تُعدّ ظاهرة الجريمة والتعدّي من الظواهر الملازمة لمسيرة الإنسان منذ بدء الخليقة، فهي ليست طارئة على المجتمعات، بل متجذّرة في البنية الإنسانية نفسها. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة منذ اللحظات الأولى لخلق الإنسان، حين قال تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾، وكذلك عرض لنا مسالة قتل قابيل لهابيل، وهكذا الشواهد الأخرى التي تدل على ان مسالة التعدي والجرائم وتجاوز الحدود مسالة طبيعية نابعة من غريزة الانسان.
الجريمة بين الغريزة والعقل
إن الإنسان مكوَّن من مجموعة قوى أودعها الله تعالى فيه، وأهمها القوة العقلية (الضابطة) والقوة الشهوية والقوة الغضبية والقوة الوهمية والأصل أن تكون هذه القوى خاضعة لسلطان العقل، فإذا اختلّ هذا التوازن، وتمرّدت إحدى هذه القوى على العقل، وقع الإنسان في دائرة الانحراف، فالشهوة إذا انفلتت قادت إلى الفواحش، والغضب إذا طغى أنتج العنف والقتل والوهم إذا استحكم أوقع الإنسان في التبرير والضلال، وعليه، فإن الجريمة ليست حتمية، بل هي نتيجة اختلال التوازن الداخلي للإنسان واختياره الانحراف.
الاسباب الحقيقية لحصول الجرائم في المجتمعات
بعد ان تعرفنا على ان مسالة الجرائم مسالة موجودة منذ القدم، وبقدم الانسان وأنها مسالة نابعة من طبيعة خلق الانسان وغرائزه فأننا حينما نبحث عن الأسباب الحقيقة الواقعية التي قد تؤدي الى حصول حالات التعدي والجرائم نجد خليلة مسيرة الانسان التي ذكرت في القران الكريم وبعض النصوص التاريخية وحتى كتب العهد القديم وغيرها التي اشارت الى اهم حوادث البشرية في ضمن مسيرة التاريخ نجد ان هنالك أسباب أساسية عدة واهمهما:
الاول: السبب الأخلاقي.
من اهم الأسباب التي تدعوا الى الجريمة والتعدي وانتشارها بشكل واسع في المجتمعات هو غياب القيم الأخلاقية المحمودة، وانتشار الاخلاق الفاسدة في النفس فعلا سبيل، فتفشي حالة الحقد الحسد في نفس الانسان أدت عبر التاريخ الى حدوث جرائم كبرى في الواقع التاريخي، كما ذكر لنا القران الكريم قصة هابيل وقابيل.
وكذلك حالة الطغيان في النفس الانسان والانا الذي قد أدى عبر التاريخ الى حدوث وانتشار حالة الظلم والافساد في المجتمع كما حدثنا القران الكريم عن قصة فرعون وقومه وبنو إسرائيل وموسى.
وهكذا فان انتشار الاخلاق الفاسد وغياب القيم الخلقية الاصيلة، وانتشار الرذيلة سبب أساسي لتفشي حالة التعدي في المجتمعات، وعندما نلقي الضوء على واقعنا المعاصر في جميع البلدان سنجد ان غياب القيم الأخلاقية هي أساس الفساد والافساد في المجتمع فعندما تغيب قيمة الحياء، والاحتشام، والعفاف، ستظهر اضدادها كالإباحة – والخلاعة – والدعارة – والفواحش – والفسق – والنجاسة – والوقاحة فهذه هي اضداد الحياء.
وهكذا عندما يغيب العدل في المجتمعات سينتشر الظلم، وعندما يغيب الإصلاح – ينتشر الافساد والخ. اذن العامل الأخلاقي سبب أساس في تحقق الكثير من الجرائم في المجتمع.
الثاني: السبب العقائدي.
