قراءة في الأسباب والدلالات
من المسائل التي أُثيرت حول موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من أحداث ما بعد وفاة النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) قضية دخوله في الشورى التي عقدها عمر بن الخطاب لاختيار الخليفة من بعده؛ إذ قد يُتوهم أنّ مشاركة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيها تستلزم اعترافه بشرعية أصل الشورى، أو رضاه بالآلية التي أُنشئت بها، أو تسليمه بأنّ الخلافة أمرٌ متروك إلى اختيار أهل الحل والعقد.
وهذا التوهم ناشئ عن الخلط بين المشاركة في واقعةٍ مفروضةٍ بقوة السلطان والظرف السياسي، وبين الرضا بمبناها وتصحيح نتائجها، كما أنّه يغفل عن طبيعة الشورى المذكورة، والقيود التي أُحيطت بها، والغايات التي أمكن لأمير المؤمنين (عليه السلام) تحصيلها من دخوله فيها.
فإنّ قراءة هذا الموقف قراءةً صحيحة تقتضي ملاحظة أمرين متلازمين: أحدهما طبيعة الشورى نفسها والظروف التي أحاطت بها، والآخر الوظيفة التي أدّاها أمير المؤمنين (عليه السلام) من خلال دخوله فيها.
أولاً: الشورى العمرية لم تكن مجلساً حراً مجرداً:
إنّ الشورى التي جعلها عمر بن الخطاب لم تكن ـ بحسب ما نقلته المصادر التاريخية ـ عمليةً استشاريةً مطلقةً تُترك فيها حرية الأعضاء في القبول والرفض من غير ترتب أثرٍ على المخالفة، بل أُحيطت بإجراءاتٍ صارمة، وجُعلت لها آليةٌ محددةٌ للحسم، اقترنت بالتهديد بالقتل. فقد نقل الطبري وغيره أنّ عمر أوصى بأنّه إذا اتفق خمسةٌ من الستة على رجلٍ وخالفهم واحدٌ قُتل المخالف، وإذا اتفق أربعةٌ وخالفهم اثنان قُتلا، وإذا انقسموا ثلاثةً وثلاثةً جُعل الفصل إلى عبد الله بن عمر، فإن لم يقبل الفريقان حكمه، اتُّبع الفريق الذي فيه عبد الرحمن بن عوف، وقُتل الفريق الآخر (1).
وعلى تقدير ثبوت هذه الأخبار، فإنّ الشورى لم تكن مجرد تداولٍ حرٍّ للرأي، وإنما كانت عمليةً محكومةً بسقفٍ قهريٍّ لا يتيح للأعضاء أن يتعاملوا معها بوصفها خياراً سياسياً قابلاً للرفض والانصراف.
ومن هنا، فإنّ امتناع أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أصل الدخول فيها لم يكن أمراً خالياً عن التبعات؛ إذ كان التخلف عنها واقعاً تحت طائلة الإكراه والتهديد.
ويؤكد ذلك ما ورد في بعض الأخبار من أنّه لما انتهت الشورى إلى مبايعة عثمان، وتوقف أمير المؤمنين (عليه السلام) عن البيعة، قيل له: «بايع، وإلا ضربت عنقك»، وفي خبرٍ آخر: «بايع، وإلا جاهدناك» (2).
وعليه، فإنّ تصوير المسألة على أنّ الإمام (عليه السلام) كان أمام خيارين متساويين: الدخول في الشورى أو رفضها، ثم جعل دخوله دليلاً على الرضا بها، إغفالٌ للعنصر القهري الذي أحاط بالواقعة.
فليس كل دخولٍ في إجراءٍ سياسي دليلاً على تصحيح ذلك الإجراء؛ فقد يدخل الإنسان في أمرٍ مفروضٍ عليه ليدفع به ضرراً أعظم، أو ليحفظ ما يمكن حفظه من الحق، أو ليقيم الحجة على من ألزمه به.
ثانياً: دفع ضرر القتل والهلاك:
أول ما يظهر في تفسير موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ دخوله الشورى كان من مقتضيات دفع الضرر المتوجه إليه، ولا سيما مع وجود التهديد الصريح لمن يتخلف أو يخالف.
