51 ــ الصاحب بن عباد (326 ـــ 385 هـ / 938 ـــ 995 م)

 

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) تبلغ (11) بيتاً:

وذبحهمُ خيرَ الرجالِ أرومةً  * حسينَ العلى بالكربِ فـي (كربلائـ) ـهِمْ

وتشتيتهمْ شمــــلَ النبيِّ محمدٍ   ***   لما ورثوا من بغضِهمْ في فنائِهمْ

وما غضبتْ إلّا لأصنامِها التي   ***  أديلتْ وهمْ أنصــــارُها لشقائِهِمْ

وقال من قصيدة تبلغ (32) بيتاً:

لَهيبٌ بِقَلبي حينَ أَذكرُ (كَربلا)   ***   فَيهلـــــكنـي بَعد النَحيبِ نَحيبُ

نَحيبٌ اِذا قيلَ الحسيــــنُ وَقتلُهُ   ***   يَزيدُ وَفــي قَلبي الحَزينِ وَجيبُ

حَـبيبٌ أَراهُ واجِباً بَعـــد سادَةٍ   ***   تُغادَرُ صَـرعى وَالجَميعُ غَريب

وقال من قصيدة تبلغ (73) بيتاً:

يا (كربلاء) تحدّثي ببــــــلائِنا   ***   وبـ كربـــــــــنا إنَّ الحديثَ يعادُ

أسدٌ نماهُ أحمدٌ ووصـــــــــــيُّه   ***   أرداهُ كلبٌ قد نمــــــــــــاهُ زيادُ

ساقوا بناتِ المصطفى مسبيـةً   ***   وحداتُها التخــــــــويفُ والإيعادُ

 ومن قصيدة في مدح أمير المؤمنين تبلغ (37) بيتا يقول منها:

يا تباريح (كربلا)   ***   إنَّ نفسي محيّرهْ

للذي نالَ سادتي   ***   مـن رزايا مشمَّرَهْ

كُنتُـــــــمُ بُكرَةً بُــــــــــــــدورَ ظلامٍ مُنَوِّرَه

ويقول من قصيدة أخرى تبلغ (36) بيتاً:

يا ليتني في (كربلاء) أنــــــوحُ إن بكتِ البواكي

هذا ولو شاهدتها   ***   لوهبتُ روحي للهلاكِ

يا أرضها أفــدي ذراكِ ومهـــــجتي تفدي ثراكِ

وقال من قصيدة تبلغ (31) بيتاً:

يا لكربٍ بـ (كربلاء) عظيمٍ   ***   ولرُزءٍ على النبــيِّ ثقيلِ

كم بكى جبرئيلُ مما دهاهُ   ***   في بنيهِ صلّوا على جبريلِ

سوفَ تأتي الزهراءُ تلتمسُ الحكــــــمَ إذا حانَ محشرُ التعديلِ

وقال من قصيدة أخرى تبلغ (78) بيتاً:

منعوا الحسينَ الماءَ وهو مجاهدٌ   ***   في (كربلاءَ) فنُحْ كنوحِ المعولِ

منعوهُ أعذبَ منهـــــلٍ وكذا غداً   ***   يردونَ في النيــرانِ أوخمَ منهلِ

يُسقونَ غسلينا ويحشــرُ جمعُهم   ***   حشراً متيناً في العقــابِ المجملِ

وقال من قصيدة تبلغ (50) بيتاً:

فبكت ملائكة السماءِ بـ (كربلا)   ***   والدينُ بيــــــنَ تحرُّقٍ ورنينِ

وَجَرى عَلى زيـــدٍ وَيَحيى بَعدَهُ   ***   ما أَلبَسَ الاِسلامَ ثَوبَ شجونِ

هاتا أُمَيَّةُ راجَـــــــــعَت ثاراتِها   ***   فيها بِشَمـلِ ضِلالِه المَوضونِ

وقال من أرجوزة مطولة في مدح أهل البيت (عليهم السلام):

وعُد إلى الطـفِّ بـ (كربلاء)   ***   أهـــــــــدِ سلامي أحسنَ الإهداءِ

لخيرِ من قد ضـــمَّه الصعيدُ   ***   ذاكَ الحسيـــــــــــنُ السيدُ الشهيدُ

واجنبْ إلى الصحراءِ بالبقيعِ   ***   فثمَّ أرضُ الشــــــــــرفِ الرفيعِ

الشاعر

أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن العباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقاني الملقب بـ (كافي الكفاة)، و(الصاحب) وزير مؤيد الدولة، ثم فخر الدولة، ولي الوزارة ثماني عشرة سنة وشهراً، وهو أحد كتاب الدنيا الأربعة، ولد في إحدى كُوَر فارس بأصطخر أو طالقان وهو أوّل من لقب بـ (الصاحب) من الوزراء في الدولة البويهية، لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد فقيل له: صاحب ابن العميد ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولّى الوزارة بعد ابن العميد سنة (367هـ). 

عُدّ في العلم في عداد الكليني والصدوق والمفيد والطوسي, ووصفه المجلسي بـ : (أفقه فقهاء أصحابنا المتقدمين والمتأخرين). وعدّه في مكان آخر: (من رؤساء المحدثين والمتكلمين)، ووصفه الحر العاملي بأنه: (محقق متكلم عظيم الشأن جليل القدر في العلم).

أما في اللغة فقد عدّه الثعالبي: (أحد أئمة اللغة) الذين اعتمد عليهم في كتابه (فقه اللغة) وجعله في مصاف الليث، والخليل، وسيبويه. وقال عنه ابن خلكان: (كان نادرة الدهر وأعجوبة العصر في فضائله ومكارمه وكرمه).

نشأته وأخلاقه

نشأ الصاحب في بيت توارث الوزارة أبا عن جد، فقد كان أبوه وجده من الوزراء، يقول الثعالبي عنه: نشأ من الوزارة في حجرها، ودبّ ودرجَ وكرها، ورضع أفاويق درها، وورثها عن أبيه كما قال أبو سعيد الرستمي أحد شعرائه:

ورث الوزارة كابراً عن كابر   ***   موصولة الإسنادِ بالإسنادِ

يروي عن العبـــــاسِ عبادٌ وزارته وإسمــــــــــــاعيلُ عن عبادِ

ويروى لهذا البيت مآثر كثيرة وفضائل جمة، فقد عرف بالفضل والكرم، فتغذى الصاحب منذ صغره بهذه الصفات، ونمت معه ولم تفارقه حتى وفاته، وقد روي: أنه كان في الصغر إذا أراد المضي إلى المسجد ليقرأ تعطيه والدته ديناراً ودرهماً في كل يوم وتقول له: تصدق بهذا على أول فقير تلقاه فكان هذا دأبه في شبابه إلى أن كبر.

بلغ الصاحب من الكرم ومكارم الأخلاق والفضل شأناً كبيراً، ورويت له من الأخبار في ذلك ما يفوق الوصف، فقد اعتاد على السخاء وإكرام الضيف وإطعام الناس وشب عليه، فكان يستقبح أن يجالسه إنسان دون أن يكرمه بالضيافة، وقد روى الثعالبي عنه ما نصه: (حضرت مجلس ابن العميد عشية من عشايا شهر رمضان وقد حضره الفقهاء والمتكلمون للمناظرة، وأنا إذ ذاك في ريعان شبابي فلما تقوّض المجلس وانصرف القوم وقد حل الإفطار أنكرت ذلك فيما بيني وبين نفسي، واستقبحت إغفاله الأمر بتفطير الحاضرين مع وفور رياسته واتساع حاله، واعتمدت أني لا أخل بما أخل به إذا قمت يوماً مقامه).

ويتابع الثعالبي قوله: (فكان الصاحب لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر كائناً من كان فيخرج من داره إلا بعد الإفطار عنده، وكانت داره لا تخلو في كل ليلة من ليالي شهر رمضان من ألف نفس مفطرة فيها، وكانت صِلاته وصدقاته وقرباته في هذا الشهر تبلغ مبلغ ما يطلق منها في جميع شهور السنة).

وروى الحموي عن هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابئ قوله: (كان الصاحب يراعي من ببغداد والحرمين من أهل الشرف وشيوخ الكتاب والشعراء وأولاد الأدباء والزهاد والفقهاء بما يحمله إليهم كل سنة مع الحاج على مقاديرهم ومنازلهم، فكان ينفذ إلى بغداد من ذلك خمسة آلاف دينار في سنة تفرق على الفقهاء والأدباء وكان يحمل إلى أبي إسحاق الصابئ خمسمائة دينار واليَّ ــ أي للراوي ــ ألف درهم جبلية).

وقال الحموي أيضاً: (أنه كان ما يخرج لكافي الكفاة في السنة في وجوه البر والصدقات والمبرات وصلات الأشراف وأهل العلم والغرباء الزوار ومن يجري مجرى ذلك مما يتكلفه أجر الآخرة يزيد على مائة ألف دينار)

كان الصاحب على جانب عظيم من الخلق والورع والتقوى والتواضع فكان يقول لجلسائه من العلماء والأدباء والشعراء: (نحن بالنهار سلطان وبالليل أخوان).

وقد استدعى في بعض الأيام شراباً، فأحضروا قدحاً، فلما أراد أن يشربه قال له بعض خواصه: لا تشربه فإنه مسموم ــ وكان الغلام الذي ناوله واقفا ــ فقال للمحذِّر: ما الشاهد على صحة قولك ؟ فقال: تجربه في الذي ناولك إياه. فقال: لا أستجيز ذلك ولا استحله. فقال: فجِّر به في دجاجة. فقال الصاحب: التمثيل بالحيوان لا يجوز. ورد القدح وأمر بقلبه، وقال: للغلام انصرف عني ولا تدخل داري، وأمر بإقرار جارية وجرايته عليه، وقال لا يدفع اليقين بالشك، والعقوبة بقطع الرزق نذالة.

وقال أبو القاسم الزعفراني يصف جوده وكرمه:

سواكَ يعدّ الغنى ما اقتنى   ***   ويأمرُه الحرصُ أن يخزِنا

وأنتَ ابنُ عبادٍ المـرتجى   ***   تعدّ نــــــــوالكَ نيلَ المُنى

وخيرُكَ من باســــطٍ كفّه   ***   وممن ثنــاها قريبُ الجنى

غمرتَ الورى بصنوفِ الندى  *** فأصغرُ ما ملكوهُ الغنى

وغادرتَ أشعرهمْ مفحماً   ***   وأشكـــــرهم عاجزاً ألكنا

أيا من عطاياهُ تهدي الغنى ***  إلى راحتي من نأى أو دنا

ومن أعماله وآثاره بناء سور قزوين، وقال الحموي: فتح الصاحب خمسين قلعة سلمها إلى فخر الدولة لم يجتمع عشر منها لأبيه ولا لأخيه.