عند مراجعة التاريخ أيضا ومسيرة الأمم سنجد ان العامل العقائدي وانتشار العقائد الفاسدة وتعددها وظهور الحركات المتطرفة عبر التاريخ له دخل كبير في تحقق بعض الجرائم، فنالك بعض المذاهب العقائدية في جميع الديانات قد سببت الكثير من حالات الجرائم في المجتمع فعلا سبيل المثال المذهب الجبري او فرقة الجبرية وعقيدة الجبر التي ظهرت بدايتها بعد رحيل النبي الاكرم صلى الله عليه واله عن طريق كعب الاحبار، واستخدمها الحكم الاموي في كثيرا من حركة حكومته ، ضد من يعارضهم في المجتمع من العقائد التي ساهمت كثيرا في انتشار الجرائم ، لان كل فعل يقوم به البشر ضمن نظرة هؤلاء ينسب الى الله تعالى، وهذا بحد ذاته سيكون تبريرا لنتشار الجريمة ، فسعد بن عبادة لم يقتل بفعل البشر وانما قتله الجن ، و الحسين عليه السلام يقول في سبب قتله عبيد الله بن زياد لزينب : ( كيف رأيت صنع الله بكم ) انظر كيف يتم تبير هذه الجريمة عن طريق عقيدة الجبر ، وكذلك عندما دخلت عليه أيضا قال لها حينما رأى علي بن الحسين عليه السلام ( الم يقتل الله عليا )، وهكذا تطورت هذه العقيدة حتى صارت كفرقة بعد ذلك معروفة بالأشاعرة ويتبناها في واقعنا المعاصر بعض التيارات من المذاهب الأخرى ، وعلى أساسها صدرت الكثير من الفتاوى ضد اتباع مدرسة اهل البيت عليهم السلام.
الثالث: السبب السياسي:
التاريخ الإنساني يكشف أن الصراعات السياسية كانت من أكبر مولّدات الجرائم. فعند التنافس على السلطة او غياب العدالة في الحكم او استبداد الأنظمة، او عدم تطبيق القوانين التي تساهم في تنظيم المجتمع والحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم وحقوقهم كل هذه تحول الدولة نفسها إلى أداة لإنتاج الجريمة، من خلال القمع والقتل والإقصاء وتصفية الخصوم، ولهذا فإن كثيراً من المجازر والحروب عبر التاريخ كانت ذات جذور سياسية، لا أخلاقية فقط.
الرابع: السبب القبلي:
ومن اهم الأسباب التي تؤدي أيضا الى حصول الجرائم هو الصراعات القبلية، والعادات القبلية المخالفة للشريعة الإلهية، فان التعصب القبلي واعتماد القبلية الأعراف المخالفة للشريعة وتقديم الانتماء على الحق، والنزعات القبلية، والتعلق بمقولة الثأر الغير مروع، والاعتداء بدافع العصبية، وانتهاك الحقوق باسم العادات كل هذه سبب أساس لانتشار الجريمة في المجتمعات، وهذا النوع من الجرائم أخطر؛ لأنه يجد غطاءً اجتماعياً يحميه.
الخامس: السبب الاقتصادي:
ويعد العامل الاقتصادي أحد اهم أسباب الجرائم في المجتمعات البشرية، فالفقر والحرمان وعدم العدالة في توزيع الثروة من أبرز المحرّكات للجريمة فحين ينتشر الفقر وتنعدم فرص العمل وتتكدّس الثروة بيد فئة قليلة ينشأ شعور بـالظلم والحقد الطبقي وفقدان الأمل وهذا يدفع بعض الأفراد إلى السرقة والاحتيال والاتجار بالمحرّمات والانخراط في الجريمة المنظمة لذلك ترى ان القران الكريم أسس لنظام الانفاق وقضاء الحوائج والصدقات والحقوق الشرعية فكل هذه حتى يعيش المجتمع حالة من الاكتفاء الذاتي الذي يؤمن حاجته الأساسية من دون اللجوء الى مثل هذه الأمور.
السادس: السبب التربوي:
فان من اهم الأسس التي تحد من جميع السلبيات الاجتماعية هو التنشئة الاسرية فالأسرة هي المصنع الأول لبناء الانسان وتكامله، فإذا اختلّت اختل كل ومن أبرز مظاهر الخلل التربوي هو غياب الرقابة الأسرية والقسوة المفرطة أو التدليل الزائد ، وضعف التوجيه الديني والأخلاقي فهذا عامل أساس في جميع أنواع الانحرافات فكثير من الاسر لم تلتزم بالشريعة المقدسة ولم تعمل بالتكاليف على وفقها وكذلك التفكك الأسري فهو عامل لشيوع الجرائم لأنه يؤسس الى غياب الرقابة الى الابناء ، وهذا يؤدي إلى صنع وظهور شخصية غير متزنة قابلة للانحراف فالطفل الذي لا يُربّى على الحلال والحرام والمسؤولية
وضبط النفس والأخلاق الحسنة سيتحول غالباً إلى فرد مهيأ للجريمة عند أول اختبار.
السابع: السبب الإعلامي:
الإعلام اليوم ليس ناقلاً للواقع فقط، بل صانع له، حيث نعيش في عصر التطور التكنلوجي وانتشار وسائل التواصل مع جميع انحاء العالم من خلال الهواتف الذكية وشبكات الانترنت ، وهذا في الواقع فيه ابعاد كثيرة جدا فعن طريق هذه الأدوات اليوم يؤسس الى مفاهيم تسببت في انتشار الجرائم منها نشر مظاهر العنف ، وفتاوى التكفير ، وحالات الابتزاز ، والسرقات الالكترونية ، والتواصل مع المجرمين والارتباط بشبكات إجرامية وارهابية وحركات منحرفة كلها تساهم في انتشار الجرائم بمختلف العناوين والمستويات .
هذا من جهة ومن جهة أخرى البرامج المعدة من قبل الغرب التي تمهد للجريمة فحينما تُعرض الجريمة كقوة وذكاء و ُمجَّد المجرم في الأفلام وتُروّج الرذيلة باسم الحرية، وتنتشر ثقافة الإرهاب والاعتداء على المرأة والتحرر، فإن ذلك يؤدي إلى كسر الحواجز النفسية تجاه الجريمة وتطبيع السلوك المنحرف وتقليد النماذج الفاسدة خصوصاً عند الشباب، حيث يتحول المجرم إلى نموذج والمنحرف إلى قدوة وهذا أخطر من الجريمة نفسها، لأنه يصنع أجيالاً تتقبلها وتعمل على انتشارها.
ان وسائل الاعلام اليوم من أبرز القنوات والأسباب التي تؤدي الى انتشار الجرائم وذلك لأنها فضاء مفتوح لجميع الأجيال على مختلف أعمارهم واجناسهم من دون رقابة اسرية وقانونية وحتى اجتماعية او ذاتية.
الثامن: السبب القانوني:
ان القانون في كل بلدة او مجتمع هو الأساس في تنظيم الحياة فان إذا لم يكن عادلاً أو حازماً او لم يفرض دوره الحقيقي على المجتمع، سيصبح مشجّعاً للجريمة، ومن مظاهر الخلل ضعف العقوبات أو عدم تطبيقها، والفساد في القضاء والتمييز في تطبيق القانون والإفلات من العقاب، فعندما يرى المجرم أن بإمكانه الهروب، أو شراء الحكم، أو استغلال النفوذ فإنه يتمادى في الجريمة بلا خوف ولهذا قيل: (العدالة البطيئة أو المنحازة هي ظلم آخر) لان تصنع جيل لا يهاب القانون ويعمل من دون ردع او خوف او رقابة قانونية حقيقية .
التاسع: السبب الفكري:
ان هناك أسباب فكرية مهمة قد تساهم في انتشار الجريمة وذلك حينما تفهم او تقرا او تصدر خطأ منها تشويه مفهوم الحرية حيث تُطرح الحرية على أنها فعل ما يشاء الإنسان بلا ضوابط وبلا مسؤولية وهذا يؤدي إلى الانفلات الأخلاقي والتمرد على القيم وتبرير الشهوات، بينما الحرية الحقيقية هي حرية منضبطة بالحق ضمن ضوابط الشارع المقدس، والمنطق العقلاني، والعرف، والمرتكزات الثابتة، وبدونها تكون الحرية مندفعة نحو الفوضى وهذا يساهم في انتشار الجرائم في المجتمع.
الخاتمة:
إن الجريمة ليست حادثة منفردة، بل هي نتيجة منظومة مختلّة، فإذا أردنا القضاء عليها، فلا يكفي أن نعاقب المجرم، بل يجب أن نعالج الفكر الذي برّرها والبيئة التي احتضنتها، والنفس التي اندفعت إليها، ووجود قانون صارم وفهم صحيح للمفاهيم الاجتماعية التي تساهم في تنظيم حياة المجتمع والاساس في ذلك كله هو تحكيم الشارع المقدس والرجوع الى الله عز وجل والقران الكريم والعترة الطاهرة لمعرفة جميع الأسس والقوانين الإلهية التي تساهم في الحد من انتشار الجرائم وتنظيم حياة البشر ضمن اطر التعايش السلمي البنا.
فالمجتمع العادل، الواعي، الأخلاقي، هو وحده القادر على تحويل الإنسان من مشروع جريمة إلى مشروع صلاح وإعمار.

اترك تعليق