الاستراتيجية الحربية فكر الامام علي ابن ابي طالب

مما لا شك فيه ان أهمية الجيش وفق منظار أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يكمن في تصنيفه لهذه الطبقة كأول طبقة من طبقات المجتمع الاسلامي ما يؤكد ذلك قول الامام (عليه السلام) فالجنود هم:" حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الأمن وليس تقوم الرعية إلا بهم"[1]، يتضح لنا من النص ان الجيش يمثل إحدى الدعامات الرعية التي لا تقوم إلا بوجود منفذ القانون وحامي الدولة ، كما ان الامام يرى تحقيق ذلك الامن وتوفير ذلك النظام من خلال توفير وتعبئة الجنود الذين هم حصون الرعية وحافز لها على العمل بالسوية.

كما ان الامام علي (عليه السلام) حدد مواصفات الجندي فهي تمثل اولاً الإيمان بما يقاتل من اجله قائلا:" لا يصبر على الحرب ويصدق في اللقاء إلا ثلاثة مستبصر في دين او غيران على حرمة او ممتعض من ذل"[2]، اما الصفة الثانية فهي الشجاعة فقد وضح (عليه السلام) ذلك لما أعطاه الراية يوم الجمل لابنه محمد ابن الحنفية قائلا "تزول الجبال ولا تزل ،عض على ناجذك ، اعر جمجمتك، تد في الأرض قدمك ، أرم ببصرك أقصى القوم وغض بصرك واعلم ان النصر من عند الله سبحانه"[3]، فإذا نظرنا الى تلك الافكار التي لا تحمل مقاييس للشجاعة فقط بل تعتبر نداءاً تحريضياً ونوع من انواع التعبئة الفكرية للمقاتل، فضلا عن ذلك كانت قراءة في علم نفس الحرب التي تؤكد اليوم ان العض على النواجذ يشد أعصاب الدماغ ويحرك الدم الغاضب، وغرز القدم بالأرض هو نوع من الثبات والنظر لأقصى القوم يسهل على النفس احتواء الجموع وتهوينهم، بالإضافة الى ذلك ان النص يحمل مفهوم اليقين ان النصر من عند الله سبحانه وتعالى وهذا ما يجب ان يؤمن به المقاتل به.

وكما حدد الصفة الثالثة التي يجب توفرها في المقاتل هي الاستعداد، قائلا  :" فخذوا للحرب اهبتها واعدوا لها عدتها واجمعوا آلتها..."[4]، واما الصفة الاخرى هي الطاعة فلا يمكن انتصار الجيش من دون طاعة القائد والاوامر التي تصدر منه، فعندما أمر الإمام (عليه السلام) واليه مالك الاشتر في أحد الحروب بعث الى القادة والجنود قائلا: "وقد أمرت عليكم أيها القادة وعلى من في حيزكم مالك بن الحارث فاسمعوا له وأطيعوا واجعلوه درعا ومجننا "[5]، يبدو ان الامام امر القادة والنجود ان يجعلوا هذا القائد درعا ومجننا اي ان يحيطوه ويلتفوا حوله ويتمسكوا به.

وفي الوقت نفسه نجد ان الامام علي (عليه السلام) يحدد مواصفات وظائف القائد منها على سبيل المثال "الحزم" ، ويجب ان يكون "نقي الجيب" و"الأفضل في الحلم" ، ومن "يبطئ عند الغضب" ، و "يراف بالضعفاء" ، و"يشد على الأقوياء" ، وممن "لا يثيره العنف" ولا "يقعد به الضعف" وغيرها مؤكدا ذلك في قوله (عليه السلام):" ذلك إلاّ بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزوم الحقّ ... فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً، وأفضلهم حلماً ، وأجمعهم علماً وسياسة ، ممّن يبطئ عن الغضب ، ويسرع إلى العذر، ويرأف بالضعفاء ، وينبو  على الأقوياء ، ممّن لا يثيره العنف ، ولا يقعد به الضعف.." [6]، يمكن القول ان هذه الأطر العامة التي وضعها الامام لتحقيق جيشاً قوياً مؤمناً، فضلا عن ذلك أن يصنع الهيبة للقائد وبالتالي فان أوامره سوف تكون بفعل هذه الهيبة مطاعة، ولهذا فان إطاعة الأوامر العليا للقيادة أحد خصائص القادة وعدم ذلك يعني حدوث خللا في القيادة .

وفي ضوء ما تم استعراضه استقرائيا من مواصفات القائد والجندي، وهنا نجد ان الامام (عليه السلام) قد اهتم بالجيش حتى في دعائه وصلواته، كما عمل على تقسيمه عند الزحف للقتال الى ميمنة وميسرة وقلبا يكون هو فيه، ثم يجعل لها روابط ويقدم عليها مقدمين ويبدا بعد ذلك بالتعبئة، عندها يأمر جيشه بخفض الأصوات والدعاء واجتماع القلوب وشهر السيوف وإظهار العدة ولزوم كل قوم مكانهم ثم رجوع كل من هاجم الى صفه بعد الهجوم[7]، وكذلك من أسس التنظيم عن الامام (عليه السلام) اثناء الزحف للعدو هو تعبئة الكتائب وتفرقة القبائل ثم يقدم على كل قوم قائداً ويصف الصفوف ويكردس الكراديس ثم يزحف للقتال[8]، ولقد أكد الامام على هذا أهمية في التنظيم قائلا: "قدموا الرجالة والرماة فليرشقوا بالنبل وليتناوش الجنبان، واجعلوا الخيل الروابط والمنتجية رداءا للواء والمقدمة ولا تنشزوا عن مراكزكم لفارس شذ من العدو" [9] ، ولذلك ان من النقاط المهمة التي أشار إليها الإمام (عليه السلام) في السياسة الحربية هي تنظيم الجيش  وكان يوصي جيشه من انه إذا نزل بعدو او نزل العدو فيه فيجب ان يكون معسكره من قبل الإشراف أي انه يملك زمام المبادرة ، او في سفوح الجبال او الأنهار كي يكون درعا او حجابا، ثم يوصي أن تكون المقاتلة من وجه واحد أو اثنين، كما انه (عليه السلام) لم يغفل عن دور الاستطلاع او الاستخبار بقوله:" وَ اِجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي اَلْجِبَالِ وَ مَنَاكِبِ اَلْهِضَابِ لِئَلاَّ يَأْتِيَكُمُ اَلْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ اَلْقَوْمِ عُيُونُهُمْ وَعُيُونَ اَلْمُقَدِّمَةِ طَلاَئِعُهُمْ.." وكذلك يوصي بعدم التفرق وان ينزل الجيش بأجمعه او إذا ارتحل فسيرتحل بأجمعه قائلا:" وَ إِيَّاكُمْ وَ اَلتَّفَرُّقَ فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَمِيعاً وَ إِذَا اِرْتَحَلْتُمْ فَارْتَحِلُوا جَمِيعاً "، وكما يؤكد الإمام على عدم الاستسلام للنوم فلا يذوق الجيش النوم إلا قليلا  قائلا (عليه السلام):"  إِذَا غَشِيكُمُ اَللَّيْلُ فَاجْعَلُوا اَلرِّمَاحَ كِفَّةً وَ لاَ تَذُوقُوا اَلنَّوْمَ إِلاَّ غِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةً" [10].

وكما ان الامام علي (عليه السلام) يرشد قادة الجيش الى ضرورة التنظيم الدفاع والهجوم، مؤكد على ذلك اذا :" زحف العدو إليكم فصفوا على أبواب الخنادق فليس هناك إلا السيوف، ولزوم الأرض بعد التحام الصفوف ولا تنظروا في وجوههم، ولا يهولنكم عددهم، وانظروا الى أوطانكم من الأرض، فان حملوا عليكم فاجثوا على الركب. واستتروا بالأترسة صفا محكما لا خلل فيه، وان أدبروا فاحملوا عليهم بالسيوف، وان ثبتوا فاثبتوا على التعابي وان انهزموا فاركبوا الخيل واطلبوا القوم[11].

بالإضافة الى ذلك يصف (عليه السلام) الجيش في حال التراجع وهزيمة قائلا :" فتداعوا واذكروا الله وما توعد به من فر من الزحف، وبكتوا من رأيتموه ولى، واجمعوا الألوية واعتقدوا وليسرع المخفون في رد من انهزم من الجماعة الى المعسكر ولينفر فيه إليكم فإذا اجتمع أطرافكم، واتت إمدادكم، وانصرف فلكم، فالحقوا الناس بقوادهم ، واحكموا تعابيهم، وقاتلوا واستعينوا بالله واصبروا"[12] ، ومن هذه النصيحة الأخيرة نجد ان امير المؤمنين علي(عليه السلام) يؤكد لهم على أهم الستراتيجيات الحربية ، كما نستنتج مما تقدم انه كان يضع أمراء أجنحته وجنوده أمام صورة واضحة للأهداف المطلوبة في القتال، فالأهداف واضحة هي تدعيم كيان الدولة الإسلامية " ألا إنا ندعوكم إلى الله وإلى رسوله، وإلى جهاد عدوّه، والشدة في أمره، وابتغاء مرضاته، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصيام شهر رمضان، وتوفير الفيء على أهله " فاَلسَّلامُ عَلَى الْمَوْلُودِ فِي الْكَعْبَةِ الْمُزَوَّجِ فِي السَّماءِ، اَلسَّلامُ عَلى اَسَدِ اللهِ فِي الْوَغى، اَلسَّلامُ عَلى مَنْ شُرِّفَتْ بِهِ مَكَّةُ وَمِنى، اَلسَّلامُ عَلى صاحِبِ الْحَوْضِ وَحامِلِ اللِّواءِ ورحمة الله وبركاته .

جعفر رمضان

 

[1] -محمد عبده ،شرح نهج البلاغة، (بيروت، دار المعرفة ، 1982)،ج3، ص90.

[2] -ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم،(مصر:1959)،ص288.

[3] -محمد عبده ،المصدر السابق ،ج1، ص43.

[4] - المصدر نفسه ،ج1، ص67.

[5] - المصدر نفسه،ج3، ص14.

[6] - المصدر نفسه،ج3، ص91.

[7] -النعمان المغربي، دعائم الإسلام تحقيق اصف بن علي ، (مصر: 1963)،ج1، ص372.

[8] - المصدر نفسه، ج1، ص372.

[9] -المصدر نفسه،ج1، ص372.

[10] - محمد عبده، المصدر السابق، ج3، ص3.

[11] -النعمان المغربي، المصدر السابق،ج1ج373.

[12] - المصدر نفسه،ج1ج374.

المرفقات