دراسته وأساتذته وتلامذته

درس الصاحب علوم العربية والآداب على يد كبار العلماء والأدباء، فكان من أساتذته: والده أبو الحسن عباد بن العباس، وأبو الفضل ابن العميد، وأحمد بن فارس اللغوي، وأبو الفضل العباس بن محمد النحوي الملقب بـ (عرام)، وأبو سعيد السيرافي، وأبو بكر بن مقسم، والقاضي أبو بكر بن كامل، وعبد الله بن جعفر بن فارس، وأحمد بن كامل بن شجرة، وأبو عمرو الصباغ وغيرهم.

أما تلاميذه فكانوا أبرز ما أنجبت العربية من أفذاذ العلماء والأدباء منهم: عبد القاهر الجرجاني الذي امتلأت كتبه بآراء أستاذه الصاحب، وأبو بكر بن المقري، والقاضي أبو الطيب الطبري، وأبو بكر بن علي الذكواني، والقاضي عبد الجبار، وأبو الفضل محمد بن محمد بن إبراهيم النسوي الشافعي وخلق كثير كما يقول الشهيد الثاني في شرح الدراية عند ذكر طرق التحمل للحديث.

وكان الصاحب يصبُّ اهتمامه على علم الحديث وكان يقول: (من لم يكتب الحديث لم يجد حلاوة الإسلام). وقال السمعاني عنه: (إنه سمع الأحاديث من الأصفهانيين والبغداديين والرازيين وحدَّث، وكان يحث على طلب الحديث وكتابته، وكان يملي الحديث على خلق كثير فكان المستملي الواحد ينضاف إليه الستة كل يبلغ صاحبه، فكتب عنه الناس الكثير الطيب).

نثره

كان الصاحب أحد كتاب الدنيا الأربعة وهم إضافة إليه: عبد الحميد الكاتب، وابن العميد، وأبو إسحاق الصابئ، وفي ذلك يقول الشاعر:

أمخطئاً عبد الحميد وهازئاً   ***   بابنِ العميدِ ولاعباً بالصاحبِ

وقال الثعالبي في خصائص نثر الصاحب: (كان الصاحب يكتب كما يريد، والصابئ كما يُؤمر وبين الحالين بون بعيد)، وينقسم نثر الصاحب إلى قسمين: أحدهما توقيعاته وأجوبته وكلماته القصار، والثاني: رسائله. ومن جميل نثره ما رُوي أنه أراد أن يعزل قاضي قم، فكتب إليه: أيها القاضي بقم، قد عزلناك فقم.

أما توقيعاته الغريبة فمنها أنه كتب إليه بعض أصحابه رقعة نصّها: (فإن رأى مولانا أن ينعم بكذا فعل)، فوقّع الصاحب فيها جوابه، ولما رُدّت الرقعة إلى صاحبها لم يرَ فيها توقيعاً، ولما استفسر عن ذلك قيل له: إن الصاحب وقعها، فعرضها على أبي العباس الضبي فما زال يتفحّصها حتى عثر على التوقيع وهو ألف واحدة فقط وضعها الصاحب أمام (فعل) فصارت (إفعل).

مؤلفاته

1 ــ المحيط في اللغة بعشر مجلدات رتّبه الصاحب على حروف المعجم، هو أبرز مؤلفات الصاحب الموسوعية المتنوعة الكثيرة التي ضمَّت علوم الكلام، والفقه، والحديث، واللغة، والنحو، والأدب، والشعر، والطب ومنها:

2 ــ الكافي بالرسائل وفنون الكتابة

3 ــ جوهرة الجمهرة لابن دريد

4 ــ الأعياد

5 ــ الإمامة في تفضيل أمير المؤمنين (عليه السلام)

6 ــ الوزراء

7 ــ الكشف عن مساوئ شعر المتنبي

8 ــ أسماء الله وصفاته.

9 ــ نهج السبيل في الأصول.

10 ــ الوقف والابتداء.

11 ــ الزيدية

12 ــ المعارف في التاريخ

13 ــ القضاء والقدر.

14 ــ الروزنامجه.

15 - أخبار أبي العيناء.

16 - تاريخ الملك واختلاف الدول.

17 - الاقناع في العروض.

18 - نقض العروض.

17 - ديوان رسائله في عشر مجلدات.

18 - الشواهد.

19 ــ التذكرة للأصول الخمسة.

20 ــ التعليل.

21 ــ الأنوار.

22 ــ الفصول المهذبة للعقول.

23 ــ الابانة عن مذهب أهل العدل.

24 ــ كتاب في الطب.

28 - كتاب في الطب أيضا.

29 ــ عبد العظيم الحسني المدفون بالري.

30 ــ السفينة

32 ــ الفصول الأدبية والمراسلات العبادية، مرتبة على خمسة عشر بابا في كل باب خمسة عشر فصلا.

33 ــ الهداية والضلالة

34 ــ نهج السبيل في الأصول.

35 ــ تاريخ الملك واختلاف الدول.

36 ــ عنوان المعارف وذكر الخلائف

37 ــ علم الكلام

38 ــ ديوان شعره

ومما روي من سعة اطلاعه أن أنه عندما ألف كتابه الوقف والابتداء وهو أول مؤلفاته وكان حينها شاباً، وقد سبقه إلى هذا العنوان ابن الأنباري، فراسله ابن الأنباري قائلاً: إنما صنّفت في الوقف والابتداء بعد أن نظرت في نيف وسبعين كتاباً تتعلق بهذا العلم، فكيف صنفت هذا الكتاب مع حداثة سنك ؟ فقال الصاحب للرسول قل للشيخ: نظرت في النيف والسبعين التي نظرت فيها ونظرت في كتابك أيضاً.

قالوا عنه

كثيرة هي الأقوال التي انتزعتها شخصية الصاحب من أفواه العلماء والأدباء الذين بهروا بمزاياه وعلومه وآدابه وقد ذكرنا تبجيل علماء الشيعة له وفضله في العلم، (فهو في عداد: الكليني والصدوق والمفيد والطوسي)، كما يقول الشيخ البهائي، وهو: (أفقه فقهاء أصحابنا المتقدمين والمتأخرين)، و(من رؤساء المحدثين والمتكلمين)، وأن: (كلما يذكر من العلم والفضل فهو فوقه)، كما يقول الشيخ المجلسي، وهو: (محقق متكلم عظيم الشأن جليل القدر في العلم) و(عالم فاضل ماهر شاعر أديب محقق متكلم عظيم الشأن جليل القدر في العلم والأدب والدين والدنيا) كما وصفه الحر العاملي، ومن (شعراء أهل البيت المجاهرين). كما صنفه ابن شهراشوب، وقد أجمعت كتب الشيعة على الثناء عليه. 

كما عدّه علماء اللغة من أربابها الذين يستوحون منهم علومها فهو: (أحد أئمة اللغة) الذين اعتمد الثعالبي عليهم في كتابه (فقه اللغة) وجعله في مصاف الليث، والخليل، وسيبويه، وخلف الأحمر، وثعلب، والأعمش، وابن الكلبي، وابن دريد.  وأفرد له الأنباري أيضاً ترجمة في كتابه: طبقات الأدباء النحاة، وكذلك السيوطي في (بغية الوعاة) في طبقات اللغويين والنحاة، ووصفه العلامة المجلسي في مقدمة البحار بأنه (علم في اللغة والعروض والعربية من الإمامية).

وأقوال أعلام الفقه واللغة والأدب في حقه كثيرة وقد ترجم له الشيخ عبد الحسين الأميني في أكثر من (40) صفحة في الغدير وقال في ترجمته:

(من النفسيات الكبيرة التي أعيت البليغ حدودها نفسية الصاحب فهي تستدعي الإفاضة في تحليلها من ناحية العلم طوراً، ومن ناحية الأدب تارة، كما تسترسل القول من وجهة السياسة مرة، ومن وجهة العظمة أخرى، إلى جود هامر، وفضل وافر، وشرف صميم، ومذهب قويم، وفضائل لا تحصى ومهما هتفت المعاجم بشيء من ذلك فإنه بعض الحقيقة، ولعل في شهرته بهاتيك المآثر جمعاء غنىً عن الإطناب في وصفه، وإنك لا تجد شيئاً من كتب التراجم إلّا وفيه لمع من محامده....).

كما ترجم له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة أكثر من (40) صفحة أيضاً وكان مما قاله عنه: (علم من أعلام القرن الرابع جمع بين الوزارة والكتابة والسيف والقلم، وكان صدراً في العلم والأدب وغاية في الكرم وجلالة القدر، وفرداً في الرياسة وكثرة الفضائل).

وترجم له الثعالبي في (يتيمة الدهر) في (91) صفحة، وكان مما قال عنه: (ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب، وجلالة شأنه في الجود والكرم، وتفرّده بغايات المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر، لأن همة قولي تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه، وجهد وصفي يقصر عن السير في فواضله ومساعيه، ولكنني أقول: هو صدر المشرق، وتاريخ المجد، وغرة الزمان، وينبوع العدل والاحسان، ومن لا حرج في مدحه بكل ما يمدح به مخلوق، ولولاه ما قامت للفضل في دهرنا سوق، وكانت أيامه للعلوية والعلماء والأدباء والشعراء، وحضرته محط رحالهم، وموسم فضلائهم، ومنزع آمالهم، وأمواله مصروفة إليهم، وصنائعه مقصورة عليهم، وهمته في مجد يشيده، وإنعام يجدده، وفاضل يصطنعه، وكلام حسن يصنعه أو يسمعه، ولما كان نادرة عطارد في البلاغة، وواسطة عقد الدهر في السماحة، جلب إليه من الآفاق وأقاصي البلاد كل خطاب جزل وقول فصل، وصارت حضرته مشرعاً لروائع الكلام، وبدائع الإفهام، ومجلسه مجمعاً لصوب العقول، وذوب العلوم، وثمار الخواطر، ودرر القرائح، فبلغ من البلاغة ما يعد في السحر، ويكاد يدخل في حد الاعجاز، وسار كلامه مسير الشمس، ونظم ناحيتي الشرق والغرب، واحتف به من نجوم الأرض وأفراد العصر وأبناء الفضل وفرسان الشعر من يربي عددهم على شعراء الرشيد، ولا يقصرون عنهم في الأخذ برقاب القوافي، وملك رق المعاني).

