حين تضعف الأسرة يبدأ المجتمع بالانهيار

قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾[التحريم: 6]

لم يجعل القرآن مسؤولية الإنسان متوقفة عند إصلاح نفسه، وإنما حمّله مسؤولية من يعيشون معه أيضاً، وفي مقدمتهم أسرته. وهذه الآية تكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن الأسرة ليست مجرد مساحة للسكن والعيش المشترك، بل هي أول دائرة تقع فيها مسؤولية الإنسان عن الهداية والتربية والحماية. فإذا صلحت هذه الدائرة انعكس صلاحها على المجتمع، وإذا اضطربت كان اضطرابها بدايةً لمشكلات تتجاوز جدران البيت إلى المدرسة والشارع ومكان العمل وسائر العلاقات الاجتماعية.

إن المجتمع لا يبدأ من مؤسساته الكبيرة، وإنما يبدأ من بيت صغير يجلس فيه أب وأم وأبناء. وما نراه في المجتمع من عنف أو تنمر أو أنانية أو ضعف في المسؤولية أو انحراف في السلوك قد تكون له جذور أقدم من لحظة ظهوره، وربما بدأت تلك الجذور في بيت لم يعرف أفراده كيف يتحاورون، أو بيت غاب فيه أحد الوالدين عن دوره، أو بيت امتلأ بالصراخ والخلافات حتى أصبح الأبناء يبحثون عن الأمان خارج أسرتهم.

ولذلك فإن الحديث عن التفكك الأسري ليس حديثاً عن مشكلة خاصة بعائلة معينة، وإنما هو حديث عن قضية تمس مستقبل المجتمع كله.

لقد تغيرت الحياة كثيراً، وتغيرت معها طبيعة الضغوط التي تواجه الأسرة. فالأب قد يكون منشغلاً بعمله طوال اليوم، والأم قد تكون مثقلة بمسؤوليات متعددة، والأبناء يعيشون ساعات طويلة مع الهاتف ومواقع التواصل، وأصبح أفراد الأسرة يجلسون في المكان نفسه لكن كل واحد منهم يعيش في عالم مختلف. وقد تجتمع الأسرة حول مائدة واحدة دون أن يحدث بينها حوار حقيقي، وقد ينام الأبناء وهم يحملون أسئلة ومخاوف لا يعرف عنها آباؤهم شيئاً.

المشكلة إذن ليست دائماً في غياب الأسرة من الناحية المادية، وإنما في غيابها من الناحية العاطفية والتربوية.

وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: «إنما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما ألقي فيها من شيء قبلته. (بحار الانوار ج1، ص222)

وهذا الحديث يضع مسؤولية كبيرة على الأسرة، لأن الطفل لا يولد وهو يحمل منظومة أخلاقية متكاملة، وإنما تتشكل شخصيته شيئاً فشيئاً من خلال ما يراه ويسمعه ويعيشه داخل البيت. فإذا رأى الاحترام تعلم الاحترام، وإذا رأى الحوار تعلم الحوار، وإذا رأى الصدق أصبح الصدق عنده قيمة، وإذا اعتاد الصراخ والإهانة والخوف فقد يحمل هذه اللغة معه إلى خارج البيت.

ومن هنا يمكن معالجة مشكلة التفكك الأسري من خلال خمسة محاور أساسية:

أولاً: إعادة بناء الحوار داخل الأسرة

من أخطر ما أصاب الأسرة المعاصرة أن الحوار أصبح أقل حضوراً من الكلام. قد يتحدث الأب مع ابنه كثيراً، لكنه لا يحاوره. وقد تقدم الأم عشرات النصائح لابنتها، لكنها لا تعرف ما الذي تخاف منه ابنتها وما الذي يشغل قلبها.

الحوار الحقيقي لا يعني أن يتكلم الأبناء ويستمع الآباء فقط، ولا يعني أن يفرض الأب رأيه ثم يطلب من الجميع السكوت. الحوار يعني أن يشعر كل فرد في الأسرة أن صوته مسموع، وأن مشكلته تستحق الاهتمام، وأنه يستطيع أن يتحدث دون أن يتحول حديثه إلى محاكمة.

إن الابن الذي يخاف من الحديث مع أبيه لن يتوقف عن البحث عن إجابة، وإنما سيبحث عنها في مكان آخر. والبنت التي لا تجد من يسمعها داخل البيت قد تجد شخصاً غريباً يمنحها شيئاً من الاهتمام، وهنا تبدأ بعض المشكلات التي كان يمكن أن يمنعها حوار بسيط داخل الأسرة.

ولذلك تحتاج الأسرة إلى وقت للحوار لا يكون مرتبطاً بوقوع المشكلة. فالحديث مع الأبناء لا ينبغي أن يبدأ عندما يخطئون فقط. اجلس مع ابنك وهو بخير، تحدث معه عن اهتماماته، اسأله عن أصدقائه، عن دراسته، عن الأشياء التي يحبها ويكرهها. فالأب الذي لا يعرف ابنه في أوقات الهدوء سيجد صعوبة في فهمه عندما تقع الأزمة.

