الإمام محمد بن علي الباقر(عليه السلام) في مواجهة تحديات الحياة

 ورد في الروايات الدالة على اليوم المبارك الذي أشرقت به الأرض نوراً ساطعاً وهو اليوم الذي رزق الله به سيدنا ومولانا الإمام علي ابن الحسين السجاد(عليه السلام) مولوداً سماه باقراً وكانت ولادته الميمونة في مدينةِ جده النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه واله) عام سبعٍ وخمسين من الهجرة في غُرَّةِ رجب[1] ، وقيل في الثالث مِن صفر، فيكونُ قد أدركَ من حياة جدِّه سيدِ الشهداء(عليه السلام) قرابةَ الأربعِ سنين، وقد أبصرتْ عيناهُ تفاصيلَ تلك الفاجعةِ الأليمة التي لم يكن لها مِن نظير في تاريخِ الرسالات، فبأمِّ عينيه الصغيرتين شاهدَ أعمامَه وبني عمومتَه مجزَّرين تنزفُ الدماءُ من جوانبِهم وأطرافِهم وتصعَدُ أرواحُهم شاكيةً إلى بارئها، وشاهدَ جدَّه المعظَّم صريعاً تتحلَّقُ حولَه الأوباش، ورأى الذُعرَ والخوفَ على محيَّا العلويَّات، وشاهدَ النارَ تلتهمُ المخيَّماتِ والعساكرَ تجوبُ أفنيتها تسلبُ ما يُتاحُ لها سلبُه مِن مَتاع، وقد أمتلئتْ مسامعُه وجوانحُه من أنينِ الأطفال ونُدبةِ النساء، وكان فيمَن كابدَ ضراوةَ الظمأِ وحرارة الهجير، ومشقةَ الأسرِ من العراق إلى الشام، لذلك حفرتْ مشاهدُ عميقاً في وجدانِه ومشاعرِه.

كنيته: أبو جعفر

ألقابه: الباقر – وهو أشهر ألقابه -باقر العلم، والشاكر لله، والهادي، والأمين، والشبيه لأنه كان يشبه رسول الله (صلى الله عليه واله).

أمه: فاطمة أم عبد الله بنت الحسن (عليه السلام)، ويقال: أمه أم عبدة بنت الحسن بن علي، زوجاته: أم فروة وهي أم الإمام الصادق (عليه السلام)، وأم حكيم بنت أسيد الثقفي، وأم ولد أنجبت له ثلاثة أولاد.

أولاده: الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وعبد الله، وأمهم أم فروة، وإبراهيم، وعبيد الله، وأمهم أم حكيم بنت أسيد الثقفي، وقد توفيا صغيرين، وعلي، وزينب، وأم سلمة، وأمهم أم ولد.

ملوك عصره في زمن إمامته

الوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك.

تسليم رسول الله (صلى الله عليه واله) عليه:

عن أبان بن عثمان، عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه واله) قال ذات يوم لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف في التوراة بالباقر، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام، فدخل جابر إلى علي بن الحسين (عليه السلام) فوجد محمد بن علي (عليه السلام) عنده غلاما فقال له: يا غلام أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال جابر: شمائل رسول الله (صلى الله عليه واله) ورب الكعبة، ثم أقبل على علي بن الحسين (عليه السلام) فقال له: من هذا؟

قال(عليه السلام): هذا ابني‏ وصاحب‏ الأمر بعدي محمد الباقر، فقام جابر فوقع على قدميه يقبلهما ويقول: نفسي لنفسك الفداء يا ابن رسول الله، اقبل سلام أبيك، إن رسول الله (صلى الله عليه واله) يقرأ عليك السلام، قال: فدمعت عينا أبي جعفر (عليه السلام) ثم قال: يا جابر على أبي رسول الله (صلى الله عليه واله) السلام ما دامت السماوات‏ والأرض وعليك يا جابر بما بلغت السلام[2] .

إهتمامه في نشر العلوم

وردت روايات كثيرة ومنها: عن محمد بن مسلم، قال: ما شجر في رأيي شيء قط إلا سألت عنه أبا جعفر (عليه السلام) حتى سألته عن ثلاثين ألف حديثا، وسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ستة عشر ألف حديث[3] .

عن جابر بن يزيد الجعفي قال: حدثني أبو جعفر (عليه السلام) سبعين ألف حديث، لم أحدث بها أحدا أبدا قط، ولا أحدث بها أحدا أبدا. قال جابر: فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك إنك حملتني وقرا عظيما بما تحدثني به‏ من سركم الذي لا أحدث به أحدا، وربما جاش في صدري حتى يأخذني منه شبيه الجنون. قال: يا جابر فإذا كان ذلك فاخرج الى الجبان‏ فاحفر حفيرة ودل رأسك فيها ثم قل: حدثني محمد بن علي بكذا وكذا [4] .

وكان له (عليه السلام) الكثير جدا من المناظرات مع جميع أنواع الناس كالمخالفين والملحدين، وفي زمانه علم الشيعة العقيدة الصحيحة وأحكام الشريعة الحقة، وعلم أصحابه كيفية الاحتجاج على المخالفين وكيفية اثبات الإمامة.

أصحاب الإمام(عليه السلام)

محمد بن مسلم, وأبو بصير ليث بن البختري المرادي, وزرارة بن أعين, حمران بن أعين الشيباني, وإخوته بكر, وعبد الملك, وعبد الرحمن, ومحمد بن إسماعيل بن بزيع, وعبد الله بن ميمون القداح, ومحمد بن مروان الكوفي من ولد أبي الأسود, وإسماعيل بن الفضل الهاشمي من ولد نوفل بن الحارث, وأبو هارون المكفوف, وطريف بن ناصح بياع الأكفان, وسعيد بن طريف الإسكاف الدؤلي, وإسماعيل بن جابر الخثعمي الكوفي, وعقبة بن بشير الأسدي, وأسلم المكي مولى ابن الحنفية, والكميت بن زيد الأسدي, وناجية بن عمارة الصيداوي, ومعاذ بن مسلم الفراء النحوي.

حضوره مشاهد كربلاء يوم عاشوراء

عن أبي جعفر (عليه السلام): قتل جدي الحسين (عليه السلام) ولي أربع سنين، وإني لأذكر مقتله وما نالنا في ذلك الوقت[5].

 

عاش بعدها في كنَفِ والده زينِ العابدين (عليه السلام) ما ينيفُ على الثلاثين سنة، عاصرَ فيها كُبرياتِ الأحداثِ المؤسِفة كاجتياح الجيشِ الأموي لمدينةِ الرسول (صلى الله عليه واله) واستباحتِها ثلاثاً والقتلَ الذريعَ الذي وقعَ في الصحابةِ وأبناءِ الصحابة، والانتهاكَ غيرَ المسبوق لحرمة المسجد النبويِّ الشريف حتى راثتْ خيولُهم عند القبر المقدَّس، واصطبغتْ جدرانُ المسجدِ وأفنيتُه بدماء الناس، وعاثَ الجيشُ الأموي فساداً في طولِ المدينة وعَرضِها، ثم زحفَ إلى مكةَ المحرَّمة وحاصرَها، وضربَ الكعبةَ بالمنجنيق فهدمَ أطرافاً منها وأحرق أستارها.

وبعد الانهيار الأول للنظامِ الأُموي آلتِ الأمور إلى الزبيريِّين، فلم يكونوا أقلَّ وحشيةً وقسوةً واضطهاداً لأهل البيت (عليهم السلام) وأتباعِهم من النظام الأُموي، وامتدَّ سلطانُهم لِما يقربُ من عشرِ سنينَ عِجاف قبل أنْ يُحاصِرَ الجيشُ الأمويُّ بقيادة الحجَّاجِ بنِ يوسفَ الثقفي مكةَ من جديد مدةً تزيدُ على الستة أشهر قطعَ فيها عن أهل مكةَ الإمدادَ والغِذاء حتى أضرَّت بهمُ المجاعة، ونصبَ المجانيقَ على جبل أبي قُبيس وسائرِ الجبالِ المشرفةِ على بيوتاتِ مكة ثم صار يَرجمُها بمقذوفات الصخور، فقُتل من ذلك خلْقٌ كثير واحترقت أستار الكعبة بمقذوفات المنجنيق وتصدِّع بنيانَها.

وبذلك تهيأَ له اجتياحُ البلدِ الحرام، فسفكَ فيها الدمَ الحرام، وجالت خيولُهم في المسجدِ الحرامِ يتعقَّبونَ العائذينَ به مِنَ الناس بأسلحتِهم وحِرابهِم يقتلونُهم صبراً ويصلبونَ جثامينَهم على الأعواد، فاستعادَ بذلك الحَجَّاجُ سلطانَ الأمويِّين على الحجاز، فكافئوه بأنْ أطلقوا يدَه عليها، فحكمَها بالسيفِ والنار قبل أنْ يتمَّ تعيينُه والياً مُطلقاً على العراقين[6] .

النصُّ عليه ضمن الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)

كلُّ هذه الأحداثِ الجِسام كان قد عاصرَها الإمامُ أبو جعفرٍ(عليه السلام) وهو في كنَفِ والده الإمامِ زينِ العابدين (عليه السلام) وبعد رحيلِ والدِه شهيداً على يدِ الأُمويِّين سنةَ خمسٍ وتسعينَ[7] ، للهجرة نهضَ (عليه السلام) بأعباءِ الإمامةِ الإلهيَّة حيثُ هو الذي نصَّ عليه رسولُ الله (صلى الله عليه واله) ضمن الأئمةِ الاثني عشر الذين نصَّ على أسمائهم كما دلَّت على ذلك الأخبارُ المتواترة المأثورةُ عنه (صلى الله عليه واله) وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)[8].

تراث الباقر(عليه السلام)

وامتازتِ المرحلةُ التي اطَّلع فيها الإمام أبو جعفر(عليه السلام) بمهام الإمامة بشيءٍ من الاستقرار السياسي، فاستثمرَ هذه الفرصةَ لبثِّ علومِ آل محمد (صلى الله عليه واله) في الفقهِ والعقيدةِ وعلومِ القرآن والتفسيرِ والحديثِ والآثار والحِكمة وتصحيحِ ما أُتيحَ له تصحيحُه من تحريفٍ لأصولِ العقيدةِ والتفسيرِِ والسيرةِ النبويَّة وقِيَمِ الدينِ ومعالمِه، ومعالجةِ الشبهاتِ التي كان يُثيرُها المضلُّون ويعملُ على ترويجِها وتأصيلِها النظامُ الأموي، وقد جاء تراثُه غزيراً واسعاً متنوِّعاً، ما زال العلماء ينهلونَ منه، فما ينفدُ ولا ينضُب، فكان بحقٍّ كما وصفَه جدُّه النبيُّ الكريم (صلى الله عليه واله) أنَّه باقرُ العلم، وأنَّه يبقرُ العلمَ بقرا كما ورد في المستفيضِ مِن الأخبار وفيها الصحاح عن الصحابيِّ الجليل جابرِ بن عبد الله الأنصاري[9].

استشهاده

أستشهد الإمامُ الباقرُ (عليه السلام) شهيداً بعد عمرٍ امتدَّ قُرابةَ الستةِ عقود، وكان ذلك في عهد الخليفةِ الأُموي هشامِ بن عبد الملك، والمعروفُ بين الإماميَّة أنَّه استُشهد بعد أنْ دسَّ إليه هشامُ بنُ عبد الملك السُّمَّ[10] وقيل إنَّ الذي دسَّ إليه السُّمَّ إبراهيمُ بن الوليد بنُ عبد الملكوإذا صحَّ القولُ الثاني فهو بمعنى أنَّ إبراهيمَ بنَ الوليد هو مَن تولَّى دسَّ السُمِّ إلى الإمام (عليه السلام) بإيعازٍ من هشام، لا أنَّ الإمامَ (عليه السلام) قد استُشهد في عهده، فإنَّ إبراهيمَ بنَ الوليد قد تولَّى الخلافة الأمويَّة سنة سبعٍ وعشرين ومائة وتمَّ عزلُه بعد هزيمته من قِبَل مروانَ الحمار بعد مدَّةٍ يسيرة من خلافته، فلو كان هو مَن دسَّ إلى الإمام (عليه السلام) السُمَّ فلا بدَّ من أنَّ ذلك قد وقعَ في عهد هشام، لأنَّ استشهادَ الإمام (عليه السلام) كان فيما بين سنة أربعةَ عشر ومائة وبين ثمانيةَ عشر ومائة[11]على أبعدِ التقادير، وفي هذا الوقت كان خليفةُ الدولةِ الأمويَّة هشامَ بنَ عبدِ الملك والذي امتدَّتْ خلافتُه إلى سنة خمسٍ وعشرين ومائة للهجرة.

وعلى أيِّ تقدير فإنَّ المُحرَزَ هو رحيلُ الإمام (عليه السلام) عن الدنيا شهيداً بالسُّمِّ، ويكفي للتثبُّت مِن ذلك ما ورد في المستفيض عن أهل البيت (عليه السلام) أنَّه ما منَّا إلا مقتولٌ أو مسموم، فمِن ذلك ما رواه الشيخُ الصدوق في الأمالي، وفي كتاب مَن لا يحضره الفقيه، وفي كتاب العيون بسندٍ صحيح عن أبي الصلت عبدِ السلام بن صالح الهروي (رحمه الله) قال: سمعتُ الرضا (عليه السلام) يقول: واللهِ ما منَّا إلا مقتولٌ شهيد. فقيل له: فمَن يقتلُك يابن رسول الله؟ قال: شرُّ خلقِ الله في زماني، يقتلُني بالسُّم، ثم يدفنُني في دار مضيعة وبلادِ غربة .."[12].

 

 

 

 

 

الهوامش:----

[1] - الكليني، العلامة محمد ابن يعقوب(ره)، الكافي، ص472، ج1.

[2] - الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، الإمالي، ص353.

[3] - الكشي، محمد بن عمر بن عبد العزيز، رجال الكشي، ص 163.

[4] - الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، الاختصاص، ص 66.

[5] - اليعقوبي، أحمد بن إسحٰق بن جعفر بن وهب بن واضح، تاريخ اليعقوبي، ص320، ج2.

[6] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ص350، ج4، الذهبي، تاريخ الإسلام، ص312، ج5، ابن كثير، البداية والنهاية، ص262، ج6.

[7] - المفيد، محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، الإرشاد، ص137، ج2.

[8] - الصنقور، تواتر النص على الأئمة (عليهم السلام).

[9] - الصدوق، الأمالي، ص434، كمال الدين وتمام النعمة، ص319، علل الشرائع، ج1 / ص233، الكليني، الكافي، ص469، ج1، الخزاز القمي، كفاية الأثر، ص83.

[10] - الطبرسي، تاج المواليد، ص41، ابن عنبة، عمدة الطالب في أنساب آل أب طالب، ص195، القاضي النعمان، شرح الأخبار، ص288، ج3، المجلسي، بحار الأنوار، ص217، ج46.

[11] - الكليني، الكافي، ص 472، ج1، الطوسي، تهذيب الأحكام، ص 77، ج6، المفيد، الإرشاد، ص158، ج2، الطبرسي، تاريخ المواليد ص41.

[12] - الصدوق، الأمالي، ص120.

: الشيخ غالب عبد الحسين نعيمة