وقال الصدوق المعاصر له والساكن معه في الري في مقدمة كتابه عيون أخبار الرضا: (صنفت هذا الكتاب لخزانته المعمورة ببقائه، إذ لم أجد شيئاً آثر عنده وأحسن موقعاً لديه من علوم أهل البيت عليهم السلام، لتعلقه أدام الله عزه بحبلهم واستمساكه بولايتهم واعتقاده لفرض طاعتهم وقوله بإمامتهم وإكرامه لذريتهم وإحسانه إلى شيعتهم) .....

وقال السمعاني في الأنساب: (أبو القاسم بن عباد الطالقاني الوزير المعروف بالصاحب اشتهر ذكره وشعره ومجموعاته في النظم والنثر في الآفاق، فاستغنينا عن شرح ذلك).

وعن الهلال بن المحسن الصابي في تاريخ الوزراء (كان وحيد عصره وفريد دهره في العلم والفضل والفهم والفطنة مقدماً في إصابة الرأي والتدبير وإضاءة الخاطر وصفاء الضمير).

وقال جرجي زيدان في تاريخ آداب اللغة العربية: (كان أديبا مُنشئاً، وعالماً في اللغة وغيرها، وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء .... وكان مجلسه محط الشعراء والأدباء يمدحونه أو يتنافسون أو يتقاضون بين يديه).

وقال السيوطي في بغية الوعاة: (كان نادرة عصره وأعجوبة دهره في الفضائل والمكارم، حدث وقعد للإملاء، وحضر الناس الكثير عنده، ولم يجتمع بحضرة أحد من العلماء والشعراء الأكابر ما اجتمع بحضرته، وشهرته قد تغني عن الأطناب بذكره)

وقال عنه الوزير أبو سعد منصور بن الحسين الآبي في تاريخه: (إن أسنة الأقلام وعذبات الأسنة تكل دون أيسر أوصاف الصاحب وأدنى فضائله)

وقال عنه ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان: (إسماعيل بن عباد بن عباس الصاحب أبو القاسم الطالقاني المشهور بالفضائل والمكارم والآداب. وكان صدوقا)

وقال الرافعي في كتابه التدوين في علماء قزوين: (هو أشهر من أن يحتاج إلى وصفه جاها ورتبة وفضلا ودراية، وكتبه ورسائله ومناظراته دالة على قدره .... وكان يناظر ويدرِّس ويصنِّف ويُملي الحديث)

وقال عنه محمد بن سعد المافروخي في كتاب محاسن أصفهان: (كان والله الفاضل المميز، والكامل المبرَّز، ثالث الثلاثة الذين نافس عضد الدولة فيهم أخاه مؤيد الدولة، وحسده عليهم وهو أن العضد كان كثيراً ما يقول قولاً معناه: قد حُبيت بغايات الأماني وأوتيت أقاصي المباغي فلا أحسدُ ملكاً من الملوك على شيء غير أخي علي أبي القاسم، الثلاثة أبي القاسم إسماعيل بن عباد، وأبي القاسم فضل بن سهل، وأبي القاسم بن جعفر القاضي المعروف باليزدي، وكان كل واحد منهم في فنه نسيج وحده، وقريع زمانه، منيفاً على أهل صناعته وأقرانه....)

وقال عنه ابن الانباري في نزهة الألباء: (كان غزير الفضل، متفنناً في العلوم، وصاحب بلاغة وفصاحة، سمح القريحة)

وقال اليافعي في مرآة الزمان: (كان نادرة الدهر وأعجوبة العصر في فضائله ومكارمه .... وأخبار الصاحب بن عباد كثيرة وفضائله بين أهل هذا الفن شهيرة فاقتصرت منها على هذه النبذة اليسيرة)

وقال ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب: (كان من رجال الدهر حزماً وعزماً وسؤدداً ونبلاً وسخاءً وحشمةً وإفضالاً وعدلاً)

وقال عنه القاضي نور الله في مجالس المؤمنين: (طبعه الوقاد يقتطف في رياض العلوم من أزهار الأصول والفروع، ولرأيه المصيب في تدبير الأمور قصب السبق على أمثاله وأقرانه، وله اليد البيضاء في نظم مصالح الجمهور بفكره الثاقب، لا جرم إن أعطيت بكف كفايته ضمانة الأمور العظام، وجعلت في قبضته أعنة الحل والعقد وأزمة البسط والقبض لمصالح العباد).

وقال عنه الطريحي في مجمع البحرين: (جمع بين الشعر والكتابة وفاق فيهما أقرانه) وقد نقل قوله هذا من الفاضل الجلبي في حاشية المطول.

وقال ابن شهرآشوب في معالم العلماء: (متكلم شاعر نحوي وقد مدحه الرضي مكاتبة ثم رثاه).

ورغم تحامل أبي حيان التوحيدي عليه واختلاق المثالب فيه إلا أنه لم يستطع أن ينكر فضله وعلمه فقال عنه وعن ابن العميد في كتابه (مثالب الوزيرين) كما في معجم الادباء: (ولولا أن هذين الرجلين ــ أعني ابن عباد وابن العميد ــ كانا كبيري زمانهما، وإليهما انتهت الأمور، وعليهما طلعت شمس الفضل، وبهما ازدانت الدنيا، وكانا بحيث ينشر الحسن منهما نشرا، والقبيح يؤثر عنهما أثرا، لكنت لا أتسكع في حديثهما هذا التسكع، ولا أنحني عليهما بهذا الحد، ولكن النقص ممن يدعي التمام أشنع، والحرمان من السيد المأمول فاقرة، والجهل من العالم منكر، والكبيرة ممن يدعي العصمة جائحة، والبخل ممن يتبرأ منه بدعواه عجيب .....)

ثم يعترف أن من المستحيل أن تجد لهما ثالثا في زمانهما يعدلهما في العلم والأدب فيقول: (ولو أردت مع هذا كله إن تجد لهما ثالثاً في جميع من كتب للجبل والديلم إلى وقتك هذا المؤرخ في الكتاب لم تجد)

ويقول الدكتور محمود البستاني: (إن هذا الشاعر، هو اسم برز في ميدان الرسائل والنثر الفني التأليفي، الإبداعي، والوضعي)

وقال عنه أبو بكر الخوارزمي: (الصاحب نشأ من الوزارة في حجرها. ودبّ ودرج من وكرها، ورضع أفاويق درّها وورثها عن آبائه).

وقال عنه ابن الجوزي في (المنتظم): (كان يخالط العلماء والأدباء ويقول لهم: نحن بالنهار سلطان وبالليل إخوان)

ويقول إبراهيم شمس الدين في مقدمة تحقيقه لديوان الصاحب: (غزير العلم، جم الأدب، واسع الرواية، عالي الثقافة، حسن المحاضرة، قضى حياته في الطلب والمذاكرة، والإنشاء والتأليف ....)

وقد ألفت عن الصاحب العديد من الكتب التي تحدثت عن مزاياه وعلمه وأدبه منها:

1 ــ الديوان المعمور في مدح الصاحب المذكور، لأبي طالب الخيمي (مهذب الدين محمد بن علي الحلي المزيدي)

2 ــ أخبار الصاحب بن عباد لمحمد علي بن الشيخ أبي طالب الزاهدي الجيلاني.

3 - رسالة الارشاد في أحوال الصاحب بن عباد للسيد أبي القاسم أحمد بن محمد الحسني الحسيني الأصبهاني.

4 ــ الصاحب بن عبّاد .. حياته و أدبه للشيخ محمد حسن آل ياسين

5 – الصاحب بن عباد للأستاذ خليل مردم بك وهو الجزء الرابع من سلسلة أئمة الأدب الأربعة.

6 ــ الصاحب بن عباد .. الوزير الأديب لكامل عويضة

وقد كان لتشجيعه العلماء على التأليف ونشر العلم أن ألف له العديد من الكتب أغنت المكتبة العربية منها:

1 - عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق

2 ــ نفي التشبيه لابن بابويه القمي

3 – تاريخ قم للحسن بن محمد القمي

4 – الصاحبي في فقه اللغة لابن فارس الرازي اللغوي

5 – التهذيب للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني

6 ــ الحجر لأبي جعفر أحمد بن أبي سليمان داود الصواف المالكي.

الصاحبيات

قال ياقوت الحموي: مدح الصاحب خمسمائة شاعر من أرباب الدواوين. وقال ابن خلكان: (كتب عنه الكتاب وألفوا فيه)، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب الأدب من ذكر أحواله، وقد أحصى الأميني من الشعراء الذين مدحوه من أرباب الدواوين (43) شاعراً وذكر أسماءهم مع مطالع قصائدهم فيه وهم:

1 - أبو القاسم الزعفراني عمر بن إبراهيم العراقي

2 - أبو القاسم عبد الصمد بن بابك

3 - أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الوزير من آل بويه

4 - الوزير أبو العباس الضبي

5 - الكاتب أبو القاسم علي بن القاسم القاشاني

6 - أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي العراقي

7 - القاضي أبو الحسن علي بن العزيز الجرجاني

8 - أبو الحسن علي بن أحمد الجوهري الجرجاني

9 - أبو الفياض سعد بن أحمد الطبري

10 - أبو هاشم محمد بن داود بن أحمد بن داود بن أبي تراب البطحائي المعروف بالعلوي الطبري

11 - أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي

12 - أبو سعد نصر بن يعقوب

13 - السيد أبو الحسين علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن القاسم بن محمد بن القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام صهر الصاحب

14 - أبو عبد الله الحسين بن أحمد الشهير بابن الحجاج البغدادي

15 - أبو الحسن علي بن هارون بن المنجم

16 - الشيخ أبو الحسن بن أبي الحسن صاحب البريد

17 - أبو الطيب الكاتب

18 - أبو محمد ابن المنجم

19 - أبو عيسى ابن المنجم

20 - أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن المعلى

21 - أبو العلاء الأسدي

22 - أبو الحسن الغويري

23 - أبو سعيد الرستمي محمد بن محمد بن الحسن الأصبهاني

24 - أبو محمد عبد الله بن أحمد الخازن الأصبهاني

25 - أبو الحسن علي بن محمد البديهي

26 - أبو إبراهيم إسمعيل بن أحمد الشاشي العامري

27 - أبو طاهر بن أبي الربيع عمرو بن ثابت

28 - أبو الفرج الحسين بن محمد بن هند

29 - العميري قاضي قزوين

30 - أبو الرجاء الأهوازي

31 - أبو منصور أحمد بن محمد اللجيمي الدينوري

32 - أبو النجم أحمد الدامغاني المعروف ب (شصت كله)

33 - الشريف الرضي

34 - القاضي أبو بكر عبد الله بن محمد بن جعفر الأسكي

35 - أبو القاسم غانم بن محمد بن أبي العلا الاصبهاني

36 - أبو بكر محمد بن أحمد اليوسفي الزوزني

37 - أبو بكر يوسف بن محمد بن أحمد الجلودي الرازي

38 - أبو طالب عبد السلام بن الحسين المأموني

39 - أبو منصور الجرجاني

40 - الأوسي

41 - إبراهيم بن عبد الرحمن المعري

42 - محمد بن يعقوب أحد أئمة النحو

43 - محمد بن علي بن عمر أحد أعيان الري

وأغلب هؤلاء الشعراء لم تقتصر مدائحهم على القصيدة الواحدة، بل لهم قصائد كثيرة في الصاحب

مكتبته

جمع الصاحب خلال وزارته التي دامت لأكثر من ثماني عشرة سنة ما لم يجمعه غيره من الوزراء والملوك من الكتب، وقد احتوت مكتبته على نفائس الكتب فأصبحت مضرب المثل في تاريخ المكتبات يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: جمع الصاحب من الكتب ما يحتاج في نقلها إلى أربعمائة جمل.

وقد نقلت هذه المكتبة إلى دار الكتب في الري فأصبحت تلك الدار من أعظم مكتبات العالم، وكانت عماد هذه الدار، وبقيت هذه المكتبة ترفد العلماء والأدباء حتى آلت إلى يد الجهل والعصبية والحقد الطائفي، عندما غزا محمود بن سبكتكين الري فقيل له: هذه كتب الروافض فأمر بإحراقها !

وكانت فهارس كتب تلك الدار في عشر مجلدات، وقد نقل الحموي في (معجم الأدباء) عن أبي الحسن البيهقي قوله: (بيت الكتب الذي بالري دليل على ذلك بعد ما أحرقه السلطان محمود بن سبكتكين فإني طالعت هذا البيت فوجدت فهرست تلك الكتب عشر مجلدات، فإن السلطان محمود لما ورد إلى الري قيل له: إن هذه الكتب كتب الروافض وأهل البدع فاستخرج منها كل ما كان في علم الكلام وأمر بحرقه). وكان خازن تلك المكتبة ومتوليها: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي المقري، وأبو محمد عبد الله الخازن بن الحسن الأصبهاني.

عقبه ووفاته ورثاؤه

بعد حياة حافلة وصاخبة بالعلم والأدب، ومفعمة بالكرم والفضل والفضائل، أغمضت عينا الصاحب عن هذه الدنيا، ولم يترك من الأبناء سوى بنت تزوجها علي بن الحسين الحسني الرئيس بهمدان، وكان من أهل العلم والفضل والأدب، فكان الصاحب يفتخر بهذه الصلة ويباهي بها، ولما ولدت ابنة الصاحب من أبي الحسين ابنه عباداً ووصلت البشارة إلى الصاحب قال:

أحمـــــــدُ اللهَ لبشرٍ‌‏   ***   جاءنا عند العشيِّ

إذ حباني اللهُ سبطاً   ***   هوَ سبـــــطٌ للنبيِّ

مرحباً ثَمــت أهلاً   ***   بغــــــلامٍ هاشميِّ

وقال في ذلك قصيدة أولها:

الحمدُ للهِ حمداً دائماً أبدا   ***   قد صارَ سبط رسولِ اللهِ لي ولدا

وقد كان يوم وفاة الصاحب عظيماً حيث عطلت الأسواق في الري وشيِّع تشييعاً مهيباً وحمل إلى أصفهان ودفن فيها ولا يزال قبره إلى الآن يزار.

وقد رثاه كثير من الشعراء بمراثٍ غاية في التفجُّع، وقد ذكر هذه المراثي السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة ومن الشعراء الذين رثوه الشريف الرضي، وأبو القاسم ابن أبي العلاء الأصبهاني، وأبو سعيد الرستمي، وأبو العباس الضبي أحمد بن إبراهيم، وأبو الحسن علي بن الحسين الحسني، وأبو الحسن الهمذاني، وأبو منصور أحمد بن محمد اللجيمي، وأبو الفرج بن ميسرة، وأبو الفياض سعيد بن أحمد الطبري، وأبو القاسم غانم بن محمد بن أبي العلا الأصبهاني وغيرهم، وكان أبلغ هذه القصائد وأكثرها أثراً وتأثراً، قصيدة الشريف الرضي التي بلغت (120) بيتاً، وقد شرحها لجزالتها وقوتها وشاعريتها أبو الفتح عثمان بن جني فكان مما قاله الرضي:

أكذا المنونُ تقطرُ الأبطالا      ***   أكذا الزمانُ يضعضعُ الأجبالا

أكذا تصابُ الأسْدُ وهي مدلّةٌ   ***   تحمي الشبــولَ وتمنعُ الأغيالا

أكذا تقامُ عن الفرائسِ بعد ما   ***   ملأتْ هماهـمُها الورى أوجالا

أكذا تحط الزاهراتُ عن العلى ***   من بعدِ ما شــأتِ العيونُ منالا

أكذا تكبُّ البزلُ وهي مصاعبٌ *   تطوي البعيـــــــدَ وتحملُ الأثقالا

أكذا تغاضُ الزاخراتُ وقد طغتْ ***   لُجَجا وأوردتِ الظماءُ زلالا

يا طالبَ المعروفِ حلّقَ نجمُه   ***   حط الحمـولَ وعطلِ الاجمالا

وأقمْ على يأسٍ فقد ذهبَ الذي   ***   كان الأنــــــامُ على نداهُ عِيالا

من كان يقري الجهلَ علماً ثاقباً   *** والنقصُ فضلاً والرجاءُ نوالا

ويجبِّنُ الشجعـانَ دون لقائِه   ***   يومَ الوغى ويشجِّـــــــعُ السؤآلا

خلّع الردى ذاكَ الرداءَ نفاسةً   ***   عنا وقلّــــــــص ذلكَ السربالا

شعره

قال السيد جواد شبر إن (له عشرة آلاف بيت في مدح آل رسول الله وقد نقش على خاتمه.

شفيع إسماعيل في الآخرة‏   ***   محمد والعترة الطاهرة) 

ويقول السيد الأمين عن شعره: (الصاحب مجود في شعره كما هو بارع في نثره وقلما يكون الكاتب جيد الشعر ولكن الصاحب جمع بينهما)..

وللصاحب في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام) سبع وعشرون قصيدة كل قصيدة أخلى منها حرفاً من الحروف وبقيت عليه قصيدة خالية من الواو فأكملها صهره وجعلها في مدحه، وقصيدته الخالية من حرف الألف تبلغ ستين بيتاً أولها:

قد ظل يجرح صدري   ***   من ليس يعدوه فكري

وقد قال عنها السيد علي خان المدني السيد في (الدرجات الرفيعة): (فتعجب الناس منها، وتداولتها الرواة فسارت مسير الشمس في كل بلدة، وهبت هبوب الريح في البر والبحر، فاستمر الصاحب على تلك الطريقة، وعمل قصائد كل واحدة منها خالية من حرف واحد من حروف الهجاء وبقيت عليه واحدة تكون خالية من الواو فانبرى صهره أبو الحسين علي لعملها وقال قصيدة ليست فيها واو ومدح الصاحب بها وأولها:

برق ذكرت به الحبائب   ***   لما بدى فالدمع ساكب

وقد اعتمد المحققون لديوانه على نسختين هما: نسخة ايطاليا المحفوظة بالمكتبة الاَمبروزيانية في ميلانو، ونسخة الخزانة التيمورية بالقاهرة.

أما شعر الصاحب فهو يفوح بشذى ذكر أهل البيت (ع) وقد أفصح فيه عن منبعه الولائي الخالص لهم وأشهر شعره القصيدة التي بدأ كل أبياتها بكلمة (قالت) وفيها يستعمل لغة الحوار في بيان فضائل أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) يقول فيها:

قالت: فـمَن صاحبُ الدينِ الحنيفِ أجبْ ؟   *** فـقلتُ: أحمدَ خيرُ السادةِ الرسلِ

قالت: فمَـن بعدَه تصـــفي الولاءَ له ؟  **  قلتُ: الوصـيَّ الذي أربى على زحلِ

قالت: فمَـن باتَ من فوقِ الفراشِ فدىً ؟  ***   فقلتُ: أثبتَ خـلقِ اللهِ في الوهلِ

قالتْ: فمَـن ذا الـذي آخـاهُ عن مِقةٍ ؟  *** فقلتُ: من حازَ ردَّ الشمسِ في الطّفلِ

قالتْ: فمَـن زُوِّجَ الزهـراء فـاطمة ؟  ***   فقلتُ: أفضلَ مـن حــــــافٍ ومنتعلِ

قالتْ: فمَن والدُ السبطيـنِ إذ فرعا ؟   ***   فقلتُ: ســـابقَ أهلِ السَّبـقِ في مهلِ

قالت: فمَن فـازَ في بدرٍ بمعجزها ؟   ***   فقلت: أضـــــربَ خلق الله في القُللِ

قالت: فمَن أسـدُ الأحزابِ يفرسُها ؟   ***   فقلت: قاتلَ عـمرو الضيـــغمِ البطلِ

قالتْ: فيوم حنـيـنٍ من فـــرا وبرا ؟   ***   فقلتُ: حاصدَ أهلِ الشركِ في عجلِ

قالت فمَـــن ذا دُعيْ  للطيرِ يأكله ؟   ***   فقلت: أقـــــــــربَ مرضيٍّ ومنتحلِ

قالت: فمَن تلّوه يوم الكساءِ أجبْ ؟   ***   فقلتُ: أفضلَ مكســـــــــــوٍ ومُشتمِلِ

وتقترن هذه النبرة الخالصة بالروح الولائية النابضة بحب أهل البيت (ع) فتتوحّد عنده الذات مع الموضوع فيسترسل في نشر فضائل الإمام علي (ع):

قالت: فمَن سادَ في يومِ الغديرِ أبِنْ ؟   ***   فقلتُ: من كـــانَ للإسلامِ خيرَ ولي

قالتْ: ففي من أتى في هل أتى شرفٌ؟***   فقلتُ: أبدلَ أهــــــــلِ الأرضِ للنفلِ

قالت: فمَـــــن راكعٌ زكّى بخاتـمِهِ ؟   ***   فقلتُ: أطعنـــــــــهمْ مذ كانَ بالأسلِ 

قالت: فمَن ذا قسـيمُ النارِ يسهمـها ؟   ***   فقلتُ: مَن رأيــــــه أذكى من الشعلِ

قالتْ: فمَن باهـلَ الطهرُ النبيُّ بـه ؟   ***   فقلت: تاليـــــــــــهِ في حلٍ ومرتحلِ

