47 ــ أحمد الوائلي: (1347 هـ ــ 1424 هـ / 1928 – 2003 م)

 

قال من قصيدة (رسالة الحسين عليه السلام) وتبلغ (39) بيتاً:

ويا (كربلا) يا هديرَ الجراح   ***   و زهـوَ الدَّمِ العلويِّ الأبي

ويا سفرَ ملـــــحمةِ الخالدين   ***   بغيرِ البطــــــولةِ لم يكتبِ

ويا شــــــــــــفةً بنشيدِ الدما   ***   تغرِّدُ عبرَ المدى الأرحبِ

وقال من قصيدة (شموع الطف) وتبلغ (56) بيتاً:

مررتُ على تلك القبورِ بـ (كربلا) *** وقد جادها بالسارياتِ هموعُ

فأدهشني أن التــــــــرابَ ملاحمٌ   ***   يفرَّدُ فيها فــــــارسٌ وقريعُ

وكم من حديـثٍ بالترابِ وصمْتِهِ   ***   إذا سألوا عـنه الترابَ يذيعُ

وقال من قصيدة (إلى رحاب الإمام الحسين عليه السلام) وتبلغ (26) بيتاً:

وبآهاتِ نسوةٍ منذ يوم الــــــــــــطفِ للآن ألهبتْ (كربلاء) ا

خبِّريه بأنّني لم أعدْ أقوى على حمــــلِ ذكراهُ لوعةً وشجاءا

ويناغي بوجدِه ساجعاتٍ   ***  كمْ حملنَ الحنينَ والأصداءا

وقال من قصيدة (عقيلة الطالبيين) وتبلغ (72) بيتاً:

إنها (كربلاء) تمـــــــــتدُّ للشـــــــامِ لتروي عدلَ السما للعقولِ

حيث يهوي للقاتـــــــلينَ لواءٌ   ***   ويرفُّ اللـــواءُ للمقتولِ

يا ابنة المجدِ في مدى آل فهرٍ * وابنة الوحي في مدى جبريلِ

وقال من قصيدة (في مدرسة الإمام السجاد عليه السلام) وتبلغ (19) بيتاً

إلى أن ذوتْ روحٌ وفاضتْ لربِّها   ***   وفيها مآسي (كربلاءَ) معالمُ

ونامتْ على رملِ البقيعِ تبلّها   ***   سحـائبُ حزنٍ والدموعُ السواجمُ

فلا بارحتْ رملَ البقيعِ مشاعرٌ  ***   زكتْ وقلـــــوبٌ بالولاءِ حوائمُ

الشاعر

أحمد بن حسون بن سعيد بن حمود الوائلي الليثي الكناني (عميد المنبر الحسيني) ولد في النجف الأشرف مدينة العلم والعلماء من أسرة عربية تنتمي لآل وائل من بني ليث الكنانية العدنانية، وعرفت أسرته بآل حرج نسبة إلى جدهم الأكبر (حرج). وقد جرت العادة عند المؤمنين أن يلجأ الآباء إلى القرآن الكريم لاختيار اسم لأبنائهم تيّمناً بكلام الله عز وجل ولما بُشر الشيخ حسون ــ والد الشيخ الوائلي ــ بمولوده قرأ المأثور من الدعاء ثم فتح المصحف الشريف فإذا به يطالع الآية الكريمة "ومبشراً برسولٍ من بعدي اسمه أحمد"، فأسماه أحمدا.

كان الشيخ حسون والد الشيخ أحمد الوائلي يعمل بتجارة الحبوب والتمور، وكان قد درس في مدارس النجف العلمية، فحفظ كثيراً من التاريخ والشعر, كما كان مولعاً بقراءة نهج البلاغة، يعيش مع شروحه ويستغرق مع علومه إلى منتصف الليل, مكبّاً على مطالعته, كما كان ملمّاً بواقعة الطف وأحداثها الدامية، وقد كتب في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) شعراً باللهجتين الفصحى والعامية، وقد ساعدته حالته المادية الجيدة على التفرّغ للمطالعة والحفظ فضلاً عن دروسه ومطالعته, وقد أسهم كخطيب في مقارعة الاحتلال البريطاني في الثورة العراقية الكبرى عام 1920 فكانت له خطب حماسية جهادية ألهبت حماس الثوار. كما ساعدته حالته المادية الميسورة أيضاً على هجر التجارة والتفرغ للمنبر الحسيني، فنشأ ابنه الوائلي نشأة علمية على يد هذا الوالد الفاضل وحذا حذوه في طريقه إلى المنبر.

