العِلَلُ في تعدّد أزواج النبيّ (صلّى الله عليه وآله)

دراسةٌ كلاميّة في دفع شبهة الانقياد نحو الشهوة

بسم الله الرحمن الرحيم

يُثار إشكالٌ حول تعدّد زوجات النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله)، ولا سيّما أنّ الشريعة الإسلامية جعلت الأصل في تعدّد الزوجات بالنسبة إلى عموم المسلمين محدوداً بأربع، في حين تزوّج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أكثر من ذلك، فيُدّعى أنّ هذا الاستثناء لا يمكن تفسيره إلا بكونه ناشئاً عن غلبة الشهوة والانقياد لداعي الغريزة، وأنّ ذلك ـ على فرض ثبوته ـ لا ينسجم مع مقام النبوّة والكمال الأخلاقي.

وهذه الشبهة، عند التحقيق، تقوم على مقدّماتٍ غير تامّة، وتخلط بين أصل الغريزة وبين الانقياد المذموم لها، وبين الحكم التشريعي العام وبين الخصائص النبوية، فضلاً عن إغفالها للسياق التاريخي والاجتماعي الذي وقعت فيه تلك الزيجات.

فإنّ المستشكل بنى دعواه على الملازمة بين تعدّد الزوجات وبين غلبة الشهوة، وهي ملازمةٌ غير ثابتة؛ لأنّ تعدّد الزوجات في نفسه فعلٌ مباح، وقد يكون الداعي إليه مختلفاً باختلاف الأشخاص والظروف والملابسات.

فكما أنّ الزواج بامرأة واحدة لا يكشف بالضرورة عن باعثٍ واحد، كذلك لا يكشف التعدّد عن باعثٍ شهواني محض. فقد يكون الداعي إليه الرعاية الاجتماعية، أو التكافل، أو المصاهرة، أو إزالة عرفٍ باطل، أو توثيق صلةٍ بين جماعات متنازعة، أو غير ذلك من المقاصد العقلائية.

وعليه، فإنّ قول المستشكل: «تعدّد زوجاته، إذن كان منقاداً للشهوة» لا يعدو أن يكون مصادرةً على المطلوب؛ لأنّه جعل المدّعى عين الدليل. سيما أنَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تزوّج بخديجة الكبرى (عليها السلام)، وعاش معها وحدها مدةً طويلة، ولم يتزوج عليها حتى توفّيت.

وهنا تبرز مفارقةٌ واضحة: إذا كان تعدّد الزوجات دليلاً على غلبة الشهوة، فلماذا لم يظهر هذا التعدّد في مرحلة الشباب، حيث تكون دواعي الغريزة ـ بحسب الفرض ـ أشدّ حضوراً؟

بل إنّ التعدّد ظهر بعد وفاة خديجة (عليها السلام)، وفي مرحلةٍ متقدمة من عمره، وبعد أن أصبح قائداً لمجتمعٍ ناشئ ودولةٍ تتداخل فيها الاعتبارات التشريعية والاجتماعية والسياسية.

وهذا لا يعني أنّ مجرد تأخر التعدد يثبت وحده بطلان كل باعث شهواني، ولكنه يكفي لإبطال التفسير الاختزالي الذي يجعل الشهوة العلة الوحيدة والحاصرة لجميع تلك الزيجات.

عند استقراء أسماء زوجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وظروف زواجه بهنّ، نجد أنّ جملةً منهنّ كنّ أرامل أو مطلقات أو ممن فقدن السند الاجتماعي. فلا يبقى – بعد إبطال دعوى الانقياد لداعي الشهوة – إلّا حمل تعدّد الزوجات على وجوهٍ أُخر، راجعةٍ إلى مصالح تشريعيّةٍ واجتماعيّةٍ وسياسيّة، وهو ما تشهد له الوقائع وتؤيّده القرائن:

 

أمّا الأسباب التشريعيّة نذكر منها:

السبب الأول: ترسيخ سنّة التكفّل بالأرامل وإيوائهنّ، ليكون ذلك سلوكاً جارياً بين المؤمنين، صيانةً لهنّ من الضيعة والمسكنة، مثل زواجه بسودة وأم سلمة وحفصة وأم حبيبة وصفية وزينب بنت خزيمة اللآتي مات عنهن أزواجهن.

 

السبب الثاني: إبطال بعض الأعراف الجاهليّة، كتحريم نكاح زوجة المتبنّى، حيث كان يُنزَّل منزلة الابن الصلبي، فجاء الفعل النبويّ تطبيقاً عمليّاً لرفع هذا الحكم، كما في قصّة زواجه بزينب بنت جحش بعد طلاقها من زيد بن حارثة، تصديقاً لقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا...} [الأحزاب:37].

 

وأمّا الأسباب الاجتماعيّة نذكر منها:

السبب الأول: رعاية الأرامل والمحتاجات، إذ كان الغالب على زوجاته أنّهنّ من ذوات الحاجة أو ممّن فقدن المعيل، فكان في زواجه بهنّ كفالةٌ وصيانة مثل زواجه من سودة بنت زمعة بعد وفاة زوجها، وكانت امرأة كبيرة في السن.