قالتْ: فمَن ذا غدا بابُ المدينةِ قُلْ ؟   ***   فقلتُ: مَن ســــــــــألوهُ وهوَ لمْ يسلِ

قالت: فمَن قاتـلُ الأقوامِ إذ نكـثوا ؟   ***   فقلتُ: تفسيــــــــــره في وقعة الجملِ

قالت: فمَن حاربَ الأرجاسَ إذ قسطوا ؟   ***   فقلتُ صفينَ تُبدي صفحة العملِ

قالتْ: فمَن قارعَ الأنجاسَ إذ مَرقوا ؟   ***   فقلتُ معنــــاهُ يــومَ النهروانِ جلي

قالت: فمَن صاحبُ الحوضِ الشريفِ غداً ؟ *** فقلتُ: من بيتُه في أشرفِ الحُللِ

وتتكامل عنده المواقف وتتفاعل وتتلاحم مع نفسه ليختمها بهذه الأبيات:

قالتْ: فمَن ذا لــــواء الحمدِ يحمله   ***   فقلتُ: من لم يكن في الـــروعِ بالوَجِلِ

قالتْ: أكلَّ الذي قد قـلتَ في رجلٍ   ***   فقلتُ: كلُّ الذي قد قلــــــــتُ في رجلِ

قالتْ: فمَن هوَ هذا الفـردُ سِمه لنا   ***   فقلتُ: ذاكَ أميــــــــــــرُ المؤمنينِ علي

ويحرص الصاحب ان لا تفوته فضيلة لأهل البيت وخاصة سيدهم أمير المؤمنين دون أن يكون له الشرف في نشرها لتصبح نشيده الذي يفخر به. يقول في هذا المعنى من قصيدة طويلة:

بَلَغتْ نَفسي مُناها   ***   بِالمَـوالي آلِ طه

بِرَسولِ اللَهِ مَـن حــــــــازَ المَـعالي وَحَواها

وَأَخيهِ خَيرِ نَفسٍ   ***   شَـرَّفَ اللَهُ بنــاها

وَبِبنتِ المُصطَفى مَن أَشـبَهَت فَضــلاً أَباها

وَبِحُبِّ الحَسَنِ البـــــــــــالِغِ في العليا مَداها

وَالحسينِ المُرتَضى يَومَ المَساعي اِذ حَواها

لَيسَ فيهِم غَيرُ نَجمٍ  ***  قَد تَمالى وَتَناهى

عَترَةٌ أَصبَحَت الدُنــــــــيا جَميعاً في ذُراها

لا تُغَرُّوا حينَ صارَت *  بِاِغتِصابٍ لِعداها

أَيُّها الحاسِدُ تَعساً   ***  لَكَ اِذ رمـتَ قلاها

هَل سَناً مِثل سناها *** هَل عُلاً مِثل علاها

أَوَ لَيستْ صَفـــوةَ اللَهِ عَلى الخَلقِ اِصطَفاها

وَبَراها اِذ بَراها   ***   وَعَلى النَجمِ ثَراها

شَجراتُ العِلمِ طـوبى ***  لِلَّذي نالَ جناها

أَيُّها الناصِبُ سَمعاً   ***  أَخذ القوسَ فَتاها

استَمِع غُرَّ مـــقـالٍ ** في قَريضي مُجتَلاها

مَن كَمَولايَ عَلِيٍّ * في الوَغى يَحمي لِظاها

مَن يصيدُ الصَيدَ فيها *بِالظُبى حينَ اِنتَضاها

اِنتَضـاها ثُمَّ اَمضـــــــــاها عَلَيهِم فَاِرتَضاها

مَن لَهُ في كُلِّ يَومٍ  ***   وَقَفاتٌ لا تُضاهى

كَم وَكَم حَربٍ عُقامٍ   ***  قَدَّ بِالصَمامِ فاها

يا عَذولِيَّ عَـــلَيهِ   ***   رُمتُما مِنّي سَفاها

اِذكُرا أَفعالَ بَدرٍ ***   لَستُ أَبغي ما سِواها

اِذكُروا غَزوَةَ أُحدٍ  ***   اِنَّهُ شَمسُ ضحاها

اِذكُرا حَربَ حُنـــينٍ   ***   اِنَّهُ بَـدرُ دُجاها

اِذكُروا الأَحزابَ تُعلِم  ***  إنَّهُ لَيثُ شَراها

اِذكُروا مُهجَةَ عَمروٍ *** كَيفَ أَفناها تِجاها

اِذكُرا أَمرَ بَراةٍ   ***  وَاصدِقاني مَن تَلاها

اِذكُرا من زُوِّجَ الزَهــــــــــراءَ كَيما يَتَباهى

اِذكُرا لي بُكرَةَ الطَيــــــــــرِ فَقَد طارَ سناها

اِذكرا لي قُلَلَ العلــــــمِ وَمَن حَـــــــلَّ ذَراها

كَم أمورٍ ذَكَراها   ***   وَأمورٍ نَسِـيـــــاها

حالُهُ حـالَةُ هــــــــــارونَ لِموسـى فَاِفهَمـاها

ذِكرُهُ فــي كُتُبِ اللَهِ دَراهـــــــــــا مَن دَراها

أُمَّتا موسى وَعيسى *** قَد بِلَتهُ فَــــاِسأَلاها

أَعلى حبٍّ عَليٍّ   ***  لامَني القَـومُ سَفاها ؟

لَم يلج آذانَهُم شعـــــــــــريَ لا صُـمَّ صَداها

أَهملوا قُرباهُ جَهلاً  ***  وَتَخَطّـوا مقتَضاها

نَكَثــــوهُ بَعدَ أَيمـــــــــانٍ أَغاروا مِــن قُواها

لَعَنوهُ لَعَنــــــاتٍ   ***   لَزمَتهُــــــم بِعُراها

وَعَشوا في يَـــومِ خُمٍ *** لا جَلا اللَهُ عَشاها

طَلَبوا الدُنيا وَقَد أَعـــــرَضَ عَنها وَجَفــــاها

وَهوَ لَولا الدينُ لَم يَـــأسَف عَلى مَن قَد نَفاها

وَاِحتَمى عَنها وَلَو قَد  ***  قامَ كَلبٌ فَاِدَّعاها

يا قَسيمَ النارِ وَالجَنَـــــةِ لا تَخشـــــى اِشتِباها

رُدَّت الشَمسُ عَلَيهِ   ***   بَعدَما فاتَ سَناها

وَلَهُ كَأسُ رَسولِ اللهِ مَـــــن شـــــــــاءَ سَقاها

أَوَّلُ الناسِ صَلاةً   ***  جَعَلَ التَقوى حُلاها

عَرَفَ التَأويل لَمّا  *** أَن جَهلتُهم ما طَحاها

لَيسَ يُحصي مأثرات *** قَد حَماها وَاِعتَماها

غَيرُ مَن قَد وَطَّأَ الأَرضَ وَمن أَحصى حَصاها

ناجزته عصــبُ البَغــــيِ بِأَنـــــــــــواعِ بَلاها

قَتَلتهُ ثُمَّ لَــم تَقـــــــــــــــنَع بِما كــــــانَ شَقاها

فَتَصَــدَّت لِبَنيهِ   ***   بِظُبـــــــــــاها وَمداها

أَردَتِ الأَكبَـــرِ بِالسَــــــمِّ وَما كــــــــانَ كَفاها

وَاِنبَرَت تَبغي حُسَينـاً   ***   وَعَرَتهُ وَعَـراها

وَهيَ دنياً لَيسَ تَصفو *** لاِبنِ دينٍ مَشرعاها

ناوَشَتهُ، عَطَّشَتهُ   ***   جُرأَةً في مُـــــــلتَقاها

مَنَعَتــهُ شربَةً وَالــــــــــــطيرُ قَد أَروَت صَداها

وَأَفـــاتَت نَفسَهُ يا   ***   لَيتَ روحي قَـد فداها

بِنتُهُ تَـــدعو أَباها   ***   أُختُهُ تَبكــــــي أَخاها

لَو رَأى أَحمَـدُ ما كــــــــــانَ دَهاهُ وَدَهــــــــاها

وَرَأى زَينَبَ وَلهى   ***   وَرَأى شَمـراً سَباها

لشكا الحــــــالَ إِلى اللَهِ وَقَد كــــــانَ شكــــــاها

وَإِلى اللَهِ سَيَــأتي   ***   وَهوَ أَولى من جَزاها

لَعَنَ اللَهُ اِبنَ حَربٍ   ***   لَعنَةً تَكــوي الجِباها

أَيُّها الشيعَةُ لا أَعــــــــــــني بِقَولـــي مَن عَداها

كُنتُ في حالِ شَكاةٍ   ***   أَزعَجَتنــــي بِأَذاها

كَأسُ حمّاها سَقَتني   ***   عن حُمَيّاهـا حُماها

فَتَشَفَّيتُ بِهــذا الـــــــــــــمَدحِ في الوَقتِ اِبتَداها

فَـــــــوَحَقِّ اللَه إنَّ اللهَ لَم يَثبـــــــــــــــــت أَذاها

وَكَفى نَفسِــيَ لَمّا   ***   تَمَّ شعـري ما عَراها

أَحمَدُ اللَهَ كَثيــراً   ***   عَزَّ ذو العَــــرشِ إلها

ثُمَّ ســـــاداتي فَاِنَّ الــــــقَولُ يُلقى فـــــي ذَراها

أَيُّها الكوفِيُّ أَنشد   ***   هذِهِ وَاِحـــــلُل حِباها

وَاِبنُ عَبّـادٍ أَبوها   ***   وَاِلَيهِ مُـــــــــــنتَماها

طلـبَ الجَنَّةَ فيها   ***   لَم يُــــرِد مالاً وَجاها 

وقصائد الصاحب في هذا الباب ــ مدح أهل البيت (ع) ــ ذات نفس خالص وعقيدة ولائية، ومن شعره في رثاء الإمام الحسين (ع) قوله:

‍‍‌‏عينُ جودي على الشهيدِ القتيـلِ *** واتركي الخدَّ كالمحلِ المحيلِ

كيفَ يشفي البكاءُ في قتلِ مــــــــــولاي إمامِ التنزيـــــلِ والتأويـلِ

ولو أنَّ البحارَ صارتْ دموعي   ***   ما كفتني لمسلمِ بن عقيـلِ

قاتلوا الله والنبـــيَّ ومولاهـــــــــــــــم علياً إذ قاتـلوا ابـنَ الرسولِ

صُرِّعوا حوله كواكبَ دجنٍ   ***   قتلوا حوله ضــــــراغمَ غيلِ

إخوةٌ كـــــلُّ واحدٍ منهمُ ليــــــــــــثُ عرينٍ وحــــــد سيفٍ صقيلِ

أوسعوهم طعناً وضرباً ونحراً ***   وانتهابـــا يا ضـلّةً من سبيلِ

والحسينُ الممنوعُ شربةَ ماءٍ   ***   بين حرِّ الظبـــا وحـرِّ الغليلِ

مثكلٌ بابنهِ وقد ضمَّه وهو غريـــــــــــــق من الدمــــــــاءِ الهمولِ

فجعوهُ من بعـــدهِ برضيــــعٍ   ***   هل سمعتــم بمرضـعٍ مقتولِ

ثم لم يشفِهم سـوى قتلِ نفسٍ   ***   هيَ نفسُ التكبيــــــرِ والتهليلِ

هيَ نفسُ الحسيـنِ نفسُ رســــــــولِ اللهِ نفسُ الوصيِّ نفـسُ البتولِ

وطأوا جسمَــــه وقد قطعوه   ***   ويلهم من عقـــــابِ يومٍ وبيلِ

أخذوا رأسَـــــه وقد بضَّعوه   ***   إن سعيَ الكفــــارِ في تضليلِ

نصبُوه على القنــــا فدمائي   ***   لا دمـــــوعي تسيلُ كلَّ مسيلِ

يا لكربٍ بـ (كربلاءَ) عظيمٍ   ***   ولرزءٍ على النبــــــــــيِّ ثقيلِ

كما يعلن الصاحب بن عباد عقيدته الخالصة بالأئمة الاثني عشر (ع) بقوله:

بمحمـــــدٍ ووصيه وابنيهما   ***   الطــــاهرين وسيّـد العبّادِ

ومحمدٍ وبجعــفرِ بن محمدٍ * وسمي مـبعـوثٍ بشـاطي الوادي

وعلي الطوســـيِّ ثم محمدٍ   ***  وعلي المسمــومِ ثم الهادي

حسن واتبـــع بعده بإمامة   ***   للقـــائمِ المبعوثِ بالمرصادِ

فالصاحب يجد في ذكر أسمائهم ما تهفو إليه نفسه ويطمئن به قلبه:

بمحمد ووصيه وابنيـــهما   ***   وبعابدٍ وبباقرينِ وكاظمِ

ثم الرضا ومحمدٍ ثم ابنه   ***  والعسكريِّ المتَّقي والقائمِ

أرجو النجاةَ من المواقفِ كلها * حتى أصيرَ إلى نعيمٍ دائمِ

ولم يأل الصاحب جهداً في مدح أهل البيت (ع) ونشر فضائلهم وإدلاء الحجج في تفضيلهم على غيرهم وبيان معاجزهم والبراءة من أعدائهم:

برئتُ من الأرجاسِ رهط أميةٍ   ***   لما صحّ عندي من قبيحِ غذائهِمْ

ولعْنتهمْ خيرَ الوصييــنِ جهرةً   ***   لكفرِهم المعـــدودِ في شرِّ دائهِمْ

وقتلهمُ الســاداتِ من آلِ هاشمٍ   ***   وسبيهمُ عن جـــــــــرأةٍ لنسائهِمْ

وذبحهمُ خيرَ الرجالِ أرومةً  * حسينَ العلى بالكربِ فـي (كربلائـ) ـهِمْ

وتشتيتهمْ شمــــلَ النبيِّ محمدٍ   ***   لما ورثوا من بغضهمْ في فنائِهمْ

وما غضبتْ إلّا لأصنامِها التي   ***  أديلتْ وهمْ أنصــــارُها لشقائِهِمْ

أيا ربِّ جنِّبني المكارهَ وأعفِ عنْ *** ذنوبي لمّا أخلـصته من ولائهِمْ

أيا ربِّ أعدائي كثيرٌ فــــردّهمْ   ***   بغيظهمُ لا يظـفروا بابتغـــائِهِمْ

أيا ربِّ مَن كـــــانَ النبيُّ وآلهِ   ***   وسائله لم يــــخشَ من غلوائهِمْ

حسينٌ توسَّلْ لـي إلى اللهِ إنني   ***   بليتُ بهم فادفعْ عظيــــمَ بلائِهِمْ

فكمْ قد دعـوني رافضياً لحبِكِمْ   ***   فلم يثنني عنــكمْ طويلَ عوائِهِمْ

وقال من قصيدة في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام) ورثاء الإمام الحسين (عليه السلام) يبدأ كل بيت منها بآخر كلمة في البيت الذي قبله:

قَليبٌ حكى بَدراً وَكــــــــــــان قَليبُهُ   ***   يَفورُ دِمــــــاءً وَالدِمــــاءُ صَبيبُ

صَبيبٌ تحدّى ذا الفخــــــــارِ بِخَيلِهِ   ***   عَليٌّ وَأَنّى لِلوَصِـــــــــيِّ ضَريبُ

ضريبٌ يُدانيهِ اِذا حَــــــمَس الوَغى   ***   وَسهمُ الرَدى أَنّى يشــاءُ يُصيــبُ

يُصيبُ مِنَ الأَبطالِ أَرواحَـــها الَّتي   ***   تَردُّ ظُنونَ المَوتِ وَهــيَ تَخيــبُ

تَخيـــــــــــــــبُ فَلَمّا أَن تَنمَّرَ حَيدَر   *** فَللحتفِ عودٌ في الرِجــالِ صَـليـبُ

صَليــبٌ كَما أَودى بِعمروٍ وَمرحبٍ   ***   وَذلِكَ نـــهجٌ في القـــراعِ رَحيـبُ

رَحيــــبٌ عَلى كفِّ الوَصِيِّ وَضَيِّقٌ   ***   اِذا رامَـــهُ غَيرُ الوَصِــيِّ يَـخيبُ

يَخيبُ وَما عَضَّت عَلى نابِها الرَدى   ***   وَأَمّا إِذا عَـــــضَّت فَــذاكَ نَخيبُ

نَخيب وَاِن عدّوهُ نخبةَ عَســــــــــكَرٍ  ***   وَكلُّ أَبِيٍّ في القِــــــــــراعِ يغيبُ

يَغيبُ مناويهِ بغَربِ حُســـــــــــامِهِ   ***   إِلى حَيثُ لا يَلقى الحَبيــبَ حَبيبُ

حَبيب إِلى قَلبي التَشيُّـــــــــــــعُ انَّهُ   ***   لكُلِّ زَكِيِّ الوالِدَيــــــــــنِ نَصيبُ

نَصيبٌ تَهاداهُ المَـــــــــــلائكُ بَينَها   ***  وَذو النَصبِ مَغلوبٌ هُناكَ حريبُ

حريبٌ سَليمٌ لِلجَحيــــــــــــــمِ مُهَيَّأ   ***   إِذا حـــــــــانَ يَومٌ لِلمعادِ عَصيب

عَصيب عَلى النصّابِ لكِنَّ غصنَهُ   ***   عَلى الشيعَةِ المُستَمــسِكين رَطيب

رَطيبٌ وَعودُ النَصبِ اذ ذاكَ يابِسٌ  ***   فَللنارِ في تِلكَ الجُــــــــسومِ لَهيب

لَهيبٌ بِقَلبي حينَ أَذكرُ (كَربـــــلا)   ***   فَيهلكني بَعد النَحيــــــــــبِ نَحيبُ

نَحيبٌ اِذا قيلَ الحسيـــــــــنُ وَقتلُهُ   ***   يَزيدُ وَفي قَلبي الحَـــــزينِ وَجيبُ

وَحَبيبٌ أَراهُ واجِباً بَعد ســـــــــادَةٍ   ***   تُغادَرُ صَرعى وَالجَميـــعُ غَريبُ

غَريبٌ بِأَرض الطفِّ تُسبى نِساؤُهُ   ***   وَزينبُ وَلهى وَالمَـــــــرادُ جَديبُ

جَديبٌ وَلكِنَّ الزَمانَ سَيَنقَــــــضي   ***   وَيَقبلُ نصرُ اللَهِ وَهـــــــــوَ قَريبُ

قَريبٌ كَقُربى من عـــــــليٍّ ولايَةً   ***   بِها كُلَّما خـــــــــفتِ الذنوبُ أُنيبُ

أُنيبُ وَمدحي فيهِ قَد طبَّـق الوَرى   ***   قَصــــــــــــــــائِدَ عبّاديَّة سَتُريب

تُريبُ رجالَ الحشوِ لَمّا قَمـــــعتُها  ***   كَأَنّي عَلَيهِم أَيـــــــــن كُنتُ رَقيبُ

رَقيبٌ وَسَيفي وَاِنتِقامي بِمقـــولي   ***   رَقيبــــــــــــانِ كلٌّ سامعٌ وَمُجيبُ

مُجيب فَيا كوفيُّ أنشِــــــدْ مُجَوِّداً   ***   مشيبٌ عـــــــــراهُ لو يَدومُ مَشيب

وقال في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً:

وولاءُ آلِ محمــــــــدٍ قد خيرَ لي   ***   والعدلُ والتـوحيدُ قـد سعدا بي

من بعد ما اشتدّتْ مطالبُ طالبٍ   ***   باب الرشادِ إلى هدىً وصوابِ

عاودتُ عرصةَ أصبهانَ وجهلُها   ***   ثبتُ القــــواعدِ محكّمُ الأطنابِ

والجبرُ والتشبيهُ قد جثــــــما بها   ***   والديـــــنُ فيها مذهبُ النصّابِ

فكففتهمْ دهراً وقد فقّـــــــــــهتهمْ   ***   إلّا أراذلَ مــــــن ذوي الأذنابِ

ورويتُ من فضلِ النبـــــيِّ وآلهِ   ***   ما لا يبقّي شبـــــــــهةَ المرتابِ

وذكرتُ ما خصَّ النبيُّ بفـــضلهِ   ***   من مفخـــرِ الأعمالِ والأنسابِ

وذرِ الذي كــــــانتْ تعرِّفُ داءَه   ***   إنّ الشفـــاءَ له استماعُ خـطابي

يا آلَ احمدَ أنتمُ حـــــرزي الذي   ***   أمِنَتْ به نـــفسي مـن الأوصابِ

أُسعدتُ بالدنيـــــــــا وقد واليتكمْ   ***   وكذا يكونُ مع الســـــعودِ مآبي

أنتمْ سراجُ اللهِ في ظلمِ الـــــدجى   ***   وحســـامُـه في كلِّ يومِ ضرابِ

ونجومُه الزهرُ التي تهدي الورى  ***   وليوثــــــه إن غابَ ليثُ الغابِ

لا يُرتجى دينٌ خلا مـــــن حبّكمْ   ***   هل يُرتجــى مَـطُر بغيرِ سحابِ

أنتمْ يمينُ الله في أمصـــــــــارِهِ   ***   لو يعرفُ النصّــابُ رجعَ جوابِ

تركوا الشرابَ وقد شكوا غللَ الصدى   ***   وتعلّلوا جهلاً بلمعِ سرابِ

لمْ يعلموا أنَّ الهوى يهوي بمن   ***   تركَ العقيدة ربَّةَ الأنســـــــــــابِ

لمْ يعلموا أنَّ الوصيَّ هوَ الـذي   ***   غَلَبَ الخضارمَ كـــلَّ يـومِ غِلابِ

لمْ يعلموا أنَّ الوصيَّ هوَ الـذي   ***   آخى النبــــــــــــيَّ أخوّةَ الأنجابِ

لمْ يعلموا أنَّ الوصيَّ هوَ الـذي   ***   سبقَ الجميـــــــــــعَ بسنّةٍ وكـتابِ

لمْ يعلموا أنَّ الوصيَّ هوَ الـذي   ***   لم يرضَ بالأصنـــــامِ والأنصابِ

لمْ يعلموا أنَّ الوصيَّ هوَ الـذي   ***   آتى الزكاةَ وكــــانَ في المحرابِ

لمْ يعلموا أنَّ الوصيَّ هوَ الـذي   ***   حَكمَ الغديــــرُ له على الأصحابِ

لمْ يعلموا أنَّ الوصيِّ هوَ الـذي   ***   قد سامَ أهلَ الشـــركِ سومَ عذابِ

لمْ يعلموا أنَّ الوصيَّ هوَ الـذي   ***   أزرى ببدرٍ كـــــــــــلَّ أصيدَ آبي

لمْ يعلموا أنَّ الوصيَّ هوَ الـذي   ***   تركَ الضلالَ معـــــــــلّلَ الأنياب

ما لي أقصّ فضائلَ البحرِ الذي   ***   علياهُ تسبقُ عدَّ كـــــــــلِّ حسابِ

لكنّني متروِّحٌ بيسيــــــــــــرِ ما   ***   أُبديهِ أرجـــــــــو أن يزيدَ ثوابي

وأريدُ إكمادَ النواصــــــبِ كلّما   ***  سمعوا كلامي وهو صوتُ ربابِ

يحلو إذا الشيعيُّ ردَّدَ ذكــــــرَه   ***   لكن على النصّــابِ مثلَ الصابِ

مدحٌ كأيامِ الشبــــــــابِ جعلتها   ***   دأبي وهُنَّ عقــــــــــــائدُ الآدابِ

حُبِّي أميرَ المؤمنينَ ديــــــــانةً   ***   ظهرتْ عليه سرائــــري وثيابي

أدّتْ إليهِ بصـــــــــائرٌ أعملتها   ***   أعمالَ مرضيِّ اليقيــــــنِ عقابي

لم يعبث التقليدُ بي ومـــــحبّتي   ***   لعمارةِ الأســـــــلافِ والأحسابِ

يا كفؤَ بنتِ محمدٍ لـــــولاكَ ما   ***   زُفّت إلى بشرٍ مـــــدى الأحقابِ

يا أصلَ عترةِ أحمدٍ لــولاكَ لمْ   ***   يكُ أحمدُ المبعـــــــوثُ ذا أعقابِ

وأفأتَ بالحسنينِ خيــــرَ ولادةٍ   ***   قد ضمَّنتْ بحقائـــــــــقِ الأنجابِ

كانَ النبيُّ مدينةُ العلمِ الــــــتي   ***   حوتِ الكمالَ وكنتَ أفــضلَ بابِ

رُدّتْ عليكَ الشمسُ وهيَ فضيلةٌ   ***   بَهَرت فلمْ تسترْ بـــــــلفِّ نقابِ

لمْ أحكِ إلّا ما روته نواصــبٌ   ***   عادتكَ وهي مبـــــــاحةُ الأسلابِ

عوملتَ يا صنوَ النبيِّ وتلـــوهِ   ***   بأوابدٍ جاءتْ بكلِّ عِــــــــــــجابِ

عُوهدتَ ثم نُكثتَ وانفردَ الألى   ***   نكصوا بحربِهمُ على الأعقــــابِ

حُوربتَ ثم قُتلتَ ثم لُعنــت يا   ***   بعداً لأجمعِهمْ وطـــــــــــولَ تَبابِ

أيشكُّ في لعني أميةُ إنّـــــــها   ***   نُفرتْ على الإصرارِ والأضــبابِ

قد لقّبوكَ أبا ترابٍ بعــــــدما   ***   باعوا شريـــــــــــعتَهم بكفِّ ترابِ

قتلوا الحسينَ فيا لعولي بعده   ***   ولطولِ نوحي أو أصيـــــرُ لما بي

وهمُ الألى منعوه بلّة غُـــــلةٍ   ***   والحتفُ يخطبُه معَ الخطّــــــــــابِ

أودى به وبأخوةٍ غُرٍّ غــدتْ   ***   أرواحُهم شَوراً بكــــــــــــفِّ نهابِ

وسبوا بناتِ محمدٍ فكأنــــهمْ   ***   طلبوا دخولَ الفتحِ والأحـــــــــزابِ

رفقاً ففي يومِ القيامةِ عنـــية   ***   والنارُ باطشة بســـــــــــــوطِ عقابِ

ومحمدٌ ووصيُّه وابنــــاهُ قد   ***   نهضوا بحكمِ القــــــــــــاهرِ الغلّابِ

فهناكَ عضَّ الظالمونَ أكفَّهمْ   ***   والنارُ تلقاهمْ بغيرِ حجـــــــــــــــابِ

ما كفَّ طبعي عن إطالةِ هذهِ   ***   مَلَلٌ ولا عجزٌ عــــــــــن الإسهابِ

كلا ولا لقصورِ علياكمْ عن الإكــــــــــثارِ والتطويلِ والإطنـــــــــــــــابِ

لكنْ خشيتُ على الرواةِ سآمةً   ***   فقصدتُ ايجـــــــــازاً على إهذابِ

كم سامعٍ هذا سليـــــــمُ عقيدةٍ   ***   صدُقِ التشيُّعِ مـــــن ذوي الألبابِ

يدعو لقائِلها بأخلـــــــصَ نيّةٍ   ***   متخشّعاً للواحـــــــــــــــــدِ الوهّابِ

ومناصبٍ فارتْ مراجلُ غيظهِ   ***   حنقاً عليَّ ولا يطيـــــــــقُ معابي

ومقابلٍ ليَ بالجميلِ تصنّعاً   ***  وفؤادُه كـــــــــــــــــــرهٌ على ظَبظابِ

إنّ ابنَ عبّادٍ بآلِ محــــــمدٍ   ***   يرجو برغمِ النــــــــــــاصبِ الكذّابِ

فإليكَ يا كوفيّ أنشِــدْ هذه    ***   مثلَ الشبـــــــــــــابِ وجودَةِ الأحبابِ

فالصاحب هائم في حب أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا ينفك يلهج باسمه:

وكمْ دعوةً للمصطفى فيهِ حُققت   ***   وآمالُ من عادى الوصيَّ خوائبُ

فمن رمــــــــــدٍ آذاهُ جلّاهُ داعياً   *** لساعتِه والريحُ في الحربِ عاصبُ

من سطوةِ للحــرِّ والبردِ رُفِّعتْ   ***   بدعــــــــــوتِهِ عنه وفيها عجائبُ

وفي أيِّ يومٍ لمْ يكنْ شمسُ يومِهِ  ***   إذا قيلَ هــذا يومَ تقضى المآربُ؟

أفي خطبةِ الزهراءِ لمَّا استخصَّه ***   كفاءً لــــها والكلُّ من قبلُ طالبُ؟

أفي الطيرِ لمّا قد دعا فأجـــابه   ***   وقد ردَّه عنـــــــــه غبيٌّ مواربُ؟

أفي رفعهِ يومَ التبـــاهلِ قدره؟   ***   وذلكَ مجدٌ ما عـــــــلمتُ مواظبُ

أفي يومِ خمٍّ إذ أشــــادَ بذكرهِ؟   ***   وقد سمعَ الإيصـــــاءَ جاءٍ وذاهبُ

أيعسوبُ دينِ اللهِ صنـــــوَ نبيِّهِ   ***   ومن حبُّه فــــرضٌ من اللهِ واجبُ

مكانكَ من فوقِ الفراقـــدِ لائحٌ   ***   ومجدُكَ من أعـلى السماكِ مُراقبُ

وسيفُكَ في جيدِ الأعادي قلائدٌ   ***   قلائدُ لم يعكفْ عــــــــــليهنَّ ثاقبُ

وهل مثل علي ؟

يا عَلِيُّ الَّذي عَلا عَن مُحاذٍ   ***   وَسَما عَن مُقارنٍ وَمُوازي

أَنتَ رَبُّ الجهادِ وَالزُهدِ وَالعِلــــــمِ وَقُربىً في مَوضِعِ الأَحرازِ

صاحبِ الطَيرِ وَالكَساءِ أَبي السِــبطَينِ ليثِ الأَبطالِ يوم البِراز

مالِكِ الحَوضِ وَاللِواءِ لِواءِ الــــــــحَمدِ حتفِ الرِقابِ وَالأَجوازِ

كَم فِقارٍ بِذي الفقــــــارِ تَعَمَّــــــــــــــدتَ فَأَسلَمتَ أَهلَهُ لِلتَعازي

أَنتَ أَعجَزتَ في غداة التَلاقي   ***  كُلَّ خَصمٍ نِهايَةَ الاِعجازِ

أَنتَ بادَرتَ يَومَ بَدرٍ وَبَعضُ الــــــــــقَومِ لا يُخرَجون بِالمِهمازِ

ولا ينتهي الحديث عن أمير المؤمنين فبه لذة لا يدركها إلا من رضع بلبن الولاء وسقي قلبه بماء العقيدة:

سَبَقَ الوَصِيُّ إِلـــــى العُلى طُلّابَها * حَتّى تَمَلَّكــــــــــها بِغَيرِ قرينِ

شَمسٌ وَلكِن لَيسَ يَغرُبُ قرصُـــها * وَضَيـــــــاغِم لَم تَستَتِر بِعَرينِ

جَذَبَ النَبِيُّ بِضَبعِه يَــــــــومَ الغَديـــــــــــرِ وَوَكَّدَ التَعريفَ بِالتَعيين

خَتَمَ الرِقابَ بِنَصبِـــــــــــهِ لِوِلايَةٍ *  خَتم الرقاب خلاف خَتمِ الطينِ

يَومٌ أَغرُّ أَضـــــــــــاءَ غُرَّةَ هاشِمٍ  ***   يَومٌ هِجانٌ ساءَ كلَّ هَجين

اِذكر لَهُ بَدراً وَسَعي حســــــــامِهِ * في هَجرِ روحٍ أَو وِصالِ مَنون

وَاِذكُر لَهُ أُحداً وَقَد أَرضى الرَدى * وَرضا الردى إسخاطُ كلِّ وَتينِ

ثُمَّ اِذكُر الأَحزابَ وَاِذكُر سَيـــــفَهُ * أَسَدٌ يُلاقي الحَـــــــربَ بِالتَبنينِ

وَاِذكُر يَهودَ بِخَيـــــــبَر اِذ شَلَّها  *** مِثلَ العُقــــــاب يُشلُّ بِالشاهينِ

وَاِذكُر حُنَيناً حينَ أَصبَح عَضبُــهُ * يَلقى المَنــاجِزَ عن هَوىً وَحنين

أَجرى دماء المُشرِكينَ فَلَو جرت * في مَوقِــــــفٍ لَرَأَيتَ أَلفَ معينِ

وَاِذكُر مُؤاخـــــــاةَ النَبِيِّ وَقَولِهِ   * ما قالَ في مــوسى وَفي هارونِ

قَد سُدَّت الأَبـــــــوابُ اِلّا بابَهُ   ***   لَو كانَ يُعرَفُ مَوضِع التَبيين

وَبَراءَةُ اِرتَجِعَت وَمُلِّكَ أَمرَها   ***   يا رَبَّ شَــــــأنٍ ناسِخٍ لِشُؤونِ

وَبـ هَل أَتى وحيٌ بِمَفخرِ ما أَتى ** لِيُغَضَّ طَـرفُ الناصِبِ المَغبونِ

أَرُواةَ آثارِ النَبِيِّ مَـــــنِ الَّذي   ***   يُدعى قَسيـــــمَ النارِ يَومَ الدينِ

مَن بابُهُ في العِــلمِ وَهوَ مَدينَةٌ   ***   ايهٍ وَصــاحِبُ سرِّهِ المَخزونِ

مَن زُوِّجَ الزَهراءَ حينَ تَزاحَموا  ** في خُطبَةٍ كَـشَفَت عن المَكنونِ

وهل تنتهي فضائله (عليه السلام):

بابُ المَدينَة لا تَبــــغوا بِهِ بَدَلاً   ***   لِتَدخُلوها وَخلّوا جـانِبَ التيهِ

كَفو البتــولِ وَلا كفو سواهُ لَها   ***   وَالأَمر يَكشِفُهُ أَمــــرٌ يُوازيهِ

يا يَومَ بَدرٍ تجـــشَّم ذكرَ موقِفِهِ   ***   فَاللَوحُ يَحفَظُهُ وَالوَحيُ يُمليهِ

وَأَنتَ يا أُحدُ قُل ما في الوَرى ***  أَحدٌ يَطيقُ جحداً لما قد قُلتُهُ فيهِ

بَراءَةُ اِسترسلي لِلقَولِ وَاِنبَسطي   ***   فَقَد لبسـتِ جمالاً من تَوَلّيه

وَان رجعتُ إِلى يومِ الغَديرِ وَكم  ***  من مَفخرٍ فيهِ أَحكيهِ وَأَرويهِ

وَكانَ هارونَ موسى لو تَبَيَّنَهُ *مَن قد غَدا النَصب دون الرشدِ يَعميه

وَلو كتبتُ الَّذي حازَ الوَصِيُّ لما * كانَ البساطُ بِساطُ الأَرضِ يَكفيهِ

وهذان البيتان يصدران من القلب ويدخلان في القلب:

أبا حسن لوكان حُبّك مدخلي‌‏ *** جهنمَ كان الفوزُ عندي جحيمُها

وكيفَ يخافُ النارَ مَن هوَ موقنٌ ***   بأنّكَ مولاهُ وأنتَ قسيمُها

وهذان أيضا:

لو شقَّ عن قلبي يرى وسطه   ***   سطرانِ قد خُطا بلا كاتبِ

العدلُ والتوحيدُ في جانبٍ   ***   وحبُّ أهلِ البيــــتِ في جانبِ

وهذه الأربعة:

حبُّ علي بن أبي طالبِ   ***   أحلى من الشهدِ إلى الشاربِ

لا تقبلُ التـوبةَ من تائبٍ   ***   إلا بحبِّ ابــــــــنِ أبي طالبِ

أخي رسولِ اللهِ بل صهرُه ***   والصهرُ لا يُعدلُ بالصاحبِ

يا قومِ مَن مثلُ عليٍّ وقد   ***  رُدَّت عليهِ الشمسُ من غائبِ

وقلب الشاعر متعلق بحب أهل البيت (عليهم السلام) وهو يلهج بذكرهم أينما حل وارتحل، فيرسل سلاما إلى سلطان القلوب علي بن موسى الرضا (عليه السلام):

أبلغ سلامــــــي زاكيا   ***   بطــوس مولاي الرضا

سبط النبي المصطفى   ***   وابن الوصي المرتضى

من حازَ عزّا أقعـــساً   ***   وشــــــــادَ مجداً أبيضا

وقل له عـــن مخلصٍ   ***   يرى الــــــولا مفترضا

في الصدرِ نفحُ حرقةٍ   ***   تتركُ قلبـــــــي حرضا

من ناصبيــن غادروا   ***   قلبَ المـــوالي ممرضا

صرحتُ عنهم معرضا   ***   ولم أكـــــــن معرضا

نابذتهم ولم أبـــــــــل   ***   إن قيـــــــلَ: قد ترفَّضا

يا حبَّـــذا رفضي لمنْ   ***   نابــــــــــــذكمْ وأبغضا

ويحن إلى زيارة سادته أئمة الهدى فينفس عن لوعته وحنينه بقصيدة:

يا زائراً قد قصدَ المشـــــاهدا   ***   وقطعَ الجبـــــــــــــــالَ والفدافدا

فأبلغِ النبيَّ مــــــــــن سلامي   ***   ما لا يبيدُ مدّة الأيـــــــــــــــــــامِ

حتى إذا عدتَ لأرضِ الكوفةْ   ***   البلدةُ الطــــــــــــاهرةُ المعروفةْ

وصرتَ في الغريِّ في خيرِ وطنْ * سلّم على خيرِ الورى أبي الحسنْ

ثمة سرٌّ نحوَ بقيعِ الغــــــرقدِ   ***   مسلّماً عـــــــــــــــلى أبي محمدِ

وعُد إلى الطـفِّ بـ (كربلاء)   ***   أهـــــــــدِ سلامي أحسنَ الإهداءِ

لخيرِ من قد ضـــمَّه الصعيدُ   ***   ذاكَ الحسيـــــــــــنُ السيدُ الشهيدُ

واجنبْ إلى الصحراءِ بالبقيعِ   ***   فثمَّ أرضُ الشــــــــــرفِ الرفيعِ

هناكَ زينُ العابديــنَ الأزهرِ   ***   وباقرُ العـــــــــــــــلمِ وثمَّ جعفرِ

أبلغهمُ عني الســــــلامَ راهنا   ***   قد ملأ البـــــــــــــلادَ والمواطنا

واجنبْ إلى بغدادَ بـعد العيسا   ***   مُسلماً عـــــــــلى الزكيِّ موسى

واعجلْ إلى طوسَ على أهدى سكنْ   ***   مُبلّغاً تحـــيتي أبا الحسنْ

وعُدْ لبغدادَ بطيرٍ أســـــــــعدِ   ***   سلّمْ على كنزِ التــــــــقى محمدِ

وأرضُ سامـراءَ أرضُ العسكرِ   ***   سلّم على عـــــليّ بنَ المطهَّرِ

والحسنُ الرضي فـــــي أحواله   ***   من منبعِ العـــــلومِ في أقوالِه

فإنهمْ دونَ الأنــــــــــامِ مفزعي   ***   ومَن إليهـــمْ كلُّ يومٍ مرجعي

محمد طاهر الصفار

المصادر والمراجع التي ترجمت للصاحب

................................................................

1 ــ يتيمة الدهر للثعالبي ج  3 ص 169 – 267

2 ــ معجم الأدباء لياقوت الحموي ج 6 ص 168 – 317

3 ــ معالم العلماء لابن شهراشوب ص 148 

4 ــ اليقين للسيد ابن طاووس ص 457 

5 ــ أمل الآمل للحر العاملي ج 2 ص 34 ــ 96

6 ــ الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي ج 2 ص 365 

7 ــ أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج 3 ص 328 ــ 370

8 ــ الغدير للشيخ عبد الحسين الأميني ج 4 ص 40 

9 ــ تأسيس الشيعة للسيد حسن الصدر ص 159 

10 ــ عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق ج 1  ص 3

11 ــ الفهرست لابن النديم ص 194

12 ــ الكامل في التاريخ ج 8 ص 352 و 9  و 59

13 ــ الديباج المذهب لابن فرحون ص 36

14 ــ الأنساب للسمعاني ص 364

15 ــ البداية والنهاية لابن كثير ج 11 ص 268

16 ــ شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ج 3 ص 113

17 ــ وفيات الأعيان لابن خلكان ج 1 ص 206

18 ــ المنتظم لابن الجوزي 7 ص 172

19 ــ تجارب السلف لابن سنجر ص 243

20 ــ مرآة الجنان لليافعي 2 ص 441

21 ــ نهاية الإرب في فنون الأدب للنويري ج 3 ص 108

22 ــ معاهد التنصيص شرح شواهد التلخيص لعبد الرحيم العباسي ج 2 ص 162

23 ــ بغية الوعاة للسيوطي ص 196

24 ــ مجالس المؤمنين للقاضي التستري ص 324

25 ــ بحار الأنوار للمجلسي ج 10 ص 264

26 ــ لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج 1 ص 413

27 ــ منتهي المقال في أحوال الرجال للمازندراني الحائري ص 56

28 ــ تنقيح المقال للمامقاني ج 1 ص 135

29 ــ سفينة البحار للقمي ج 2 ص 13

30 ــ شرح دراية الحديث للشهيد الثاني ص 92

31 ــ نزهة الألباء في طبقات الأدباء ص ٣٢٥

32 ــ شرح دراية الحديث للشهيد الثاني ص 92

33 ــ الدرجات الرفيعة للسيد علي خان ص ٤٨٢

34 ــ روضات الجنات ج ٢ ص ١٩

35 ــ الطليعة في شعراء الشيعة ج 1 175

36 ــ محاسن إصبهان للمافروخي الاصبهاني ص 126

المرفقات

: محمد طاهر الصفار