ثانياً: استعادة دور الأب والأم في التربية

ليست التربية أن يوفر الأب المال وأن توفر الأم الطعام والملابس ثم تنتهي المسؤولية. هذه حاجات ضرورية، لكنها لا تصنع وحدها إنساناً متوازناً.

الطفل يحتاج إلى أب حاضر في حياته، وإلى أم يشعر معها بالأمان، ويحتاج إلى أن يرى في والديه نموذجاً لما يطلبانه منه.

وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة». ( الكافي ج6، ص 47)

ومعنى المبادرة هنا بالغ الأهمية؛ فالأسرة التي تؤجل التربية حتى يكبر الأبناء قد تكتشف أن الآخرين سبقوها إلى عقولهم وقلوبهم.

التربية ليست مجموعة أوامر تحفظها الأسرة، وإنما هي حضور مستمر. الأب الذي يريد من ابنه الصدق يجب أن يكون صادقاً أمامه، والذي يطلب منه احترام الآخرين ينبغي أن يريه الاحترام في تعامله مع أمه وإخوته والناس. والأم التي تريد من ابنتها الثقة بالنفس ينبغي ألا تجعلها تعيش دائماً تحت المقارنة والإهانة.

إن الأبناء يتعلمون من سلوك آبائهم أكثر مما يتعلمون من كلماتهم. ولهذا فإن إصلاح الأسرة يبدأ من الوالدين قبل أن يبدأ من الأبناء.

 

 

ثالثاً: إيقاف ثقافة الصراخ والإهانة

ليست كل أسرة متماسكة لأنها لا تنفصل، فهناك أسر تعيش تحت سقف واحد لكنها فقدت روح الأسرة. وقد يكون البيت قائماً من الخارج، بينما هو من الداخل مليء بالخوف والخصام والاحتقار.

إن تكرار الشجار أمام الأبناء يترك أثراً عميقاً في نفوسهم. فالطفل لا يملك دائماً القدرة على فهم أسباب الخلاف بين والديه، لكنه يشعر بالخوف منه. وقد يعتقد أن الأسرة مكان غير آمن، وأن الحب يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى غضب وإهانة.

والأخطر من ذلك أن الطفل قد يتعلم أن القوة تعني رفع الصوت، وأن حل المشكلات يكون بالعنف، وأن الاعتذار ضعف، وأن الاعتراف بالخطأ عيب.

وقد روي عن النبي محمد صلى الله عليه واله انه قال: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). ( البحار ج72 . ص 151)

وهذه قاعدة تربوية عظيمة داخل الأسرة. فالقوة ليست في أن يستطيع الأب إسكات الجميع بصوته، ولا في أن تتمكن الأم من إخافة أبنائها، وإنما القوة في القدرة على ضبط الغضب وإدارة الخلاف بعقل وحكمة.

ليس المطلوب أن تخلو الأسرة من الخلافات؛ فهذا غير واقعي. الاختلاف جزء من الحياة، لكن المطلوب أن تتعلم الأسرة كيف تختلف دون أن تهدم جسور المحبة. يمكن للزوج أن يختلف مع زوجته دون إهانة، ويمكن للأب أن يعاقب ابنه دون تحقير، ويمكن للأم أن تعترض على سلوك ابنتها دون أن تكسر شخصيتها.

رابعاً: حماية الأسرة من المنافسة التي تصنعها وسائل التواصل

دخل الهاتف إلى الأسرة بصمت، لكنه أخذ مساحة كبيرة من حياتها. أصبح من الممكن أن يجلس خمسة أفراد في غرفة واحدة، وكل واحد منهم يتابع عالماً مختلفاً.

المشكلة ليست في الهاتف بذاته، ولا في وسائل التواصل باعتبارها أدوات، وإنما في تحولها من وسيلة إلى بديل عن العلاقات الحقيقية.

عندما يصبح الهاتف هو أول ما يراه الإنسان عند الاستيقاظ وآخر ما ينظر إليه قبل النوم، فإن الأسرة تخسر جزءاً من الوقت الذي كان يمكن أن يتحول إلى حوار ومشاركة ومودة.

والأبناء يحتاجون إلى وجود والديهم أكثر مما يحتاجون إلى كثرة الأجهزة والهدايا. قد يشتري الأب لابنه أغلى هاتف، لكنه لا يعرف ما الذي يؤلمه. وقد توفر الأم لابنتها كل ما تحتاجه مادياً، لكنها لا تعرف ما الذي تخفيه عنها.

لذلك تحتاج الأسرة إلى قواعد بسيطة: أوقات يجتمع فيها أفرادها بعيداً عن الهواتف، ووجبات يتحدثون خلالها، ومناسبات عائلية حقيقية، ونشاطات مشتركة تعيد العلاقة الإنسانية إلى البيت.

فالأسرة لا تقاس بعدد الساعات التي يجتمع فيها أفرادها تحت سقف واحد، وإنما بمقدار ما يحدث بينهم من تواصل ومودة واهتمام.