في السابعة من عمره درس الشيخ أحمد الوائلي عند الكتاتيب وحفظة القرآن الكريم على يد أستاذه الشيخ علي قفطان، وبعد تعلّمه القراءة والكتابة وحفظ القرآن دخل الدراسة الابتدائية ثم المتوسطة ثم الكلية ثم دخل كلية الفقه عام 1958 وتخرج منها عام 1962 وحصل على شهادة البكلوريوس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية، ثم حصل على شهادة الماجستير في نفس الاختصاص في معهد الدراسات العليا التابع لجامعة بغداد، وكانت رسالته بعنوان (أحكام السجون بين الشريعة والقانون).

وتابع الوائلي دراسته في مصر حيث درس في كلية دار العلوم جامعة القاهرة ونال منها درجة الدكتوراه عام 1978 عن إطروحته الموسومة (استغلال الأجير وموقف الإسلام منه)، كما درس الاقتصاد في معهد الدراسات العليا التابع لجامعة الدول العربية خلال فترة وجوده في القاهرة أيام إعداده لأطروحة الدكتوراه.

أما دراسته الحوزوية فقد درس العلوم العربية والفقه والعقائد والأخلاق على يد كبار علماء النجف وكان من أساتذته: الشيخ علي ثامر، والشيخ عبد المهدي مطر، والشيخ هادي القرشي، والشيخ علي سماكة، والسيد علي مكي العاملي، والسيد محمد تقي الحكيم، والشيخ علي كاشف الغطاء، والشيخ محمد حسين المظفر، والشيخ محمد رضا المظفر، والشيخ محمد تقي الإيرواني وأبو القاسم الخوئي، ومحسن الحكيم، ومحمد باقر الصدر.

المنبر المجدد

شغف الوائلي بالخطابة مترسِّماً خطى أبيه فارتقى المنبر الحسيني في سن مبكرة، ومن أساتذته في هذا الفن إضافة إلى أبيه الخطيب الشيخ حسون الوائلي، الشيخ محمد علي القسام، والشيح محمد علي اليعقوبي، والشيخ مسلم الجابري، والشيخ محمد الكاشي، والشيخ جواد القسام، والسيد باقر سليمون البهبهاني، والسيد حسن شبر، والشيخ عبود النويني، والشيخ مهدي البديري. وقد استطاع الوائلي تأسيس مدرسة منبرية استقطبت الكثير من شرائح المجتمع، وكان لمنبره الفكري المجدد الذي امتاز بالتنوّع المعرفي المنسجم صدى كبيراً في الأوساط العلمية والأدبية.

مؤلفاته

كان الوائلي (رحمه الله) شعلة متوقدة بالعلم أثرى المكتبة الإسلامية والعربية ــ فضلاً عن ديوانه ــ بالعديد من المؤلفات العلمية والعقائدية، كانت مخاض دراسته وتحقيقه أضافة إلى رسالتيه اللتين حاز بهما على درجتي الماجستير والدكتوراه واللتين ذكرناهما آنفاً.

فقد ألف في مواضيع عدة تستشف مضامينها من عناوينها ومن كتبه:

1 ــ من فقه الجنس في قنواته المذهبية

2 ــ هوية التشيع

3 ــ تجاربي مع المنبر

4 ــ التنوُّع الحضاري لمدينة النجف الأشرف

5 ــ الإمام الخوئي علامة بارزة في آفاقنا العلمية

6 ــ نحو تفسير علمي للقرآن الكريم

7 ــ دفاع عن الحقيقة

 وله كذلك من المؤلفات المخطوطة:

1 ــ الأوليات في حياة الإمام علي (عليه السلام)

2 ــ جمعيات حماية الحيوان في الشريعة الاسلامية

3 ــ الخلفية الحضارية لموقع النجف قبل الإسلام

4 ــ منتجع الغيث في الصحابة والأعلام من بني ليث

إضافة إلى الآلاف من المحاضرات الصوتية والمرئية.

الغربة

رحلة طويلة شاقة قاسى بها كثيراً من الآلام والمشقات والترحّل في البلاد في سبيل عقيدته ودينه. قدم خلالها رصيداً ثراً دفيقاً بالمعطيات الضخام وانجازات فكرية وأدبية كبيرة بعد أن نذر عمره للمنبر الحسيني.