وهذا المعنى تؤيده الرواية الواردة عن الإمام الرضا (عليه السلام)، حين سئل عن دخوله في ولاية العهد، فقال: «ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟ فقال: ما حمل جدّي أمير المؤمنين (عليه السلام) على الدخول في الشورى» (3).
والرواية ظاهرة في أنّ الإمام الرضا (عليه السلام) يرى جهةً مشتركةً بين موقفه من ولاية العهد وموقف أمير المؤمنين (عليه السلام) من الشورى، وهي جهة الاضطرار والإكراه ودفع الضرر.
وقد صرّح الإمام الرضا (عليه السلام) بعلّة قبوله ولاية العهد، فقال: «قد علم الله كراهتي لذلك، فلما خُيِّرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل... ودَفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك» (4).
وفي روايةٍ أخرى أنّ المأمون هدده بالقتل إن لم يقبل، فقال الإمام (عليه السلام): «فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك، وأنا أقبل على أنّي لا أولي أحداً، ولا أعزل أحداً، ولا أنقض رسماً ولا سنة، وأكون في الأمر من بعيدٍ مشيراً» (5).
وهذه النصوص تؤسس لقاعدةٍ واضحة، وهي أنّ الإقدام على أمرٍ مكروهٍ في نفسه، عند الإكراه والاضطرار، لا يكشف عن الرضا بمضمونه ولا عن تصحيح أساسه.
وعليه، فلا يصح جعل دخول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشورى دليلاً على رضاه بشرعية الطريق الذي أُنشئت به؛ لأنّ الفعل الصادر في مقام دفع الإكراه لا يدل على أكثر من اختيار أخف الضررين واستنقاذ ما يمكن استنقاذه من المصالح.
ثالثاً: نقض الدعوى القائلة بعدم اجتماع النبوة والخلافة في أهل البيت عليهم السلام:
ومن الدلالات المهمة لدخول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشورى أنّه أراد أن يجعل نفس دخوله حجةً على الدعوى التي نُسبت إلى عمر بن الخطاب، من أنّ الله تعالى لا يجمع النبوة والخلافة في أهل بيتٍ واحد.
فقد نُقل أنّ عمر احتج بهذه الدعوى في مقام تبرير إقصاء أهل البيت (عليهم السلام) عن الخلافة، وأنّ الله لم يكن ليجمع لهم النبوة والخلافة. لكنّ إدخال أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشورى بوصفه أحد الأعضاء الستة الذين يمكن أن تؤول إليهم الخلافة، يتضمن ـ من حيث أصل الإجراء ـ اعترافاً بأهليته لها؛ إذ لو كان انتساب الرجل إلى أهل بيت النبوة مانعاً من أصل صلاحية الخلافة، لما كان لإدخاله في دائرة المرشحين معنى (6).
وقد صرّح أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذه الجهة فيما روي عنه في حديثه مع العباس بن عبد المطلب، إذ قال: «يا عم، إنّه قد خفي عليك أمر، أما سمعت قوله ـ أي عمر ـ على المنبر: ما كان الله ليجمع لأهل هذا البيت الخلافة والنبوة، فأردت أن يكذّب نفسه بلسانه، فيعلم الناس أنّ قوله بالأمس كان كذباً باطلاً، وأنّا نصلح للخلافة» (7).
وعلى هذا، فإنّ الدخول في الشورى لم يكن خالياً من الغرض الحجاجي؛ بل أمكن للإمام (عليه السلام) أن يحوّل نفس الإجراء الذي أُريد به حسم أمر الخلافة إلى مجالٍ لإبطال بعض الحجج التي استُعملت لإقصائه عنها.
فهو (عليه السلام) لم يدخل ليصحح الدعوى السابقة، وإنما دخل ليكشف تناقضها؛ إذ كيف يقال إنّ اجتماع النبوة والخلافة في أهل البيت ممتنع، ثم يُجعل أحد أبرز أهل البيت طرفاً أصيلاً في الشورى التي يراد بها اختيار الخليفة؟
رابعاً: إقامة الحجة وإتمام البيان:
ومن أهم الحكم التي تكشف عنها المشاركة في الشورى: إقامة الحجة على القوم وإتمام البيان.
فإنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يمتلك من النصوص والمناقب والخصائص والسوابق ما يجعله قادراً على إقامة الحجة على أعضاء الشورى، ولا سيما أنّ كثيراً منهم كانوا من أهل الصحبة والمعرفة بما صدر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حقه. ومن هنا كانت الشورى فرصةً لإعادة طرح النصوص والفضائل التي تثبت مقامه، وبيان استحقاقه للأمر، وإلزام القوم بما عرفوه من فضائله ومناقبه. وقد نقلت الروايات أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ذكر في ذلك المقام جملةً من خصائصه ومناقبه، واحتج عليهم بما ورد في حقه.
وهذا ما صرّح به أبو الصلاح الحلبي في بيان وجه دخوله (عليه السلام) في الشورى، فقال: «وأما دخوله في الشورى، فللضرورة الداعية إلى ذلك... وليحتج (عليه السلام) على القوم بمناقبه وذرائعه إلى الخلافة، وما أنزل الله فيه، وذكره رسوله (صلّى الله عليه وآله) من النصوص الدالة على إمامته، وما كان متمكناً لولا دخوله في الشورى من ذلك، فصار دخوله لهذا الوجه واجباً» (8).
وهذا التقرير يكشف عن أنّ الشورى لم تكن بالنسبة إلى الإمام (عليه السلام) مجرد وسيلةٍ سياسيةٍ للوصول إلى السلطة، بل كانت أيضاً ميداناً لإقامة الحجة الشرعية والعقلية على القوم.
فإذا كان الإمام (عليه السلام) ممنوعاً من الوصول إلى حقه بالقوة، فلا أقل من أن يستثمر الظرف المفروض لإظهار ذلك الحق، وإقامة البرهان عليه، وإتمام البيان لمن حضر.
خامساً: استبقاء احتمال الوصول إلى الحق:
ومن الوجوه التي لا ينبغي إغفالها أنّ دخول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشورى لم يكن يقتضي منه أن يقطع كل احتمالٍ في استجابة القوم للحق. فمع علمه (عليه السلام) بما يحيط بالشورى من قرائن ودوافع، لم يكن يعلم علماً تفصيلياً أنّ جميع أفرادها سيصرون على موقفهم إلى النهاية، ولم يكن مأموراً ـ ما دام الباب مفتوحاً للحجة ـ بأن يترك كل وسيلة يمكن أن تؤدي إلى إظهار حقه أو تمكينه من القيام بأمر الأمة. ولهذا روي عنه (عليه السلام) قوله: «اليوم أُدخلت في بابٍ إن أُنصفت فيه وصلت إلى حقي» (9).
فالعبارة ظاهرة في أنّ دخول الشورى أبقى ـ في نظر الإمام (عليه السلام) ـ طريقاً ممكناً للوصول إلى حقه؛ لأنّ الإنصاف لو تحقق من القوم لأفضى إلى الاعتراف باستحقاقه.
ومن هنا يتضح أنّ عدم الوثوق باستجابة الخصم لا يستلزم ترك إقامة الحجة عليه، ولا يستلزم ترك الأسباب المشروعة التي يمكن أن تؤدي إلى الوصول إلى الحق.
فالإنسان إذا كان صاحب حق، وكانت أمامه وسيلة مشروعة لإثبات حقه أو تحصيله، لم يكن مجرد احتمال عدم استجابة الآخرين موجباً لترك تلك الوسيلة.
سادساً: المشاركة لا تساوي الإقرار بشرعية المبنى:
وهذه هي النقطة المركزية في المقام؛ فإنّ كثيراً من الإشكال ينشأ من الخلط بين الدخول في الموضوع والإقرار بالمبنى. فأمير المؤمنين (عليه السلام) حين دخل الشورى لم يقل إنّ الخلافة حقٌّ لأهل الشورى، ولم يسلّم بأنّ اختيار الخليفة حقٌّ مفوضٌ إليهم، ولم يتنازل عن النصوص التي كان يحتج بها على إمامته.
