الأسرة لغةً: أُسرة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون؛ لأنّه يتقوى بهم [1]، وهي مأخوذة من الأسر بمعنى القوّة؛ سمّوا بذلك لأنّ الإنسان يتقوّى بهم[2].
والأسرة: وهي عشيرة الرجل وذوو قرباه، وأيضاً زوجته وأخصّ الناس به[3].
والاُسرة: أهل الرجل وعشيرته، والجماعة يربطها أمر مشترك[4] .
والاُسرة: أهل بيت الإنسان وعشيرته، وأصل الاُسرة الدرع الحصينة، وأطلقت على أهل بيت الرجل؛ لأنّه يتقوى بهم[5].
الأسرة اصطلاحا: فإنّ مفهوم الاُسرة يتطور عبر الزمان ويتأثر بالمكان، ويطلق في الإسلام على الجماعة المكونة من الزوج والزوجة وأولادهما غير المتزوجين الذين يقيمون معاً في مسكن واحد، وعندما نقيّد الاُسرة بقولنا: الاُسرة المسلمة، فلا بدّ لأفرادها من أن يكونوا في أفكارهم وعواطفهم وسلوكهم من الملتزمين بأحكام الإسلام[6] .
واصطلاحا: هي أصغر وحدة في النظام الاجتماعي، ويختلف حجمها باختلاف النظم الاقتصادية[7].
دور الأسرة في المجتمع
للأسرة دور كبير في بناء المجتمع ويتضمن أسهامها في بناء الفرد ومن خلال التكاتف العائلي والتعامل الأسري، فيما بين الأسر، وقد أسس الإسلام الحنيف مجتمعا مباركا سائرا على الطريق الصحيح، الذي يكون عمدة في بناء المجتمعات، وتكون الأسر مترابطة متحابة فيما بينها، متبادلة الأواصر والشعائر والتقاليد، وهي من شخصين أي تكوين الأسرة من الزوج والزوجة، وهو إساس في التنشئة الخاصة في حرصها على تربية الأولاد، تربية صالحة وكما يلي:
1- إن الأسرة في المجتمعات السابقة تتكون الأسر من الزوج وزوجته، ومعه أولاده، وأزواجهم وأولادهم وعبيدهم، وهم يقيمون في مسكن مشترك، أو في وحدات سكنية مستقلة، ولكن معيشتهم مشتركة، وتحت إشراف رب العائلة الذي يتولى مسئوليتهم.
٢ -يطلق على الأسرة بهذه التسمية عندما يكون للرجل أكثر من زوجة في علم الاجتماع: الأسر المركبة، وهي المكونة من الرجل وزوجاته وأبنائه منهن، ويقوم رب الأسرة بنفس الدور كزوج وأب لجميع الأبناء، وتوجد هذا الأسرة في المجتمعات التي تسمح بتعدد الزوجات.
٣ -الأسرة الصغيرة: هي النموذج الوحيد للأسرة في المجتمعات الصناعية، وهي تتكون من زوج وزوجة وأبناء لم يبلغوا سن الثامنة عشرة.
ويعرفوا الأسرة: هي الخلية الأولى في المجتمع وهي البناء الاجتماعي السائد على امتداد التاريخ.
وقد تدخلت الدولة في العصر الحديث بقوانينها وخدماتها، لشد أزر الأسرة من قوانين الزواج والطلاق، وحقوق كل طرف كما قدمت خدماتها لتعليم الأطفال ورعايته صحيا واجتماعيا.
وأساس تكوين الأسرة الزواج، فهو نظام اجتماعي تبدأ به الأسرة وتُبنَى عليه، وهو نظام معترف به في كل زمان ومكان، كأساس لنشأة العلاقات الأسرية، كما أنه النظام المشروع الذي يرضى عنه المجتمع وتعرف الشرائع السماوية لإنجاب الأطفال.
والزواج ضرورة اجتماعية لصالح المجتمع، لأنه ينظم العلاقات بين الذكور والإناث، كما أنه يؤدى إلى عمران المجتمع بالناس الذين لولاهم لما تكون المجتمع.[8]
لذا عنى الإسلام بالحديث عن العلاقة بين الرجل المرأة، وتنظيمها، وإضفاء صفة القدسية عليها، فذكر أولا أن العلاقة بين الذكر والأنثى هي قاعدة الحياة البشرية، وبين أن عنصري الأمة الذكر والأنثى من أصل واحد، فلا فارق بينهما في أصل الخلق، وأن ما تكاثر من بنى البشر على وجه الأرض إنما هو منبثق منهما، وعلاقتهما المقدسة سبب مباشر لإعمار الكون[9]، فقال تعالى{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[10] بين الإسلام أن اللبنة الأولى في بناء المجتمع هي الأسرة، وأن المودة والرحمة هما أساس الحياة الزوجية، كي يسكن كل إلى الآخر ويطمئن إليه فقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[11].
الأسرة نواة المجتمع
تعد الأسرة النواة المهمة في المجتمع، ولم يترك الشارع المقدس هذه المنظومة دون أن يؤسس لها نظام وحقوق وواجبات يلتزم بها أفرادها، لتنظيم حياتهم ووفق منهجية لا يمكن أن تسبب لهم الانحراف عن جادة الحق إذا اتبعوها والتزموا بها عند تنتظم حياتهم، وحينما يعرف كل طرف حقوقه وواجباته اتجاه الاخر ابتداء من الأب، والأم، والأولاد، ووفق ذلك يعيش كل فرد منهم في جو يسوده الهدوء والتفاهم لتستمر المودة بينهم، وإن العائلة المسلمة التي تريد أن تطبق قوانين الإسلام في الأسرة يجب أن تسودها الأمور التالية بشكل جيّد:
أواصر المحبة: ونقصد به، تبادل الحُب والعطف بين الزوجين من ناحية، وبينهما وبين الأولاد من ناحية أخرى، فإن الأسرة إذا غادرها الحب، وهجرها العطف، لا بُدَّ أن تتفاعل فيها عوامل الانهيار والهدم، فتُهدِّد مصير الأسرة.
ولا بُدَّ أن كل دقيقة تَمر عَبر حياة هذه الأسرة تنذر بأن تكون هي تلك الدقيقة التي تتحول فيها إلى ركام من أنقاض ورماد، لأنها تكون دائماً على مسرح خطر معرض للهيب النار، ولفحات البركان.
إن الحب المتبادل يجب أن يرقد في قلب كل واحد من أفراد الأسرة، حتى يكون قنديلاً يضيء له دروب الحياة، ونبراساً لمسيرته نحو روافد السعادة وينابيع الازدهار، ومنابع الخير والنعيم، ومن ثم يكون مشعل الحياة الفُضلى في درب الحياة، إن الحب المتبادل هو العامل الفعَّال الذي يدفع كل واحد من أفراد الأسرة إلى أن يتحمل مسؤولياته برحابة صدر، فكل واحد يشعر بأنه سعيد لأنه يتمتع بعطف الآخرين، وحُبهم العميق، ولهذا فإن الإسلام يركّز كثيراً على هذه النقطة، يقول الإمام الصادق (عليه السلام) مؤكداً ذلك: (إِنَّ الله عزَّ وجلَّ لَيرحم الرَّجل لِشِدَّة حُبِّه لولده)[12]
كما يؤكد الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله) ذلك بقوله: (أَحِبُّوا الصِّبْيَانَ وارْحَمُوهُمْ..)[13] لأن الحُبّ والرحمة عاملان أساسيان في توطيد العلاقات العائلية.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه واله): (أحبوا الصبيان وارحموهم وإذا وعدتموهم شيئا فَفُوا لهم، فإنهم لا يدرون إلا أنكم ترزقونهم)[14]
وحبّ الأولاد للوالدين ردّ فعل لحبّ الوالدين لهما، فإذا كان الحبُّ هو السائد في العلاقة بين الولد ووالديه، فإنّ الطاعة لهما ستكون متحققة الوقوع، وعلى الوالدين أنْ يُصدرا الأوامر برفق ولين وبصورة نصح وإرشاد، فإن الأولاد يستجيبوا لهما، أمّا استخدام التأنيب والتعنيف فإنه سيؤدي إلى نتائج عكسية.
التعاون المشترك: يجب أن يسود التعاون المشترك في المجالات المختلفة بين أفراد العائلة؛ لكي لا تُشَل الأسرة عن حيويتها ونشاطها بصورة مستمرة، فإن التعاون يطرد الإرهاق، ويذيب التذمر من تحمل المسؤوليات، وكذلك يوطد علاقات أفراد الأسرة بعضهم مع بعض، ولا يدع مجالاً لأن يتسرب التفكك إلى ربوع العائلة المسلمة، التي تلتزم بمبدأ التعاون، والتكافل الاجتماعيين.
والتعاون بين أفراد العائلة لا بُدَّ وأن يقود سفينة الحياة نحو مرافئ السعادة، ونحو موانئ الرفاه، والهناء، والدفء، والتعاون لا بُدَّ أن يحقّق كل الآمال التي يعيشها جميع أفراد العائلة، ويترجمها على حلبة الواقع العملي، التعاون لا بُدَّ أن يجسد كل الأماني التي تدور في سراب الأفكار، فيمثلها مجسمة نابضة بالحياة.
ما أجمل أن يكون الكبير والصغير في وسط كيان الأسرة يعمل ويكدح ويكافح وهذا كله يعتمد على فاعلية الزوجين الكريمين وانسجامهما، وهذا الانسجام والتعاون فيما بينهما ينعكس على شخصية الأبناء من بنين وبنات مما يجعلهم سندا لوالديهما بدءً من صغير الأمور إلى كبيرها؛ أي من العمل البسيط ومساعدة الأم في المطبخ إلى التعاون في الهم المعيشي خارج البيت وتوفير متطلبات شؤون الحياة.. أيضا تبادل الخبرات والكفاءات والتجارب بين الزوجين، فما اكتمل تصوره وأثمر نضجه عند الزوج تلقفه الزوجة بكل أدب وتواضع واحترام من دون أنفة وكبرياء، هذا هو غاية الثمرة والمنفعة والفائدة التي بها تتم سعادة الأسرة، والشأن نفسه بالنسبة للزوج فعليه أن يستفيد من خبرات زوجته في شؤون ومناحي الحياة من دون التعرض لحساسيات الفوقية أو الدونية بينهما.
إن الأسرة المسلمة تكون مبنية على أساس من الفضيلة مسؤولها الرئيس وهو الزوج وبعده الزوجة ثم الأبناء، ويمكن أن نصطلح على هذه المكونات مؤسسة، والمؤسسة التي تسير وفق شروط منضبطة تحترم فيها القوانين وتكون مبنية على الشورى عند اتخاذ القرارات هي المؤسسة المثالية الناجحة..
فالبيت الذي يسوده الحوار الهادئ، والاحترام المتبادل يسهم في توسيع قدرات الأطفال ويكمل مهاراتهم ومعارفهم وينشئهم على التعاون والبذل والعطاء داخل البيت وفي الشارع وفي المدرسة ومن ثم تتشكل منهم شخصية سوية متوازنة، فاعلة ومنتجة.
الاحترام المتبادل: تبادل الاحترام، والتوقير، والإحسان، سواءً من جانب الصغير للكبير، أو من جانب الكبير للصغير، يزرع بذور الشعور بالشخصية، ويغرس أوتاداً توطد العلاقات الأُسرية بين الأفراد. فعلى الوالدين أن يرحما الأولاد؛ لكي يحترمهما الأولاد من جانبهم، وكذلك على الأبناء أن يحترموا الآباء، ويحترم أحدهم الآخر، ويؤكد الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله) على هذه الناحية بقوله: (وَقِّروا كِباركم، وارحَموا صِغاركم)[15].
كما يؤكدها الإمام علي (عليه السلام) بقوله: (وَارحَم من أهلِكَ الصغير، وَوقِّر الكبير)[16].
فالإسلام يبني علاقات الأسرة على أساس من الإحسان المتبادل بين الزوج والزوجة، والزوج والأولاد، والزوجة والزوج، والزوجة والأولاد. ويحدّد القرآن الحكيم طرقاً من هذه العلاقة النبيلة، حيث يخط ضمن آية من آياته: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ}[17] وهو يرفض حينما يرسم العلاقات الأسرية أن ينشأ التنافر والتضجر بين أفراد العائلة، أو ينبت التذمر والابتعاد، فيحرض دائماً أن يقيم الأولاد علاقاتهم على أساس العطف، والحنان، والاحترام، والإحسان.
قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا }[18]
الهوامش:----
[1] -أبن منظور، لسان العرب، مادة أسر،4: 20.
[2] -مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي، الموسوعة الفقهية، ص474، ج12.
[3] - المصدر نفسه، من لسان العرب 1: 253. القاموس المحيط 3: 486. مجمع البحرين 1: 93.
[4] - المعجم الوجيز، لمجمع اللغة العربية: 16، دار الثقافة، قم 1411 هـ. .
[5] -مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي، الموسوعة الفقهية، ص474، ج12.
[6] -القرشي، العلامة باقر شريف، نظام الاُسرة في الإسلام، ص18.
[7] - مجموعة مؤلفين، موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة، ص22.
[8] - مجموعة مؤلفين، موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة، ص22.
[9] - مجموعة مؤلفين، موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة، ص22.
[10] -سورة النساء، الآية: 1.
[11] - سورة الروم، الآية :21.
[12] -الكليني، العلامة محمد بن يعقوب، الكافي، ص50، ج6.
[13] - المصدر نفسه، ص49.
[14] -المصدر نفسه، ص49.
[15] - المجلسي ، العلامة محمد باقر، بحار الانوار،ص357،ج93
[16] -الطوسي، محد الحسن، الأمالي، ص8.
[17] - سورة البقرة، الآية:83.
[18] - سورة الاسراء، الآية: 23.

اترك تعليق