899 ــ حبيب شعبان (1290 ــ 1336 هـ / 1873 ــ 1917 م)

قال في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) من قصيدة تبلغ (50) بيتاً:

فللهِ يـــومَ (الطفِّ) لا غروَ بعده     مدى الدهرِ حـــزناً أن تُقامَ المآتمُ

فكمْ مِن قصورٍ فيهِ للبغيِّ شُيِّدتْ     وثُلتْ عـــــــروشٌ للهدى ودعائمُ

غداةَ أبيُّ الـــــضيمِ جهَّزَ للوغى     كراماً إليها الــدهرُ تُنمى المكارمُ

وقال من قصيدة في رثاء الزهراء والإمام الحسين (صلوات الله عليها) تبلغ (27) بيتاً:

كسا جـــــسمَها ثوبُ الضنى وبناتُها     عناداً لــــــــــها قد سلّبوهنَّ بـ (الطفِّ)

وطافوا بها الشاماتِ أسرى حواسراً     هــــــــواتفَ يذهلنَ الحمامَ عن الحتفِ

ويخمشنَ بالأيــــدي وجوهاً تقشّرتْ     عن الشمسِ إذ ما في ظلالٍ ولا سجفِ

الشاعر

الشيخ حبيب بن مهدي بن محمد المعروف بـ (حبيب شعبان) ولد في النجف الأشرف، من بيت نجفي عريق، قال عنه السيد جواد شبر: (آل شعبان من البيوت القديمة في النجف، ومن الأسر التي كانت لها نيابة سدانة الروضة الحيدرية في عهد (آل الملا) أما اليوم فلهم الحق في خدمة الحرم الحيدري فقط وفي أيديهم صكوك ووثائق رسمية (فرامين عثمانية) هي التي تخولهم الحق في تلك الخدمة). (1)

وقال السيد محسن الأمين: (وآل شعبان من البيوت القديمة في النجف أدركنا جماعة منهم، وهم تجار بزازون أتقياء أبرار معروفون بذلك). (2)

ويقول الأستاذ علي الخاقاني: (أل شعبان من الأسر العريقة في النجف ولها فروع كثيرة في سوريا وهي قحطانية من حمير ذكرها السويدي في سبائكه) (3)

ويقول الأمين عن الشاعر: (كان أبوه بزازاً فمالت نفسه هو إلى طلب العلم، فاشتغل به ودرس وتأدّب في النجف. فقرأ فيها: النحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق والأصول والفقه. رأيناه هناك وعاشرناه، وكان فاضلاً كاملاً شاعراً أديباً، ذا أخلاق فاضلة. وخرجنا من النجف وهو هناك مشغول بطلب العلم. وعلمنا بعد خروجنا منها بمدة أنه انتقل إلى كربلاء، فقرأ على السيد محمد باقر الطباطبائي في الفقه مدة، وكان من أخص ملازميه إلى إن وقع بينهما فتور، ففارق كربلا لإباء فيه وشهامة وعزة نفس حتى ورد البصرة. فركب البحر منها إلى الهند. وذلك حوالي سنة 1325 فكان آخر العهد به. وانقطعت أخباره إلى سنة 1336 فوردت كتب من رامبور تنبئ بوفاته هناك وعلم بعد ذلك أنه حاز منزلة سامية عند أهلها وكان من مراجع الدين...) (4)

وقال عنه الشيخ علي كاشف الغطاء: (فاضل ذكي وشاعر معاصر، وأديب حسن المعاشرة ظريف المحاورة...) (5)

وقال عنه الشيخ محمد السماوي: (فاضل ذكي، وناسك زكي، وأديب حسن الحاضرة، ظريف المعاشرة... وكان أليفاً لي في النجف وشريكاً في بعض الدروس وله شعر في الطبقة الوسطى ولا يمدح غير أهل البيت عليهم السلام) (6)

وقال الشيخ جعفر النقدي: (فاضل بديع الأسلوب حسن النظم، جميل المحاورة) (7)

وقال السيد محمد علي الحلو: (ترجم الشيخ حبيب شعبان تطلعات المدرسة الادبية النجفية في اظهار مظلومية السيدة الزهراء (عليها السلام) بقصائد أبدع فيها وتُليت على منابر الخطباء ومحافل الأدباء، كما أنه أظهر مأساة المحسن بروعة أدبية، ومحاولة فنية قيّمة) (8).

شعره

قال الأستاذ علي الخاقاني: (له شعر كثير ولكنه لم يجمع في ديوان) (9)

قال من قصيدة طويلة في رثاء الزهراء والإمام الحسين (عليهما السلام) ذكر منها الأستاذ علي الخاقاني (40) بيتاً:

وأصـــــــــــــــفي ودادي للديارِ وأهلِها     فيسلو فــــــــؤادي ودُّ فاطمة الزهرا

وقد فرضَ الرحــــــمنُ في الذكرِ ودَّها     وللــــــــمصطفى كانتْ مودَّتُها أجرا

وزوَّجها فوقَ السما مِن أميـــــــــــــنهِ     عليٌّ فزادت فوقَ مفخرِها فـــــــــخرا

وكانَ شهودَ العقدِ ســـــــــــكَّانُ عرشِهِ     وكانت جنانُ الخلدِ مـــــــنه لها مهرا

فلم ترضَ إلّا أن يشفّــــــــــــــعَها بمَن     تحبُّ فأعطاها الـــشفاعةَ في الأخرى

حبيبةُ خيرِ الــــــــــــرسلِ ما بينَ أهلِهِ     يقبّلها شوقاً ويوسعها بــــــــــــــــشرا

ومهما لريحِ الجنةِ اشتـــــــــــاقَ شمَّها     فينشقُ منهـا ذلكَ الــــعطـرَ والبشرى

إذا هيَ في المحرابِ قـــــامتْ فنورُها     بزهرتهِ يحكـــــي لأهلِ السما الزهرا

لقد خصَّها الــــــــــــباري بغرِّ مناقبٍ     تجّلتْ وجَــــــلّتْ أن يطيقَ لها حصرا

وكيفَ تــــحيط اللسنُ وصفاً بكنهِ مَن     أحاطــت بما يأتي وما قد مضى خبرا

ومــــــــا خُفيتْ فضلاً على كلِّ مسلمٍ     فـــــيا ليتَ شعري كيفَ قد خُفيتْ قبرا

وما شيَّعَ الأصحــــــابُ ساميَ نعشِها     وما ضرَّهمْ أن يغنموا الفضلَ والأجرا

بلى جحدَ القــــــــومُ النبيَّ وأضمروا     له حين يـــــــــــقضي في بقيَّتِهِ المكرا

له دحـــــــــرجوا مُذ كانَ حياً دبابَهم     وقــــــــــد نسبـوا عند الوفاةِ له الهجرا

فلما قضى ارتدّوا وصدّوا عن الهدى     وهدّوا على علـمٍ شريـــــــــــعتَه الغرا

وحـــــــادوا عن النهجِ القويمِ ضلالةً     وقادوا علياً فــــــــــــــــي حمائلِه قهرا

وحيداً مِــــــــن الأنصارِ لا حمزةٌ له     ولا جــــــــعفرُ الـطيارُ فادّرعَ الصبرا

وطأطأ لا جبناً ولو شاءَ لانتضى الـ     ـحسامَ الذي مِن قبـلُ فيه محـــى الكفرا

ولكنَّ حكمَ اللهِ جــــــــــــــــــارٍ وأنه     لأصبرَ مَن في الله يـستعــــذبُ الصبرا

لها اللهُ من مــــــــــــظلومةٍ كظلامةٍ     لديكَ لها لا تستطــــــــــــيعُ لها حصرا

وأفجع ما قاسته منــــــــــــك وكلها     فجائعَ أن أرقـــــــيتَ صـدرَ ابنها شمرا

فعلّى على الخطّارِ عـــــالي كريمِه     خضيباً ورضَّتْ صدرَه الـخيلُ والظهرا

فكابدَ حرَّ السيفِ وهوَ عــــلى ظماً     وظـــــلَّ بحرِّ الصيفِ ملـقىً على الغبرا

خــــضيباً بقانٍ مِن دماهُ بكتْ له الـ     ـســــــــماءُ دماً والأرضُ والأفقُ إحمرّا

عليكَ أبــــــا السجادِ ما أحسنَ البكا     وما أقــــــــــــــبحَ الدنيا بفقدِكَ والصبرا

أتقضي ولمْ تشربْ مِن الماءِ قطرةً     تريباً وفيكَ الناسُ تــــــــــستنزلُ القطرا

وتعدو عليكَ الــــــــعادياتُ مُجرَّداً     ترضُّ لكَ الصدرَ الذي اســــتودعَ السرّا

وقال من أخرى في رثائها (صلوات الله عليها) تبلغ (27) بيتاً:

تَعفيتَ يا ربـــــــــــــــــعَ الأحبةِ بعدَهمْ     فـــــــــــــــذكّرتني قَبر البتولةِ إذْ عفَي

رمتْها ســـــــــهامُ الدهرِ وهيَ صوائبٌ     بشجوٍ إلى أنْ جُرّعتْ غصصَ الحتفِ

وما ورثوها مـــــــــــــــن أبيها وأثبتوا     حديثاً نفــــــــاهُ اللهُ في محكمِ الصحفِ

لقدْ بالغوا في هضمِها وتـــــــــــحالفوا     عليها وخانــــوا اللهَ في محكمِ الصحفِ

فآبتْ وزندُ الغيظِ يقــــــــدحُ في الحشا     تعثّرُ بالأذيالِ مـــــــــــــــــثنيةَ العطفِ

وجاءتْ إلى الكرارِ تـــشكو اهتضامَها     ومدتْ إليهِ الطرفَ خاشـــــعةَ الطرفِ

أبا حسنٍ يا راسخً العلـــــــــمِ والحجى     إذا فرّتِ الأبطالُ رعباً مــــــن الزحفِ

ويا واحداً أفنى الجــــــــموعَ ولمْ يزلْ     بصيحتِهِ في الروعِ يأتي علــــى الألفِ

أراكَ ترانــــــــــــي وابن تيمٍ وصحبَهُ     يسومونني ما لا أُطيقُ من الخــــــسفِ

ويلطمُ وجهي نصبَ عينيكَ ناصبُ الـ     عداوةِ لي بالــــــــضربِ منّي يستشفي

فتغضيْ ولا تُنضـــــــي حسامَكَ آخذاً     بحقي ومنهُ اليومَ قــــــــدْ صفرتْ كفّي

لمنْ أشتكــــــــــــــي إلاّ إليكَ وَمَنْ بهِ     ألوذُ وهلْ لي بعدَ بيتكَ مـــــــــنْ كهفِ

وقدْ أضـــــرموا النيرانَ فيهِ وأسقطوا     جنيني فوا ويـــــــــــلاهُ منهمْ ويا لهفي

ومــــــــــا برحتْ مهضومةً ذاتَ علةٍ     تأرقُها البلوى وظالــــــــــــــمها مُغفي

إلى أنْ قضتْ مكسورةَ الضلعْ مسقطاً     جــــــــنينٌ لها بالضربِ مسودّة الكتفِ

كــسا جـــــسمَها ثوبُ الضنى وبناتُها     عناداً لــــــــــها قد سلّبوهنَّ بـ (الطفِّ)

وطــافوا بها الشاماتِ أسرى حواسراً     هــــــــواتفَ يذهلنَ الحمامَ عن الحتفِ

ويخمــشنَ بالأيــــدي وجوهاً تقشّرتْ     عن الشمسِ إذ ما في ظلالٍ ولا سجفِ

وقال في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) واستنهاض الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من قصيدة تبلغ (50) بيتاً:

أتقعدُ موتوراً برأيكَ حازمُ     وفي يدكَ العليا مِن السيفِ قائمُ

وتصبرُ حيث الصبرُ يقضي إلى الردى     كأنَّكَ قـــــــــد سالمتَ مَن لا يُسالمُ

وتــــقضي وما تدري جفونُكَ ما الكرى      ســـــــواهرَ مِن وجدٍ وحربُكَ قائمُ

شفتْ غــــــيــضَها منكمْ فُديتَ إلى متى     على الجورِ منهمْ أنتَ للغيظِ كاظمُ

مـــــــــــتى تــــــملأ الدنيا بهاءً وبهجةً     وعدلاً ولا يبقى على الأرضِ ظالمُ

وتنشرُ ما تطوي عــــــلى النصرِ رايةً     إذا خــــفقتْ كالطيــرِ فرَّ المُخاصمُ

وتــــــدركُ ثاراتٍ لـــــــــــكمْ مِن أميةٍ     بها لبســــتْ ثـــــــوبَ المذلّةِ هاشمُ

أتنســــــونَ إذ ســـــــامتكمُ ما يسوؤكمْ     وما ساءكــــم مِن قبلها الضيمَ سائمُ

وجارتْ عــــــليكمْ وارتقتْ مِن علاكمُ     رفـــــــــــــــيعَ مقامٍ لم تنله السلالمُ

وأنـــتمْ حماةُ الــــــجارِ مِن كلِّ طارقٍ     بلى ومـلوكُ الـــعدلِ أن جارَ حاسمُ

فللهِ يـــــومَ (الطفِّ) لا غــــــروَ بعده     مدى الدهرِ حـــــــزناً أن تُقامَ المآتمُ

فكمْ مِــن قصورٍ فيهِ للبغيِّ شُيِّــــــدتْ     وثُلتْ عـــــــروشٌ لـــلهـدى ودعائمُ

غداةَ أبــيُّ الـــــضيمِ جهَّزَ للوغــــــى     كراماً إليها الــدهرُ تُنمــــى المكارمُ

بدورَ هــدىً قد لاحَ فــــــي صفحاتِها     مِــــــن النورِ وسمٌ للهــــدى وعلائمُ

وقال في أهل البيت (عليهم السلام) ورثاء الإمام الحسين (عليه السلام)

يـــــــا أمَّةً نبذتْ وراءَ ظــــهورِها     بعد النبيِّ إمــــــــــــامَها وكتابَها

ماذا نــقمتِ مِــــن الوصيِّ ألمْ يكنْ     لمـــــــــدينةِ العلمِ الحصينةِ بابَها

أم هلْ ســـــواهُ أخٌ لأحمدَ مرتضى     مِن دونه قاسى الكروبَ صعابَها

منــــــعته من ماءِ الفراتِ ومكّنـتْ     منهـا خـــــــنازيـرَ الفـلا وذئابَهـا

حتى قضوا عطشاً فلا تهمي السما     أسفاً ولا تزجــي الرياحُ سحابَهـا

أضحتْ بهمْ ثكلى شريعةُ أحــــمـدٍ     وبسبطِ أحمدَ مــــا أجـلَّ مصابَهـا

تبدي الحدادَ عليهِ وهــــــيَ حقيقـةٌ     لكنَّ فيضَ دماهُ كـــــانَ خضابَهـا

...........................................................................

1 ــ أدب الطف ج 8 ص 313

2 ــ أعيان الشيعة ج 4 ص 556

3 ــ شعراء الغري ج 3 ص 3

4 ــ نفس المصدر والصفحة

5 ــ الحصون المنيعة في طبقات الشيعة ج 9 ص 189

6 ــ الطليعة من شعراء الشيعة ص 122

7 ــ الروض النضير ص 208

8 ــ أدب المحنة محمد علي الحلو ص 286

9 ــ شعراء الغري ج 3 ص 4

المرفقات

كاتب : محمد طاهر الصفار