وإنما دخل في واقعةٍ سياسيةٍ فُرضت عليه في ظرفٍ خاص، واستثمر ما أمكن فيها من الوسائل لإظهار حقه ودفع الضرر عن نفسه وإقامة الحجة على القوم.
ومن هنا لا يصح الاستدلال بمجرد دخوله على أنّه كان يرى الشورى طريقاً شرعياً لتعيين الإمام؛ إذ إنّ المشاركة في إجراءٍ مفروض لا تستلزم تصحيح أصل ذلك الإجراء. والفارق بين الأمرين ظاهر: فقد يدخل صاحب الحق في خصومةٍ أو مجلسٍ لا يسلّم بقواعده ليحتج على خصمه، أو يدفع الضرر عن نفسه، أو يستنقذ حقه، من دون أن يكون دخوله إقراراً بكل ما يتبناه الطرف الآخر.
الخاتمة:
يتضح مما تقدم أنّ دخول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشورى العمرية لا يصح أن يُقرأ بمعزلٍ عن الظروف التي أُنشئت فيها، ولا أن يُفهم على أنّه إقرارٌ بشرعية المسار الذي انتهت إليه. بل تكشف مجموع المعطيات عن جملةٍ من الحكم والمصالح التي يمكن أن يندرج فيها موقفه (عليه السلام):
أولاً: دفع ضرر القتل والهلاك، في ظل التهديدات التي أحاطت بالشورى وبمن يخالف مسارها.
ثانياً: نقض الدعوى التي أُريد بها إقصاء أهل البيت (عليهم السلام)، وإظهار أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) داخلٌ في دائرة أهلية الخلافة.
ثالثاً: إقامة الحجة على أعضاء الشورى، وذكر النصوص والفضائل والمناقب الدالة على إمامته وأحقيته بالأمر.
رابعاً: إبقاء سبيل الوصول إلى الحق مفتوحاً، إذ كان الإنصاف من القوم ـ لو تحقق ـ كفيلاً بإيصاله إلى حقه.
وبذلك يتبين أنّ موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) كان قائماً على الموازنة بين حفظ النفس، وحفظ الحجة، وإظهار الحق، واستثمار الممكن من الأسباب، من غير أن يستلزم ذلك تنازلاً عن أصل حقه في الإمامة أو إقراراً بشرعية ما أُنشئت عليه الشورى. بل إنّ التأمل في مجموع الموقف يكشف عن دقة السياسة الشرعية التي انتهجها أمير المؤمنين (عليه السلام): فلم يترك حقه، ولم يسكت عن بيان حجته، ولم يعرّض نفسه للقتل بلا مصلحة، ولم يجعل الدخول في إجراءٍ قهري دليلاً على إمضائه، وإنما دخل حيث كان الدخول أقدر على دفع الضرر، وإقامة الحجة، وإبطال الشبهات، واستبقاء إمكان الوصول إلى الحق. ومن هنا، فإنّ جعل مشاركته في الشورى دليلاً على رضاه بشرعيتها، أو على تنازله عن حقه الإلهي، إنما هو انتقالٌ من مجرد المشاركة في الواقعة إلى إثبات الرضا بمبناها ونتيجتها من غير دليلٍ ينهض بهذا الانتقال.
والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٥٨٣؛ تاريخ المدينة، ج ٣، ص ٩٣٠.
2ـ أنساب الأشراف، ج ٢، ص ٢٦٢؛ ج ٥، ص ٥٠٨.
3ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج ١، ص ١٥٢.
4ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج ٢، ص ١٥١.
5ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج ١، ص ١٥٢.
6ـ علل الشرائع، ج ١، ص ١٧١.
7ـ الاحتجاج، ج ١، ص ١٩٣.
8ـ تقريب المعارف، ص ٢٢٥.
9ـ الفصول المختارة، ص ٧٠.

اترك تعليق