ثلاثة وعشرون عاماً عاشها في الغربة كابد فيها مرارة البعد عن الأهل والوطن، فكان كثيراً ما يلجأ إلى الشعر ليجد متنفسّاً عن همومه وأحزانه, ففضلاً عن معاناة الغربة التي كانت تكوي أضلاعه فقد كان يسمع بين فترة وأخرى برحيل أحد العلماء الأعلام من زعماء الحوزة العلمية الشريفة أو أحد أقرانه ممن كانوا معه في رحلة طلب العلم أو أحد أقربائه أو أصدقائه فتطفح لواعج الحزن على لسانه:

أحبايَ ما أقسى على البعدِ غُربتي   ***   وأعنف وقع الحزنِ مما أصوِّرُ

وبعضُ أحبــــــائي بعيدٌ وبعضهم   ***   يغيّــــبُ في عفرِ الترابِ ويُقبرُ

وهيهات أن أسلو وللموتِ والنوى   ***   معــــاولُ في قلبي تحزُّ وتحفرُ

ورغم هذه المحن التي لازمت حياته فقد كانت حياته كلها عطاء مستمراً

شعره

لم ينحصر إبداع الوائلي وتميّزه على الخطابة فمثلما كان خطيباً هادياً ومبلغاً كبيراً، فقد كان شاعراً ملتزماً يرى الشعر رسالة مهمة للتوجيه والتبليغ وليس ترويحاً عن النفس:

أكبرتُ دورَ الشعرِ عمّا صوّروا   ***   وعرفتُ رزءَ الفكرِ في من لم يعوا

فالشعرُ أجــــجَّ ألفَ نارٍ وانبرى   ***   يلوي أنوفَ الظـــــــــالمينَ ويجدعُ

فقدّم قصائد خالدة من عيون الشعر العربي ضمَّها ديوانه الذي احتوى على العديد من الأغراض أهمها مدح أهل البيت (عليه السلام) ورثائهم وقد احتل هذا الغرض القسم الأكبر من ديوانه وكان أهم جزء في هذا القسم هو رثائياته المفجعة لسيد الشهداء (ع) والتصوير المؤلم لواقعة الطف.

وقد بدأت رحلة الوائلي مع الشعر مبكراً فقد كان للبيئة النجفية أثراً كبيراً على صقل مواهبه فنشأ شاعراً على طراز شعراء النجف الكبار، كما شكّل المحيط النجفي الخصب عاملاً مهماً في نمو قريحته فأخذ يعبُّ الشعر في مجالس النجف ومنتدياتها ثم بدأ يقرأ ويحفظ لمجموعة من الشعراء المتقدمين بدءاً بالشعر الجاهلي والشعراء الكبار في العصور اللاحقة، فحفظ للمتنبي والشريف الرضي والبحتري وأبي تمام ومهيار الديلمي والفرزدق والكميت وجرير ودعبل الخزاعي وغيرهم كما قرأ الترجمات لدواوين عمر الخيام وسعدي الشيرازي وقرأ للشعراء المعاصرين العرب والعراقيين وتأثر كثيراً بشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري.

وكان لتفاعله مع الوسط الأدبي النجفي أثراً بارزاً في العاطفة المتدفقة في شعره وبخاصة قصائده الباكية المبكية في ذكرى واقعة الطف وذكر المصائب والرزايا التي جرت على آل الرسول في كربلاء.

يقول من قصيدته (إلى الكعبة الغراء) وهو يستنشق عبير النبوة وشذى الوحي من حراء:

دلفتُ إلى الوادي وفي النفسِ صورةٌ   ***   تلوحُ ولكن لا تبينُ لرائي

فآنستُ فوق الرملِ خطوَ محمدٍ   ***   وفي الأفقِ أطيافاً وسحرَ رواءِ

وسيماءُ وجهٍ ترسمُ الطهرَ والشذى  ***   على كلِّ وجهٍ بالحمى وفناءِ

غداةَ تخطاها النبـــــــــيُّ مهللاً   ***   ليستافَ نفحَ الوحي عندَ حراءِ

وعادَ وعادَ الوحيُّ بينَ شفــاهِهِ   ***   مقاطعُ آيـــــــاتٍ وجرسُ إداءِ

وفي قصيدته (دعاء عند الرسول الكريم صلى الله عليه وآله) يستحضر الوائلي في ذهنه حياة الزهد التي عاشها أصحاب الكساء في البيت الذي نشر على الأرض أنوار السماء وأنقذهم من الجاهلية الجهلاء.

وتعدّ الزهراءُ من أدُمِ الطـائفِ فـرشاً وخيشةً للقعودِ

أكلوا والنبيُّ في دعواتٍ ضارعـاتٍ بخشعةٍ وهجودِ

ربِّ أولاءُ أهلي فطهرِّهمْ وهبهمْ رضاكَ يومَ الخلودِ

إيهٍ آلِ النبيِّ ما مثل هذا أيَّ مــجدٍ من طارفٍ وتليدِ

وفي قصيدته (في رحاب الرسول صلى الله عليه وآله) يخاطب رحمة الله التي أرسلها للعالمين:

ويؤلمكَ الإنسانَ يقتلُ تربَه   ***   ودونَ الدماءِ الحمرِ مـا هوَ أصوبُ  

وقد تحسبنّي ظالماً متجنّياً   ***   تناسى الذي يفضــــــــي لذا ويسبِّبُ

وكُلاً فما أنسى كروشاً تضخَّمتْ   * من السحتِ يجنى والكسيرةُ تنهبُ

ولا بالذي ينسى سياطاً لئيمةً   ***   تشظي جلودَ الكـــــادحينَ وتلهبُ

ولكنني أرثي لناسٍ تفرُّ من   ***   جحيمٍ ليحويـــــــــــها جحيمٌ مذهَّبُ

ويستجلي الوائلي ملامح سبط رسول الله الأكبر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) وصفاته التي ورثها عن أبيه وجده، ويرد على المرجفين الذين طعنوا في شخصيته العظيمة فيقول من قصيدته (الإمام الحسن عليه السلام):

ماذا ؟ أأنتَ تخافُ والجدُّ الذي   ***   ينميــــــكَ والأبُ شعلةٌ تتوقدُ

ولكَ المواقفُ والمشـاهدُ واحدٌ   ***   يـــروي وآخرَ بالبطولةِ يشهدُ

فالنهروان وأرضُ صفيـنٍ بها   ***   أصـداءُ سيفِكَ ما تزالُ تعربدُ

وأبوكَ حيدرُ والحيــادرُ نسلُها   ***   من سنخِها وابنُ الحسامِ مهنّدُ

وفي (غدير علي) يستشعر الوائلي من تلك الصحراء اللاهبة نسائم الولاء والحب ويغترف من هذا المورد الدافق:

طفا غديرُكَ عذبُ الوردِ يومئ للـــعطاشِ أن ينهلوا من خيرِ مورودِ

لكنَّ من ألِفَ المرَّ الذعافَ نبا   ***   به فمٌ عن لذيـــذِ الطعمِ يبرودِ

وبالمراضِ عزوفٌ عن لذائذِ ما * يُجنى وربّ عزوفٍ غير مقصودِ

لكنه الدربُ قادَ السالكينَ إلى   ***   غايــاتِهِ بين محظوظٍ ومجدودِ

والحمدُ للهِ أن هُدنا إليكَ على   ***   وعي ومنحـــة توفيقٍ وتسديدِ

ومرة أخرى يقف أمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في قصيدته (مع الإمام علي) ليقول:

أعليُّ يؤذيهِ رأيٌ رقيعٌ   ***   لابنِ عاصٍ أو كذبةٌ من سجاحِ

والوجوهُ المشوِّهاتُ بديهٌ   *** لصقُها العيبَ بالوجوهِ الصباحِ

فليزدْ ما لديكَ من كلِّ مجدٍ   ***   وليزدْ كذبــهمْ من الالحاحِ

لا ألومُ الزمانَ إن ضاقَ عمَّـــــــا أنتَ فيه من الحجومِ الفساحِ

فمحالٌ أن تلبسَ الشمسُ ثوباً  ***  أو تُصبَّ البحارُ في أقداحِ

وحريٌّ لو أنكرتكَ نفوسٌ   ***   حجمُها حجمُ مالها من براحِ

وفي (محراب العشق) يهزه عشق سيد الأوصياء (عليه السلام) ويؤخذ بعظمته فيقول:

لا تلمني إن خانني التعبيرُ   ***   فمتى يحتوي الكبيرَ الصغيرُ

أنتَ ملءُ الدهورِ حجماً ومعنىً  ** وأنا بعضُ ما حوته الدهورُ

بيدَ أنّي ألقاكَ في أفقِ العشــــــــــــــــقِ كما يلتقي الفراشَ النورُ

ولكلٍّ منّا هنــــــــالكَ دورٌ   ***   أنتَ تهمي السنا ونحنُ ندورُ

إن تكنْ تأسرُ المشاعرَ قهراً   *** ما هوَ العدلُ أن يلامَ الأسيرُ

فمتى يُؤخذُ الأسيرُ اختياراً   ***   ومتــى اختارَ قاهراً مقهورُ

ركضتْ خلفكَ القلوبُ وسرنا   *** خلفها وانتهى إليكَ المسيرُ

ويسكب دمعه (مع النفس) في رثاء أمير المؤمنين:

أبا حسنٍ والليلُ مرخٍ ســــــــــدولَه   ***  وأنتَ لوجهِ الله عـــــــانٍ تناجيهِ

براكَ الضنى من خوفِ باريكَ في غدٍ * وقد أمنَ المغرورُ من خوفِ باريهِ

على شفتيكَ الذكرُ يطفـــــحُ سلسلاً   ***   فتنهـــــــلْ علا من سموٍ معانيهِ

وغالتكَ كفُّ الرجسِ فانفجعَ الهدى  ***  وهُدَّتْ من الدينِ الحنيفِ رواسيهِ

أبا حسنٍ من روحِكَ الطهرِ هبْ لنا * شعاعاً فركبُ الشعــبِ قد ضلَّ هاديهِ

حنانيكَ حرِّرْ في هـــداكَ نفوسَنا   ***   فأنتَ أبــــــو الأحرارِ حين نناديهِ

وإلى (أبي تراب) أيضاً يكتب الوائلي قصيدته ليستلهم منه أسمى معاني العظمة:

إنّي أتيتكَ أجتـــــــــليكَ وأبتغي   ***   وِرداً فعندكَ للعطاشِ معينُ

وأغضّ من طرفي أمامَ شوامخٍ   ***   وقعَ الزمــانُ وأسهنَّ متينُ

وأراكَ أكبرُ من حديــثِ خلافةٍ   ***   يستامُـها مروانُ أو هارونُ

لكَ بالنفوسِ إمامةٌ فيهـــونُ لو ** عـصفتْ بكَ الشـورى أو التعيينُ

فدعِ المعاولَ تزبئرُ قســـــــاوةً   ***   وضـــــراوةً إنَّ البناءَ متينُ

أأبا ترابَ وللتـــــــــرابِ تفاخرٌ *** إن كانَ من أمشــاجِهِ لكَ طينُ

واستوحى الوائلي من (إيحاءات نهج البلاغة) هذه الأبيات من قصيدة:

إنه ابنُ القرآنِ والإبنُ كالأبِ وإن لــــــــــــجَّ حاقدٌ موتورُ

يتمادى فينكرُ البديــــــــــــهاتِ فحجرٌ بوعيــــــهِ محجورُ

وغباءٌ أن لا يرى الأصلَ بالفرعِ وبالفرعِ تستبينُ الجذورُ

فوراءُ الشعاعِ لابدَّ شمسٌ  * ووراءُ النهـجِ الشذيِّ زهورُ

غيرَ أنّ الأنغامَ يُسألُ عنها صـادحاتُ الخميلِ إلاّ اليعفورُ

قممُ الفكرِ في كتابِ عليٍّ شاهقــــاتٌ تنحطُّ عنها الصقورُ

نائياتٌ بها الشواردُ إلا لجنـــــــــاحٍ على الصعودِ صبورُ

وعروسُ الأفكارِ إلاً على ذهـــنٍ حصيفٍ جمالُها مستورُ

فإذا لم يسدُ الذهنُ إلهامٌ فلا يجتــــــــــــــلي الخفاءَ ظهورُ

هو قانونُ الضوءِ من دونه الأعينُ لا يستجيبُ فيها النورُ

وفي (وافد مصر) كتب الوائلي قصيدة ترحيب بالكاتب عبد الفتاح عبد المقصود صاحب موسوعة (الإمام علي) وفيها يخاطب الكاتب ويشير إلى عظمة الإمام:

أفتّاحُ هذا مربـــــــــعٌ في ترابِهِ   ***   لحيدرةٍ جسمٌ في أفـــــــــــقهِ فكرُ

ثلاثٌ وعشرٌ من قرونٍ تصرَّمتْ *** وما زال منه فوقَ هذا الثرى عطرُ

وأزمنةٌ مرّتْ بـــــكلِّ صروفِها  ***  يشدُّ بها زيدٌ ويــــــــــدفعُها عمرو

تمرُّ عليهِ وهيَ ســـوداءُ غيمةٌ  ***  فيمشي إليـــــــــــها وهو منبلجٌ بدرُ

ومنْ خُلقِ الشطآنِ أنَّ صخورَها  ***  جلامدُ مهما استفحلَ المدُّ والجزرُ

يعربدُ بحرٌ ثم ينحلُّ مــوجُه   ***   ويبقى برغمِ الموجِ ينتصبُ الصخرُ

أجلْ تلكَ عقبى المتّقين خوالدٌ  ***  من الذكرِ لا تفنـــى ولا ينتهي الذكرُ

ولبضعة النبي (صلى الله عليه وآله) التي جلت مصيبتها بعد وفاة أبيها يقول:

نهنهي يا ابنةَ النبيِّ عــــن الوجــــــــــدِ فلا برحتْ بكِ البرحاءُ

وأريحي عيناً وإن أذبــــلتها   ***   دمعــةٌ عند جفنِها خرساءُ

وانطوي فوق أضـــلعٍ كسروها * فهيَ من بعدِ كسرهمْ أنضاءُ

وتناسي ذاكَ الجنيـــنَ المدمّى *** وإن استوحشتْ له الأحشاءُ

وجبيــــــــنٌ محمدٌ كـــان يرتــــــــــــاحُ إليهِ مبـــــاركٌ وضّاءُ

لطمته كفُّ عن المجــــــدِ   ***   والنـخوةِ فيما عهدتها شلّاءُ

وسوارٌ على ذراعيــــكِ من ســـوطٍ تـــــمطّتْ بضربِهِ اللؤماءُ

في حشايا الظلامِ في مخدعِ الـــــــــــــزهراءِ آهٌ ولوعةٌ وبكاءُ

وهيَ فوقَ الفراشِ نضوٌ من الأسقامِ كـالغصنِ جفَّ عنه الماءُ

الرزايا السوداءُ لم تُبقِ منها *** غيرَ روحٍ ألـوى بها الإعياءُ

ومسجَّى من جسمِها وسمته  *** بالندوبِ السيــاطُ كيفَ تشاءُ

وكسيرٌ من الضلوعِ تحامت   ***  أن يراهُ ابنُ عــمِّها فيُساءُ

فاستجارتْ بالموتِ والموتُ للـــروحِ التي أدَّها العــذابُ شفاءُ

وفي الحسين عليه السلام فللوائلي نفسٌ تزهق عند كل قصيدة ففي (حديث الجراح) يرى الشاعر أن التضحية بالدماء هي سبيل الإنتصار وهي فتح جليل وهي التي تُنبت العُشب وهي الطريق اللاحب إلى الحرية:

الجراحـــــــــاتُ والدمُ المطلولُ   ***   أينعت فالزمـانُ منها خميلُ

ومضتْ تنشئُ الفتوحَ وبعضُ الــــــــــــــدمِّ فيما يعـطيـــه فتحٌ جليلُ

والدمُ الحرُّ مـــــــاردُ ينبئُ الأحـــــــــــــــرارَ والثـائرين هذا السبيلُ

وحديثُ الجـــراحِ مجدٌ وأسمى   ***   سِيَرُ المجدِ ماروته النصولُ

ثم عذراً إن تــــهتُ يا دمُ يا جـــــــــــــرحُ فقد أسكرَ البيانَ الشمولُ

ويحق لأرض الطف أن تزدهي بسيد الشهداء (ع) والثلة من أصحابه وأهل بيته الذين خلدوها بأروع ملحمة في التاريخ جسدت صراع الحق مع الباطل وانتصار الدم على السيف:

يا أبا الـطفِّ وازدهى بالضحايا   ***   من أديمِ الطفوفِ روضٌ خضيلُ

والشبــابُ الفينانُ جفّ فغاضتْ   ***   نبعةٌ حــــــــــــــلوةٌ ووجهٌ جميلُ

وتأمَّـــــــلتُ في وجوهِ الضحايا   ***   وزواكي الدمـــــــــاءِ منها تسيلُ

ومشتْ في شفاهِـكَ الغرِّ نجوى   ***   نَمَّ عنهـــــــــــا التسبيـحُ والتهليلُ

لك عتبى يا رب إن كان يرضيـــــــــــــكَ فهذا إلى رضـــــــــــــاكَ قليلُ

استنشق الوائلي من هذه الروح الثورية والمنهج الجهادي الخالد الذي اختطّه الإمام الحسين (ع) في نهضته الاصلاحية عبق الإباء واستلهم منها عظمة التضحية فراح يتغنّى بها في كل قصائده (الحسينية) حتى عُدّت السمة البارزة فيها ففي قصيدته (مولد الحسين) يخاطب تلك الروح الكبيرة:

أرى كل من يحيـا يموتُ ويستوي   ***   على مسرحِ الدنيا مغيبٌ ومطلعُ

وأنتَ حيـاةٌ لا تـموتُ على المدى   ***   توالــــــدَ في خلقٍ وتنشي وتبدعُ

أبا الثورةِ الكبـرى صليلُ سيوفِها   ***   نشيـــــــــــدٌ بأبعادِ الخلودِ مرجّعُ

أبا الشــــــــــهداءِ الواهبين تحيةً   ***   إلى هبةٍ مـن غُـرَّةِ الشمسِ أنصعُ

وإنَّ مناراً مــــــــن دماءٍ رفعته   ***   ليهدي طــــريقَ السالكينَ مُشعشِعُ

وفي قصيدته (رسالة للحسين) يلتفت الوائلي بقلبه إلى كربلاء وهو في الشام عند مرقد السيدة زينب بنت أمير المؤمنين (ع) بعد أن تعذّر عليه زيارة الحسين (ع) فيصوِّر مشاعره التي يمتزج بها الحزن العميق بألم الغربة والبعد عن قبر الحسين (ع) ثم يبلغ الحزن ذراه في المقطع الأخير ليطلق هذه النفثة مخاطبا البقعة التي سجلت سفر الخلود:

ويا (كربلا) يا هديـرَ الجراح   ***   وزهوَ الدمِ العلويِّ الأبي

ويا ســفرَ مـلحمــةِ الخالدين   ***   بغيرِ البطــــــولةِ لم يُكتبِ

ويا شفـــــــةً بنــشيدِ الدماءِ   ***   تغرِّدُ عبرَ المـدى الأرحبِ

ويا عبقاً في ثــرى العلقمي   ***   يشدُّ الأنــوفَ إلـى الأطيبِ

ويا صرحَ مجدٍ بناهُ الحُسين   ***   وأبدعَ في رصفهِ المعجبِ

يشيَّدُ من جبهةٍ أدميــــــــتْ   ***   وخَدٍّ بعــــفرِ الثرى مُتربِ

سيبقى الحسينُ شعاراً على   ***   أصيلِــــكِ والشفقِ المذهبِ

إن الوائلي هنا يغمس قلمه بالدم ليكتب عن أبي الإباء (ع) الذي أسرج بدمائه ضياءً ينير طريق الأجيال نحو الحرية والكرامة في ثورته المعطاء التي غرزت في دم الشاعر معنى البطولة وزرعت في أوصاله فحوى الإباء:

يا حسيــناً يامن شدوتُ به صبحاً   ***   وناديتُـه بوجــــــــدي مساءا

لك منـــــــــــــي رسالةٌ من أنينٍ   ***   في تضاعيفِهِ سكَبتُ الرجاءا

وأنادي يا من نفضت الضـــحايا   ***   سلّم المجدِ ســــــــادةً شهداءا

إن أجواءنا ظلامٌ فــــــــــــعـلّمنا   ***   بأن نســــــرجَ الدماءَ ضياءا

وتقبّل مـــــــــــــنَّا مواسمَ قامتْ   ***   لتواسي الأئمــــــة الأصفياءا

وأعدنا للصــــــــاعدات وألهمنا   ***   بأن نحملَ الحسيــــــــنَ لواءا

ويبقى دويُّ دماء عاشوراء يزعق بكل طاغية فالصوت الذي قال (لا) ليزيد لن يموت مهما تقادمت الليالي والأيام وستبقى الدماء غضّة طرية ترعب الطغاة وهي تبدع وتجود بالعطاء والثورات:

يا دماً شــــــــابت الليالي عليه   ***   وهو للآن في الرمالِ جديدُ

يحمل الطـفّ والحسين حساماً   ***   كلما مـــــــرَّ بالوجودِ يزيدُ

واذا غُـــــــرسَ الخنوعُ بجيلٍ   ***   وانحــــــنى منه للمذلّةِ جيدُ

صاحَ بالرملِ من صداهُ دويٌّ   ***   فإذا الرمــــلُ فارسٌ صنديدُ

هكذا أنت كـــــلّما افتقرَ الجيـــــــــــــــلُ لعزمٍ فمن دماكَ الرصيدُ

إن دنيــــــــا الخنوع للحُرِّ سمٌ   ***   وهيَ للخانعين عيشٌ رغيدُ

وهكذا يتعانق إيمان الوائلي بالحسين ومشاعره المتدفقة فينفث مع كلماته شيئاً من روحه فكانت الحصيلة أبلغ وأعمق من العطاء الأدبي والفني، لقد حمل الوائلي حب الحسين ربيعاً بين جوانحه وكتاباً يعكف عليه أينما حلّ وارتحل:

سيدي يا غذاءَ روحي ويا نبعاً سخياً يؤمُّــــــــــــه الظمآنُ

يا ربيعاً حمـــــــلته بين أضلاعي فعندي من خصبِهِ أفنانُ

يا كتـــــــــاباً ضخماً عكفت عليه فبروحي من قدسِهِ قرآنُ

أنتَ كونٌ أعلى فحلّق فكرٌ بين أبعـــــــــــــادِهِ وجلا لسانُ

سيدي إنني وإن شطّت الدارُ وغابت عن ناظري الأوطانُ

ذلك القلبُ ذائبٌ برمالِ الطـــــــــــفِّ صبٌّ بعفرِها هيمانُ

سحرتني فيك العزيمةُ والــــموقفُ والروحُ صلبةٌ والجنانُ

والذي عاشَ بالمشـــــــــــاعرِ لا يـبعدُ مهما تباعدَ الأبدانُ

وكل أمنية الشاعر أن يستاف عطر الإباء في مثوى سيد الشهداء:

ولكَ التربةُ الشفاءُ حبـــــاكَ اللهُ ما شئــــــــــتَ رفعةً ومقاما

فأسألِ اللهِ يا ابنَ أكرمِ رهطٍ * أن ينحِّي عنه الأذى والسقاما

أنا لا أطلبُ الدوامَ بدنيا  ***  كيفَ أرجو من الفناءِ الدواما

غيرَ أنّي لديَّ بعضُ أماني   ***   وأمانيّ أن أنـالَ المراما

ثم أمضي كما مضى الناسُ قبــلي لكــــــــريمٍ آلاؤه تتهامى

عندَ بابِ عطاءٍ لا يجارى   ***   وفنــاءٍ نزيلُـه لا يضاما

أتفيا بظلِّ عفوٍ ســـــــخيٍّ   ***   يمسحُ السيئــاتِ والآثاما

وأعبُّ النعمى بجنبِ حسينٍ   *** وعليٍّ ومن بهمْ أتسامى

وتبقى صور رائعة الطف متجلية في ذهن الوائلي وتعيش معه وتنبض في قلبه:

غنّيتُ باسمِكَ فاهتـزَّ الوجـــودُ إلى  ***   دنيا يمتَّعُ فيهـا السمعُ والبصرُ

إلى فتىً ليسَ مجدُ الواهبينَ سوى  ***   قدرٍ ضئيــلٍ إلى جــــدواهُ يُفتقرُ

إلى البطولةِ يُستضرى بها وهجٌ * وعيُ الشعوبِ إذا استشرى بها الخورُ

إلى الصلابةِ من أجلِ الحياةِ ترى ***  حربُ المقاديـــرِ أو يَستسلمُ القدرُ

إلى وريفٍ من الأفياءِ رفَّ على الـــــــضاحينَ حيث هجيرُ البغي يستعرُ

إلى الحسينِ وهل غيرُ الحسينِ إذا * ما التاثَ فكرٌ وضاعَ الوردُ والصدرُ

فالحسين عليه السلام هو نشيد الزمان مهما تعاقبت العصور وتوالت الأحقاب:

يومٌ طلعتَ على الزمانِ وليدا   ***   سيظلُّ ملءَ فـــمِ الزمانِ نشيدا

ورأيتكَ النفسُ الكبيرةِ لمْ تكن   ***   حتى على مـــن قاتلوكَ حقودا

فعلمتُ أنّكَ نائــــلٌ ما تبتغي   ***   حتماً وأن يـــكَ شلوكَ المقدودا

وبأنَّ من قتلوكَ ودُّوا عكسَ ما * قد كانَ لو علــموا المدى المقصودا

ظنّوا بأن قتلَ الحسينَ يزيدُهم   ***   لكنما قتلَ الحسيـــــــــنُ يزيدا

فالحسين باق ما بقيت الشمس وهو امتداد جده وسيبقى ذكرهما إلى أبد الآبدين:

حسينٌ وربَّ اسمٍ إذا ما لفظتُه   ***  يرنّ بسمعِ الدّهرِ مهما تردَّدا

كمثلِ شعاعِ الشمسِ ما اخلولقتْ له *** بيومٍ معانٍ كي يقالَ: تجدَّدا

أَفاقَ عليه الدَّهرُ يوماً فـــــــــراعَه *** طرازٌ تعدّى سنخَـه وتفرَّدا

فيا خامساً من خمسةٍ إن رأيتَهم *** رأيتَ بهـم في كلِّ وجهٍ محمّدا

حديثُ الكسا ترنيمةُ الحقِّ فيهمُ * روى الذّكرُ فيها الاحتفـاءَ وغرّدا

لقد أعطى الحسين روحه ونفسه وكل ما يملك لله فأعطاه الله كرامة الدنيا والآخرة:

أبا المعطياتِ الخالداتِ على المدى * ولو أن وقعَ التضحياتِ وجيعُ

سخوتَ بها تسترفدُ اللهَ منزلاً   ***  كريماً فأعطى والعطاءُ وسيعُ

بنيتَ محاريبَ الفداءِ ولم تزلْ   ***   تخرُّ عليـــــها سُجَّدٌ وركوعُ

وما كنتَ ترضى عن كثيرٍ بذلته  *** فما أنتَ في دنيا الفداءِ قنوعُ

وأشبعتَ ساحاتِ الشهادةِ إنّها   ***   بها عطشٌ للمعطياتِ وجوعُ

لقد عشق أحمد الوائلي الحسين (ع) فخلد اسمه بهذا العشق واقترن به, فحينما يكون الشاعر خطيباً والخطيب شاعراً يتوحّد في الكلمة صدق التعبير وصدق الفن ويتألق نجمه أكثر في سماء الحسين (ع).

فلم يزل الوائلي يزداد تألقاً بذكر الحسين حتى خبا ألق هذا النجم في مدينة الكاظمية المقدسة، وحمل جثمانه الطاهر إلى كربلاء ثم منها إلى النجف الأشرف حيث مثواه الأخير ودفن في صحن العبد الصالح كميل بن زياد (رضوان الله عليه) وكان قد عاد من مهجره (دمشق) إلى العراق بعد سقوط النظام البائد حيث لم يلبث في العراق سوى عشرة أيام.

محمد طاهر الصفار

 

المرفقات

: محمد طاهر الصفار