كشاجم.. شاعر الولاء والعقيدة

الأدب الحسيني

2019-02-11

387 زيارة

 

مما لا ريب فيه أن القرن الرابع الهجري يمثل الفترة الذهبية في تاريخ العلوم والمعارف الإسلامية, إذ شهد هذا القرن حركة علمية وأدبية شاملة كان محورها كثير من العلماء والأدباء والمفكرين الذين كانوا أقطاب مجالس الفقه والتفسير والحديث والمنطق والفلسفة والتاريخ والأدب والنحو واللغة، فبلغ ذلك العصر بهم أوج كماله واتساق معالمه.

ولعل من أهم الأسباب التي ساعدت على ولادة هذه الحركة هو حرية الرأي وتتبع العلاقات الواشجة بين الأمم وتلاقح الثقافات وغيرها من العوامل المؤثرة والمتأثرة التي اتكأت عليها هذه الحركة غير أن العامل الأهم في ازدهار هذه الحركة هو أنها نهلت من الثقافة الاسلامية تراثها العظيم فكان هذا العامل هو المحور الذي دارت عليه العلوم والمعارف لهذه الحركة التي ازدهرت بتعدد عناصرها وتشكيل سماتها.

كشاجم

وكانت المجالس العلمية في ذلك الوقت تزخر بمختلف العلوم فلم يكن المجلس الواحد يقتصر على علم واحد وهذا ما جعل روّادها يبدعون في أكثر من مجال علمي وهو ما اجتمع للشاعر أبي الفتح محمود بن محمد بن الحسين بن سندي بن شاهك الرملي المعروف بـ (كشاجم) وهو من أصل فارسي, وقد لقب بهذا اللقب إشارة بكل حرف منها إلى علم: فبالكاف إلى أنه كاتب، وبالشين إلى أنه شاعر، وبالألف إلى أدبه، أو إنشائه، وبالجيم إلى نبوغه في الجدل أو جوده، وبالميم إلى أنه متكلم، أو منطقي، أو منجّم وقيل إنه فضلاً عن نبوغه في هذه العلوم فقد برع أيضاً في الطب فزيد على لقبه حرف الطاء فقيل طكشاجم، إلا أنه لم يشتهر به.

كان كشاجم نابغة من نوابغ عصره شاعراً وكاتباً ومتكلماً ومنطقياً ومحدِّثاً ومحققاً ومجادلاً وجواداً, ورغم براعته في جميع ما ذكرناه من العلوم إلا أنه أولع بالشعر فكان لا يجارى ولا يبارى حتى أن السري الرفاء الشاعر الكبير المعروف على تقدمه في فنون الشعر كان مغرىً بنسخ ديوانه وكان يسعى إلى محاكاته وقد غلبت على كشاجم شهرة الشعر حتى قيل:

يا بؤس من يُمـنى بدمعٍ ساجمِ   ***   يهمي على حجبِ الفؤادِ الواجمِ

لولا تعلّله بكــــــــــأسِ مُدامةٍ   ***   ورسائلِ الصابي وشعرِ كشاجمِ

ويجد القارئ شواهد ذلك من خلال ديوانه الذي تطفح فيه علائم تضلعه في اللغة والحديث وبراعته في فنون الأدب والكتابة.

مولده ونسبه

ولد كشاجم في الرملة وهي من نواحي فلسطين, وقيل في بلاد فارس, ورغم أن المصادر لم تشر إلى سنة ولادته على وجه التحديد لكن يلوح من خلال شعره إلى أنه ولد أواخر القرن الثالث كما يتضح ذلك من سنة وفاته (360هـ), كما لم تشر المصادر أيضاً إلى نشأته الأولى وتعليمه غير أن الذي يتبين من خلال المصادر إلى أنه غادر مسقط رأسه ــ الرملة أو إيران ــ في سن مبكرة فكان مغرماً بالترحال فساح في البلاد ورحل عدة مرات إلى مصر وحلب والشام والعراق وهذا ما طفح في شعره:

هذا على أنني لا أستفيـــــــقُ ولا   ***   أفيقُ من رحلةٍ فـي إثرها رِحلَهْ

وما على البدرِ نقصٌ في إضاءته   ***   أن ليسَ ينفكُّ من سيرٍ ومن نَقلَه

وقال وهو في مصر:

قد كان شوقـــي إلى مصرٍ يؤرقني   ***   فاليوم عُدتُ وعادتْ مصرُ لي دارا

أغدو إلى الجيزةِ الفيحاءِ مصطحباً   ***   طوراً وطوراً أرجّي السيرَ أطوارا

وكأنه في رحلاته يرى نفسه بين مصر والعراق ويتذكر ما لاقى فيهما من مواقف مختلفة قد تتباين من رحلة إلى أخرى، فيقول:

متى أراني بمصـرٍ جارهم نسبي   ***   بها كـــــل روضةٍ خضرَهْ

والنيلُ مستكمـــــــــــــــلٌ زيادته   ***   مثــل دروعِ الكماةِ مـنتثرَهْ

تغدو الزواريقَ فيه مصــــــــعّدة   ***   بنا وطوراً تروحُ مـنحدرَهْ

وتارةً في الفراتِ طــــــــــــاميةٌ   ***   أمواجُه كالخيــــالِ مُعتكِرَه

لكن العراق يبقى مهوى قلبه وأنيس نفسه:

حتى كأنّ العــــــــــراقَ تعشقني   ***   أو طالبتــني يدُ النوى بِترَه

وكان في رحلاته الكثيرة يجتمع مع الملوك والأمراء والوزراء ويتصل بأرباب العلم والفقه والحديث والأدب فيقرأ عليهم ويسمع منهم كما جرت بينه وبينهم محاضرات ومناظرات ومكاتبات كثيرة دلت على تضلعه في مختلف العلوم حتى عرّفه المسعودي بأنه: كان من أهل العلم والرواية والأدب (1)

وبقي يتنقل بين دمشق وحلب والقدس وبغداد وحمص حتى استقر أخيراً في حلب، وانضم إلى مجلس الأدب الحمداني حيث هفا قلبه لهذا المجلس لما وجد فيه ما يتماهى مع عقيدته وفكره ومذهبه وأصبح من شعراء سيف الدولة الحمداني أمير حلب.

وقد صقل هذا المجلس الذي كان يضم عمالقة الأدب والشعر العربي في وقته مواهبه حيث كان من رواد هذا المجلس المتنبي وأبي فراس الحمداني والصنوبري وغيرهم فاستطاع كشاجم أن ينمّي طاقاته فخاض غمار التأليف إلى جانب الشعر فألف كتاب: أدب النديم, والمصايد والمطارد, والرسائل, خصائص الطرف، الصبيح، البيرزة في علم الصيد، ديوان شعر.

قال عنه الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء: وكان أديباً شاعراً، ومنجّماً متكلّماً، ومصنّفاً عالماً، له مصنّفات كثيرة في شتّى العلوم والمعارف، وكان يُعدّ شاعر زمانه (2).

كما دلت آثاره على سلامة نفسه وطيب سريرته ومكارم أخلاقه والترفع عن التملق عند أبواب السلاطين والإشتغال في أبواب الملوك والولاة فكان يرى أن الدخول في هذه الأمور من مرديات النفوس فيقول:

رأيتُ الرئـــــــاسةَ مقرونةً   ***   بلبسِ التكبّــــــرِ والنخوَه

إذا ما تقمَّصَـــــــــها لابسٌ   ***   ترفّعَ في الـجهرِ والخلوَه

ويقعد عن حقِّ أخـــــــوانهِ   ***   ويطمعُ أن يهرعوا نحوَه

وينقصهمْ من جميلِ الدعاءِ   ***   ويأملُ عندهمُ خــــــطوَه

فذلك إن أنا كـــــــــــــاتبته   ***   فلا يسمعُ الله لي دعـــوَه

ولستُ بـــــــــآتٍ له منزلاً   ***   ولو أنه يســـــكنُ المروَه

فكانت نفسه تأبى أن يتقلد منصباً يوجب دحض الحق وإضاعة الحقوق ونبذ العدل فكان من مصاديق الآية الكريمة: (يخرج الطيب من الخبيث)، فالقارئ يتفاجأ عندما يعرف أن جد كشاجم هو السندي بن شاهك المعادي لأهل البيت (ع) والذي تولّى سجن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) وشدد عليه في سجنه حتى مات مسموماً !!

