تأمّلات في آخر رسائل الإمام الحسين (عليه السلام)...
روى الشيخ ابن قولويه رحمه الله بإسناده عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كتب من كربلاء إلى أخيه محمد بن الحنفية ومن قبله من بني هاشم:
((بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم:
أما بعد، فكأنّ الدنيا لم تكن، وكأنّ الآخرة لم تزل. والسلام)).
لعلّ هذه الرسالة من أعجب ما وصل إلينا من كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد اختصر فيها رؤيةً كاملةً للإنسان والحياة والمصير في جملة واحدة. وما يزيدها أهمية أنّها كُتبت من كربلاء، وفي مرحلةٍ حاسمة من نهضته المباركة، ووجّهها إلى محمد بن الحنفية ومن قبله من بني هاشم ممن لم يلتحقوا به في مسيره.
وهنا يبرز سؤال جدير بالتأمّل: لماذا بعث الإمام (عليه السلام) هذه الرسالة إلى المتخلّفين عنه؟
لا يبدو أنّ الإمام كان بصدد تعليمهم حقيقةً عقديةً يجهلونها؛ فهم يعلمون أنّ الدنيا دار فناء وأنّ الآخرة دار بقاء، في جانبها النظري. وإنما أراد أن يلفت أنظارهم إلى السرّ الحقيقي الذي يفصل بين من التحق بركبه ومن آثر البقاء خلفه، والذي يمثل الجانب العملي الذي يثبت الانسان فيه ثبات إيمانه.
فإنّ كثيراً من الناس يدركون هذه الحقائق على مستوى المعرفة الذهنية، لكنّهم حين يواجهون الامتحان العملي تعود الدنيا لتستولي على حساباتهم، فيقدّمون السلامة على التضحية، والبقاء على الفداء، والعاجل على الآجل.
ومن هنا جاء قوله (عليه السلام):
((فكأنّ الدنيا لم تكن، وكأنّ الآخرة لم تزل)).
إنّها ليست مجرّد موعظة في الزهد، بل بيان للميزان الذي ينبغي أن تُوزن به المواقف الكبرى. فالدنيا مهما عظمت في أعين أهلها فإنّها تنقضي حتى كأنّها لم توجد أصلاً، بينما الآخرة هي الحقيقة الثابتة التي لا تزول ولا تنقطع، حتى كأنّها هي الأصل الذي لم يزل موجوداً أبداً.
ولعلّ هذه الرسالة تفسّر رسالةً سابقةً بعثها الإمام من مكة إلى محمد بن الحنفية وبني هاشم، قال فيها:
((من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح)).
فقد يتساءل البعض: كيف يكون الاستشهاد فتحاً؟
وبحسب فهمي يتجلّى في هذه الرسالة الأخيرة؛ فإنّ الفتح الذي تحدّث عنه الإمام (عليه السلام) هو لمن أدرك أنّ الدنيا كأنّها لم تكن، وأنّ الآخرة كأنّها لم تزل، فقد علم بذلك الادراك أنّ الشهادة في سبيل الحق ليست خسارةً، بل هي عين الفتح.
ومن هنا نفهم أنّ الإمام (عليه السلام) كان يكشف لهم الحقيقة بجانبها العملي. وكأنّه يقول لهم: إنّ الذي حال بين بعضكم وبين اللحاق بي هو النظر إلى الأمور بعين الدنيا، ولو نظرتم إليها بعين الآخرة لانكشف لكم وجه الفتح الذي وعدتكم به.
وقد عبّر الإمام (عليه السلام) عن هذا المعنى نفسه في حديثه لأصحابه ليلة عاشوراء حيث قال:
((واعلموا أنّ الدنيا حلوها ومرّها حلم، والانتباه في الآخرة)).
فالدنيا مهما امتدّت بأفراحها وأحزانها، وبانتصاراتها وانكساراتها، تبقى مرحلةً عابرةً من رحلة الإنسان، أمّا الحقيقة الكاملة فتتجلّى حين يقف بين يدي ربّه، وهناك يظهر الرابح الحقيقي والخاسر الحقيقي.
وهكذا تحوّلت هذه الرسالة الموجزة إلى درس خالد للأجيال كلّها؛ فليست العبرة بطول العمر، ولا بسعة الدنيا، ولا بما يملكه الإنسان فيها، وإنما العبرة بما يبقى له عند الله تعالى بعد أن تنقضي الدنيا كلّها حتى كأنّها لم تكن.
اللهم إنا نسألك ان تحيينا حياة محمد وذريته وتمتنا ميتتهم وتحشرنا في زمرتهم ولا تفرق بيننا وبينهم طرفة عين أبداً في الدنيا والآخرة بحق وجهك الكريم وملكك العظيم وبحق محمد وال محمد الطيبين الطاهرين.
والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليق