ص382، الفصول المهمة -ابن الصباغ المالكي- ج2 / ص803، الصواعق المحرقة -ابن حجر الهيتمي- ص199.
5- تذكرة الخواص -ابن الجوزي- ص231، تاريخ الإسلام -الذهبي- ج5 / ص15.
6- البدء والتأريخ -المقدسي- ج6 / ص11، تأريخ المختصر -ابن العبري الملطي- ص110، مقتل الحسين (ع) -الخوازرمي- ج2 / ص6، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج 45 / ص53، تاريخ أبي زرعة الدمشقي ج1 / ص627،
7- مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص39، اللهوف -السيد ابن طاووس- ص60، تذكرة الخواس -سبط ابن الجوزي- ص226. تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص292، البداية والنهاية -ابن كثير- ج8 / ص214
8- تذكرة الخواس -سبط ابن الجوزي- ص226.
9- تذكرة الخواس -سبط ابن الجوزي- قال: ولما طلع الفجر: وهو يوم الجمعة عاشر المحرم ؛ وقيل يوم السبت من سنة احدى وستين عبأ أصحابه ميمنة وميسرة وكانوا كما ذكرنا خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل؛ وقال قوم كانوا سبعين فارسا ومائة راجل وقيل كان معه ثلاثون فارسا. وذكر المسعودي: انه كان معه الف والأول أصح" ص226.
10- مروج الذهب -المسعودي- ج3 / ص61.
11- مروج الذهب -المسعودي- ج3 / ص61.
12- إثبات الوصيَّة -المسعودي- ص166.
13- تاريخ اليعقوبي -اليعقوبي- ج2 / ص243، تاريخ الخلفاء -السيوطي- ص226.
14- تذكرة الخواص -وسبط ابن الجوزي- قال: "إنَّ ابن زياد قد جهَّز عمر بن سعد بن أبي وقاص لقتال الحسين في أربعة آلاف وأضاف بأنَّه "جهز خمسمائة فارس فنزلوا على الشرايع" ص222.
15- مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص248.
16- عمدة الطالب -ابن عنبة - ص192،
17- اللهوف -السيد ابن طاووس- ص52، مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص37، الصواعق المحرقة -ابن حجر الهيتمي- ص199، الفصول المهمة -ابن الصباغ المالكي- ج2 / ص819،
18- الفتوح -ابن أعثم - ج5 / ص90، مقتل الحسين (ع) -الخوارزمي- قال: ".. وعَبَّأَ عُمَرُ بنُ سَعدٍ أصحابَهُ، فَجَعَلَ عَلى مَيمَنَتِهِ: عَمرَو بنَ الحَجّاجِ، وعَلى مَيسَرَتِهِ: شِمرَ بنَ ذِي الجَوشَنِ، وثَبَتَ هُوَ فِي القَلبِ، وكانَ جُندُهُ اثنَينِ وعِشرينَ ألفاً، يَزيدُ أو يَنقُصُ" ج2/ 7. مرآة الجنان- ابن أسعد اليافعي المكي- قال: ".. وما زال عبيد الله بن زياد يزيد العساكر إلى أن بلغوا اثنين وعشرين الفاً، ووعد الأمير المذكور أن يملكه مدينة الري فباع الفاسق الرشد بالغي .." ج1 / ص107، كشف الغمة- الأربلي-ج2 / ص258. مطالب السؤول -ابن طلحة الشافعي- ص400، شذرات الذهب -ابن الهماد الحنبلي-ج1 / ص67،
19- إثبات الوصية -المسعودي- قال: وتوجّه عبيد اللّه بن زياد (لعنه اللّه) بالجيوش من قبل يزيد في ثمانية وعشرين ألفا. فلما صافه للحرب عليه السّلام صلّى الحسين بأصحابه الغداة" ص166.
20- الأمالي -الصدوق- ص178، وأورده ابن شهراشوب مرسلاً عن الصادق (ع) ج3 / ص238، مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص13، اللهوف -السيد ابن طاووس- ص19.
21- الأمالي- الصدوق- ص547.
22- ينقل السيد ابن طاووس في الله وفقال: "قال بعض الرواة فوالله ما رأيت مكسورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا منه وان كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيه الذئب ولقد كان يحمل فيهم ولقد تكملوا ثلاثين ألفا فيهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر ثم يرجع إلى مركزة وهو يقول لا حول ولا قوة إلا بالله" ص70.
23- تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص309-310، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج45 / ص50، الكامل في التأريخ -ابن الأثير- ج4 / ص52.
24- أنساب الأشراف -البلاذري- ج3 / ص178-179.
25- الأخبار الطوال -الدينوري- ص 254، بغية الطلب -ابن العديم- ج6 / ص2626، والفتوح -ابن أعثم الكوفي- ج5 / ص89.
26- الأمالي -الصدوق- قال: ".. فوجَّه إليه شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف فارس، وكتب إلى عمر ابن سعد: إذا أتاك كتابي هذا، فلا تمهلن الحسين بن علي، وخذ بكظمه، وحل بين الماء وبينه، كما حيل بين عثمان وبين الماء يوم الدار. فلما وصل الكتاب إلى عمر بن سعد (لعنه الله)، أمر مناديه فنادى: إنا قد أجلنا حسينا وأصحابه يومهم وليلتهم .." ص220، الفتوح -ابن أعثم- ج5 / ص90، مطالب السؤول -ابن طلحة الشافعي- ص401، اللهوف -السيد ابن طاووس- ص54، كشف الغمة -الأربلي- ج2 / ص258، الأخبار الطوال -الدينوري- ص255، العقد الفريد -ابن عبد البر الأندلسي- ج5 / ص128.
27- الارشاد -المفيد- ج2 / ص88، مناقب آل أبي طالب -ابن شهراشوب- ج3 / ص247، تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص314، الكامل في التاريخ -ابن الأثير- ج4 / ص55، المنتظم في تاريخ الأمم -ابن الجوزي- ج5 / ص337، أنساب الأشراف -البلاذري- ج3 / ص226، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج14 / ص220، الامامة والسياسة -ابن قتيبة الدينوري- ج1 / ص12، بغية الطلب -ابن العديم- ج6 / ص2617.

اترك تعليق