إذا كان الحجّ في ظاهره فريضة عبادية، فإنّ التأمل في نصوص أهل البيت عليهم السلام يكشف عن بُعد آخر بالغ الأهمية، وهو كونه أحد أعظم مصادر القوة الناعمة في الإسلام، بل يمكن اعتباره النموذج الأرقى في التاريخ الإنساني لما يُعرف اليوم بالتأثير غير القسري في الشعوب والأمم.
فالقوة الناعمة ـ بحسب المفهوم المعاصر ـ هي القدرة على الجذب والتأثير من دون استخدام الإكراه أو القوة الصلبة، عبر منظومة القيم، والرموز، والثقافة، والسلوك. وإذا طبقنا هذا المفهوم على الحج، نجد أنه يمثل منظومة متكاملة من عناصر الجذب العالمي، التي تجعل منه حدثاً استثنائياً قادراً على التأثير في وعي الإنسان وسلوكه وهويته.
أولاً: الحجّ جاذبية روحية عابرة للحدود.
إنّ أول عنصر من عناصر القوة الناعمة في الحج هو الجاذبية الروحية، حيث يتحول هذا الموسم إلى مركز استقطاب عالمي تهوي إليه القلوب قبل الأجساد، ولهذا نجد أن الملايين يفدون إلى هذا المكان رغم المشقة والتكاليف والمخاطر مما يدل على أن الحج يمتلك قوة جذب فطرية لا يمكن تفسيرها بالمعايير المادية قال تعالى: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيق* لِّيَشْهَدُواْ مَنَـفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ)[1].
ثانياً: الحجّ صناعة الصورة الحضارية للإسلام.
من أهم وظائف القوة الناعمة في العصر الحديث هو تشكيل الصورة الذهنية، والحج يمثل أعظم منصة لعرض الإسلام بصورته الحقيقية ففي الحج يظهر الإسلام، دين وحدة لا تفرقة ودين مساواة لا طبقية ودين نظام لا فوضى حيث يقف الناس بلباس واحد وفي مكان واحد في زمان واحد وهذا المشهد بحد ذاته يمثل خطاباً عالمياً صامتاً يقول الإسلام قادر على توحيد البشرية وهذا المعنى أشار اليه الامام الباقر عليه السلام حيث قال «الحجّ تسكين القلوب)[2] أي ان الحج هو الطريق لتسكين القلوب والتلاقي الهادئ بين المسلمين وقال الصادق عليه السلام : ( فجعل فيه الاجتماع من المشرق والمغرب ليتعارفوا )[3]، فهو الطريق الإسلامي للتعارف بين المسلمين والتواصل فيما بينهم.
ثالثا: الحجّ والبعد الاقتصادي كقوة ناعمة
لم تغفل نصوص أهل البيت (عليهم السلام) عن البعد الاقتصادي للحج، حيث قال الإمام الصادق عليه السلام: «وليتربّح كلّ قوم من التجارات من بلد إلى بلد، ولينتفع بذلك المكاري والجمّال» وهذا يكشف أن الحج ينشّط الحركة الاقتصادية يربط الأسواق يخلق تفاعلاً بين الشعوب وهذا البعد الاقتصادي يعزز الترابط بين الأمم الإسلامية ويقوّي حضورها العالمي.
رابعا: الحجّ طريق لنشر الإسلام واثار النبوة
من اهم ما يتضمنه الحج خلال أداء المناسك انه طريق لنشر معالم الإسلام المحمدي الأصيل وعلوم اهل البيت عليهم السلام والتواصل بين العلماء والمسلمين لإيصال صوت الإسلام الى جميع انحاء العالم قال الامام الصادق عليه السلام: (ولتعرف آثار رسول اللهصلى الله عليه واله وتعرف أخباره ويذكر ولا ينسى)[4] وقال الإمام الرضا عليه السلام: «فإن قال: فلمَ أمر بالحجّ؟ قيل: لعلّة الوفادة وطلب الزيادة... مع ما فيه من التفقّه ونقل أخبار الأئمة عليهم السلام إلى كلّ صقع وناحية، كما قال الله عزّ وجلّ: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ... وَلِيَشهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)[5]، وهذا من اهم الأمور التي ينبغي ان يلتفت اليها اتباع اهل البيت عليهم السلاماثناء أدائهم لمراسيم الحج المبارك فعليهم ان يساهموا في نقل علوم اهل البيت الى العالم الإسلامي وتعريفهم بمنهج المذهب الحق ودعوتهم للاطلاع على هذا المذهب المبارك فهذه الفريضة طريق عالمي لنشر مذهب اهل البيت عليهم السلام وتعريفهم بالمشروع الإلهي الذي بدا بعلي وسينتهي بالقائم المهدي عجل الله فرجه الشريف.
خامسا: الحجّ والإمام (عجل الله فرجه) كقيادة خفية للقوة الناعمة
أن الحج ليس مجرد قوة ناعمة عفوية، بل هو ساحة إشراف إلهي مباشر فانه موسم يحضر فيه اعظم انسان في الوقت المعاصر وهو القائد الغائب الامام المنتظر المهدي عجل الله فرجه الشريف فينبغي تعريف الناس به لان حضوره ليس حضورا عفويا وانما يتواصل مع شيعته وانصاره كما كان يوسف عليه السلام يعيش بين الناس يعرفهم ولا يعرفهم وفي هذا فوائد جليلة وعظيمة ينبغي الفات انظار الناس اليها والدعاء له بالفرج والحفظ والأمان فالإمام عجل الله فرجه الشريفيشهد الأمة ويراقب حركتها ويتابع واقعها هذا يعطي للحج بعداً استراتيجياً أنه مركز تهيئة الأمة لمشروع الظهور قال الإمام الصادق عليه السلام : «يفقد الناس إمامهم فيشهد الموسم فيراهم ولا يرونه) ، وواضح ما في حضور هذا الموسم السنوي المهم من فرصة مناسبة للالتقاء بالمؤمنين من أنحاء أقطار العالم وتسديدهم ورعايتهم وقضاء حوائجهم على سنة موسى بن عمران ويوسف بن يعقوب صلى الله عليه واله.
الخاتمة:
ومن خلال هذا التحليل أن الحج يمثل قوة روحية جاذبة ومنصة حضارية عالمية ونظام تواصل أممي وأداة تأثير سلوكي وثقافي ووسيلة مقاومة وتواصل مع امام الزمان وطريق لنشر معالم الإسلام المحمدي الأصيل فضلا عن الثمار الروحية والمعنوية والبدنية التي ينالها الحاج من بركات هذه الفريضة، وبذلك فإن الحج ليس مجرد عبادة فردية، بل هو أعظم منظومة قوة ناعمة في الإسلام قادرة على جذب الشعوب وتشكيل الوعي الديني الصحيح ، وإعادة بناء الهوية وتمهيد الأرضية للمشروع الإلهي العالمي.
الهوامش: -----
[1] الحجّ: 27 ـ 28.
[2] أمالي الطوسي: 668/1398 و296/582.
[3] علل الشرائع: 405/6.
[4] نفس المصدر.
[5] عيون أخبار الرضا (ع): 2/90 / 1.

اترك تعليق