 

السبب الثاني: جبر الخواطر ومكافأة بعض من كان له سابقةٌ أو بلاءٌ في الإسلام، بما يليق بمقامه (صلّى الله عليه وآله)، مثل زينب بنت خزيمة التي كانت تُلقب بأم المساكين.

 

السبب الثالث: السعي في تحرير الرقاب وإزالة آثار الاسترقاق، كما في بعض زيجاته التي انتهت إلى العتق ورفع القيد، مثل زواجه من مارية القبطية، وصفية بنت حيي، وكان زواجه منهن سببًا في تحريرهن.

 

وأمّا الأسباب السياسيّة نذكر منها:

السبب الأول: توثيق العلائق بينه وبين القبائل المختلفة، بما يحقّق تأليف القلوب وتقوية الصفّ الإسلاميّ، كما في بعض الزيجات التي ترتّب عليها إسلام أقوامٍ أو تخفيف حدّة العداء، مثل زواجه من جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق، بعد وقعة بني المصطلق وقد كان المسلمون أسروا منهم مائتي بيت بالنساء والذراري، فتزوج (صلى الله عليه وآله) بها، فقال المسلمون هؤلاء أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم وأعتقوهم جميعا، فأسلم بنو المصطلق بذلك، ولحقوا عن آخرهم بالمسلمين وكانوا جما غفيرا، وأثر ذلك أثرا حسنا في سائر العرب.

 

السبب الثاني: إزالة الأحقاد وبناء جسور التواصل مع الأطراف التي كانت في حال خصومة، بما يفتح باب الاندماج الاجتماعيّ والدينيّ، مثل زواجه من صفية بنت حيي، التي كانت ابنة زعيم يهود بني النضير. فقد قُتل زوجها في معركة خيبر، كما قُتل والدها مع بني القريظة. وكانت صفية في سبي خيبر، لكنه اختارها وأعتقها وتزوج بها، مما حماها من الذل وأعطى فرصة للتواصل مع بني إسرائيل.

 

فلو افترضنا –جدلا- أنّ الشهوة هي العلة الحاصرة لجميع زيجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فلابد أن يكون هذا التفسير قادراً على تفسير مجموع الوقائع تفسيراً منسجماً. لكننا نجد أمامنا وقائع مختلفة:

زواجاً بامرأةٍ عاش معها وحدها ربع قرن تقريباً، وزيجاتٍ بأرامل، وزواجاً ارتبط بإبطال عرفٍ جاهلي، وزيجاتٍ كان لها امتدادٌ قبلي واجتماعي، وزواجاً ثبت فيه الإعتاق قبل الزواج، وخصوصياتٍ تشريعية نصّ عليها القرآن.

ومن هنا، فإنّ فرضية الشهوة المحضة لا تستوعب مجموع المعطيات، بينما التفسير القائم على تعدّد الدوافع والحِكَم ينسجم معها بدرجة أكبر.

 

الخلاصة:

يتضح مما تقدم أنّ الشبهة المذكورة تقوم على ثلاث مغالطات أساسية:

أولها: الملازمة بين التعدّد والشهوة المذمومة، وهي ملازمة غير ثابتة.

وثانيها: إثبات الدافع النفسي بمجرد وقوع الفعل، وهو استدلال لا يصح من الناحية المنهجية.

وثالثها: قياس الحكم الخاص بالنبيّ على الحكم العام لسائر المسلمين، مع أنّ القرآن نصّ على وجود خصائص تشريعية له في باب النكاح، فقال: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

وعليه، فإنّ تعدّد أزواج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لا يصحّ أن يُتخذ دليلاً على الانقياد للشهوة، بل إنّ دراسة سيرته تكشف عن تعدّد الجهات المرتبطة بتلك الزيجات: فمنها ما اتصل بالرعاية الاجتماعية، ومنها ما ارتبط بالتشريع وإبطال الأعراف الجاهلية، ومنها ما كان له أثرٌ في تأليف القلوب وتقوية الروابط، ومنها ما اشتمل على الإعتاق وصيانة الكرامة.

والأهم من ذلك أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لم يتجاوز تشريعاً إلهياً، بل كان ما اختصّ به من أحكام النكاح ثابتاً بالوحي، والخصوصية التشريعية لا تنافي الكمال، كما أنّ استعمال الغريزة في دائرة المباح لا ينافي العصمة ولا مقام النبوّة.

فالمعيار في الحكم على أفعال الأنبياء ليس إسقاط التصورات النفسية المعاصرة عليها، وإنما قراءة الفعل في ضوء النص، والسياق التاريخي، والوظيفة الرسالية، ومجموع القرائن.

وبذلك يتبيّن أنّ تفسير تعدّد زوجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالشهوة المحضة ليس إلا تفسيراً اختزالياً لا ينهض أمام التحقيق القرآني والتاريخي، وأنّ الأقرب إلى الإنصاف هو القول بتعدّد الدوافع والحِكَم، مع القطع بأنّ الحكم الشرعي الخاص بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) إنما ثبت بتشريع الله تعالى، لا باجتهاد شخصي منه.

والحمد لله ربّ العالمين.

: السيد علي رحيم الموسوي