خامساً: تحويل البيت إلى بيئة إيمانية وأخلاقية

إذا أردنا أسرة متماسكة فلا يكفي أن نطالبها بالحب، بل ينبغي أن نمنحها منظومة من القيم التي تحفظ هذا الحب.

البيت المؤمن ليس البيت الذي تكثر فيه الكلمات الدينية فقط، وإنما البيت الذي يظهر فيه أثر الدين في التعامل. فيه احترام للوالدين، ورحمة بالصغير، وتقدير للكبير، وصدق في الحديث، وعفو عند الخطأ، وتعاون عند الحاجة.

إن العبادة حين تدخل إلى الحياة اليومية تستطيع أن تمنح الأسرة معنى أعمق للعلاقة بين أفرادها. فعندما يعرف الأب أن رعايته لأبنائه مسؤولية أمام الله، ويتعامل مع زوجته على أساس المودة والرحمة، ويعرف الأبناء أن بر الوالدين ليس مجرد عادة اجتماعية وإنما قيمة دينية، تصبح الأسرة أكثر قدرة على مقاومة التفكك. وان البر من موجبات دخول الجنة كما في الحديث المروي عن الامام الصادق عليه السلام قال: يأتي يوم القيام شيء مثل الكبة فيدفع ظهر المؤمن فيدخله الجنة فيقال هذا البر. (الكافي ج2، ص 158)

وهنا يلتقي الإصلاح الفردي بالإصلاح الاجتماعي. فلا يمكن أن نطلب مجتمعاً أخلاقياً من أفراد تربوا في بيئات لا تعرف الأخلاق، ولا يمكن أن نطلب من الشاب احترام الناس إذا كان قد تعلم داخل بيته أن الأقرب إليه هم أول من يستحقون الإهانة.

إن الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الرحمة والمسؤولية والانتماء. وإذا نجحت هذه المدرسة في مهمتها، دخل المجتمع أفراداً أكثر توازناً وقدرة على بناء العلاقات السليمة.

إن علاج التفكك الأسري لا يبدأ دائماً بقرارات كبيرة، وإنما قد يبدأ بخطوة صغيرة: أب يقرر أن يستمع إلى ابنه دون أن يقاطعه، وأم تتوقف عن مقارنة أبنائها بغيرهم، وزوجان يتعلمان أن خلافهما لا ينبغي أن يتحول إلى حرب أمام الأطفال، وأسرة تتفق على وقت تجتمع فيه بعيداً عن الهواتف، وبيت يجعل الصلاة والقرآن والأخلاق جزءاً من حياته اليومية.

وهنا ينبغي أن ندرك أن المحافظة على الأسرة ليست مسؤولية الأب والأم وحدهما، بل هي مسؤولية المجتمع أيضاً. فالمدرسة والمسجد والحسينية والمؤسسات الثقافية والإعلامية مطالبة بأن تدعم الأسرة لا أن تكتفي بالحديث عن مشكلاتها. كما أن الخطاب الديني بحاجة إلى أن يقترب أكثر من تفاصيل الحياة الأسرية، وأن يقدم للأب والأم أدوات عملية تساعدهما على التربية والحوار وحل الخلافات.

فإذا كانت الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع، فإن إصلاحها هو أحد أبواب إصلاح المجتمع.

وقد ننجح في بناء مؤسسات كبيرة، ونقيم مشاريع واسعة، وننفق الأموال على برامج كثيرة، لكننا لن نستطيع أن نبني مجتمعاً مستقراً إذا كان البيت نفسه يفقد قدرته على صناعة الإنسان.

إن المجتمع الذي يريد مستقبلاً أفضل عليه أن يبدأ من البيت. ومن يريد جيلاً أكثر أخلاقاً فعليه أن ينظر إلى علاقة الأب بأم أبنائه، وإلى طريقة حديث الأم مع أطفالها، وإلى مقدار الوقت الذي يقضيه الوالدان مع أبنائهما، وإلى ما إذا كان الطفل يجد في بيته الأمان الذي يمنعه من البحث عنه في أماكن مجهولة.

فالأسرة ليست شأناً خاصاً ينتهي عند باب المنزل، بل هي قضية المجتمع كله. وإذا ضعفت الأسرة انتقل ضعفها إلى الجيل القادم، وإذا استقامت الأسرة خرج منها إنسان يعرف معنى المسؤولية ويستطيع أن يكون عضواً نافعاً في مجتمعه.

ولهذا فإن أعظم مشروع اجتماعي قد لا يبدأ من مؤسسة كبيرة، وإنما من أب يعود إلى بيته فيسأل أبناءه عن يومهم، ومن أم تسمع ابنتها دون أن تسخر من مشكلتها، ومن زوجين يعرفان أن الخلاف لا يبرر كسر المودة، ومن أسرة تدرك أن التربية ليست مهمة مؤجلة إلى الغد.

فحين نحمي الأسرة، نحن لا نحمي بيتاً واحداً فحسب، بل نحمي جيلاً كاملاً، وحين نصلح العلاقة بين أفرادها، فإننا نضع حجراً أساسياً في بناء مجتمع أكثر رحمة وتماسكاً واستقراراً.

: الشيخ ميثم الصريفي