لكن حفيد ذلك الخبيث وهو كشاجم قد خالف جده وصار من شعراء أهل البيت (ع) المجاهرين بولائهم والذابين عنهم متفانياً في محبتهم صادقاً في مودتهم يناظر أعداءهم ويفحم مناوئيهم بالحجج القوية وقد طفح شعره بمدحهم ومراثيهم وإظهار مناقبهم وفضائلهم ومظلوميتهم, ولعل أهم ما كان يجري عليه الشعراء في ذلك العصر الذي زاغت فيه النحل والمذاهب وشاعت فيه الأهواء والآراء هي قضية الخلافة بعد الرسول (ص) فما كان من كشاجم إلا أن أدلى بدلوه فكانت له قصائد كالسهام في نحور الجاحدين والمبغضين لأهل البيت، فمن قصيدة له يذكر حق أمير المؤمنين في الخلافة:

وقد علموا أن يومَ الغدير   ***   بغـــــــــدرِهمُ جرّ يومَ الجملْ

فيا معشرُ الظالــمين الذيــــــــــــــن أذاقوا النبيَّ مضيضَ الثكلْ

إلى أن يقول:

يخالفكم فيه نصُّ الكتاب   ***   وما نصَّ في ذاكَ خيرُ الرسُلْ

نبذتم وصيتَه بالعـــــراءِ   ***   وقلتمْ عليــــــــــه الذي لم يَقلْ

وفيها يذكر الأئمة الطاهرين، فيقول:

همُ حججُ اللهِ في خــــلقه   ***   ويومَ المعـــــادِ على من خذلْ

ومن أنزل الله تفضيـلهمْ   ***   فردَّ على اللهِ مــــــــــا قد نزلْ

فجدهمُ خــــــاتمُ الانبياءِ   ***   ويعــــــــرفُ ذاكَ جميعَ المللْ

ووالدهمْ سيِّدُ الأوصياء   ***   ومعطي الفقيـرَ ومردي البطلْ

كان كشاجم خالصا في حبه لأمير المؤمنين فهو سيد الأئمة (ع):

حبُّ عــــــلـيٍّ علوُ همَّهْ   ***   لأنه سيِّـــــــــــــــدُ الأئمه

ميِّز محبيــــهِ هل تراهمْ   ***   إلا ذوي ثـــــروة ونعمه؟!

بين رئيـــــسٍ إلى أديبٍ   ***   قـد أكملَ الطرفَ واستتمَّه

وطيِّبِ الأصلِ ليسَ فيه   ***   عند امتحانِ الأصولِ تهمَه

فهمْ إذا خلصــوا ضياء   ***   والنُّصَّبُ الظالمـــون ظُلمَه 

وكان كشاجم يُصدِرُ شعره عن مرآة صافية لنفسه الولائية الخالصة التي تعلقت بحب أهل البيت (ع) وصفت ورقت بمودتهم، حيث يقول:

وأوصـــى النبيُّ ولكن غدتْ   ***   وصاياهُ مـــــــنبوذةً بالعراءِ

ومن قبلِـــــــــها أُمرَ الميّتون   ***   بردِّ الأمـورِ إلـى الأوصياءِ

ولم ينشرِ القومَ غلَّ الصدور   ***   حتى طـواه الردى في رداءِ

ولو سلّموا لإمــــــــامِ الهدى   ***   لقوبِلَ معوجَّهم بــــــاستواءِ

وفي هذه القصيدة يعدد كشاجم فضائل أمير المؤمنين (ع) وشجاعته في مواقفه في تثبيت دعائم الإسلام:

هلالٌ إلى الرشدِ عــالي الضــيا   ***   وسيفٌ على الكفرِ ماضي المضاءِ

وبحرٌ تدفّقَ بالمعجــــــــــــزاتِ   ***   كما يتدفّقُ ينبـــــــــــــــــــوعُ ماءِ

علومٌ سماويّةٌ لا تنـــــــــــــــال   ***   ومن ذا ينالُ نجومَ السمــــــــــاءِ ؟

لعمري الأولى جحــــــدوا حقّه   ***   وما كان أولاهمُ بــــــــــــــــالولاءِ

وكمْ موقفٍ كان شخصُ الحِمام   ***   من الخوفِ فـــــيه قليلُ الــــــخفاءِ

جلاهُ فإن أنكـــــــــــروا فضله   ***   فقد عرفت ذاك شمــــــسُ الضحاءِ

أراها العجاجَ قبيلَ الـــــصباح   ***   وردت عليه بعيدَ المـــــــــــــــساءِ

ويسترسل كشاجم في قصيدته حيث يرى أن هذا الاعوجاج هو الذي قاد إلى كربلاء:

وإن وِتِرَ القومُ في بــــــــدرِهم   ***   لقد نقضَ الــقومُ في كربلاءِ

مطايا الخطايا خذي في الظلام   ***   فما همَّ إبليـــسَ غيرُ الحداءِ

لقد هُتكتْ حرمُ المصطـــــــفى   ***   وحلَّ بهـــــــنَّ عظيمُ البلاءِ

وتعبيره يصوِّر ما تنطوي عليه أعماقه من الحب لأهل البيت (ع) فلنستمع إليه في هذه الأبيات:

آلُ الـنبيِّ فضـــلتمُ   ***   فضل النجومِ الزاهرَة

وبهـرتمُ أعــداءكم   ***   بالمـــــأثراتِ السائرَة

ولكم مـع الشرفِ البلاغــــــــــةِ والحلومِ الوافرَة

واذا تفوخِـرَ بالعلا   ***   فبكمْ عــــلاكمْ فاخرة

هذا وكــــم أطفأتمُ   ***   عن أحمدٍ مــــن نائرَة

بالسمرِ تخضبُ بالنجيــــــعِ وبالسيــــوفِ الباترة

تشفى بها أكبــادُكم   ***   من كلِّ نفـــسٍ كافرة

ورفضتمُ الدنـيا لذا   ***   فزتمْ بحظِ الآخـــــرة

ولكشاجم في رثاء شهيد كربلاء الإمام الحسين (ع) قصائد كثيرة، يقول في إحداها:

أظلمْ في كربلاء يومــــهم   ***   ثم تجـــــــلّى وهم ذبائحُه

على ثرى حلّه غريــــــبِ رسول الله مجــــــروحةٌ جوارحُه

قلّ حماه وقــلّ ناصــــــره   ***   ونالَ أقصى مناهُ كاشحه

ثم يقول:

عفّرتم بالثرى جبينَ فتىً   ***   جبريلُ قبل النبيِّ ماسِحُه

سيانَ عند الإلـــــهِ كلكمُ   ***   خاذله منـــــــــكمُ وذابحُه

على الذي فاتـهم بحقهم   ***   لعنٌ يغـــــاديهِ أو يراوحُه

جهلتمُ فيهـــــــــم الذي عرف الـــــبيتَ وما قابلتْ أباطحُه

وله في ولاء أمير المؤمنين (ع):

حبُّ الوصيِّ مبرّة وصِـلَة   ***   وطهــــــارةٌ بـالأصلِ مكتفلَه

والناسُ عالمهم يديـــن به   ***   حباً ويجهـــــــــلُ حقّه الجَهَلَه

ويرى التشيُّعَ في سراتهم   ***   والنصبُ في الأراذلِ والسفلَه

كما طفحت في ديوانه لآلئ الحكم ودرر المواعظ التي أعربت عن سمو نفسه ونبل مقصده في الدعوة إلى الخير وردعها عن السوء ومن ذلك قوله:

عجبي ممــــــن تعالت حاله   ***   وكفاهُ اللهُ زلاتِ الطــــــلبْ

كيف لا يقسم شطريَ عمرِهِ   ***   بين حالين نعيــــــــمٍ وأدبْ

فإذا ما نال دهــــــــراً حظّه   ***   فحديثٌ ونشيـــــــــدٌ وكتبْ

مرة جداً وأخرى راحــــــة   ***   فإذا ما غسقَ الليلُ انـتصبْ

يقتضي الدنيا نهـــاراً حقها   ***   وقضى لله لــــــيلاً ما يجبْ

تلك أعمال متى يعــمل بها   ***   عاملٌ يسعدْ ويرشدْ ويصِبْ

ومن ذلك أيضاً قوله:

رُض بفعلِ التدبيــــــــرِ نفسك واقصرها عليه ففيه فضلٌ وفخرُ

لا تطعها على الذي تبـــــــــــتغيه وليرُعها منك اعتساف وقهرُ

إن من شأنها مجانبة الخير وأتيـــــــــــــــــــــان كل من قد يغرُ

وهناك كثير من الأغراض والشواهد الصادقة والمعاني السامية امتلأ بها ديوانه.

توفي كشاجم عام 360 ﻫـ في مصر الفاطمية

محمد طاهر الصفار

.....................................................................................

1 ــ مروج الذهب  ج 4 ص 348

2 ــ أصل الشيعة وأُصولها  ص 156

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً