فضة النوبية.. ظلٌ لقوافل الحزن

هنيئا لك أيتها السيدة الفاضلة النبيلة وأنت تقتبسين من ضياء النبوة وترتشفين من معين الإمامة.

هنيئا لك وأنت تقومين بخدمة من تشرّف جبرائيل بخدمتهم.

هنيئا لك وأنت تنعمين بهذا الفيض الإلهي في بيت من يشتري ثوبين فيعطي لخادمه أفضلهما.

لا عجب وأنت تحوزين هذه المنزلة السامية والمرتبة العظيمة لأنك أخلصت الطاعة لله وواليت أوليائه وعاديت أعدائه.

فضة النوبية المرأة المؤمنة الطاهرة التي اصطفاها رسول الله (ص) لخدمة ابنته الصديقة الزهراء سيدة نساء العالمين (ع) فكانت تشاطرها الخدمة يوماً بيوم, اكتسبت من هذا البيت الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا بعد أن قضت فيه عمراً طويلاً مكارم الأخلاق وحميد الصفات فنهلت من علومهم وتخلقت بأخلاقهم.

كان لها شرف اشتراكها مع سادة الخلق في نزول سورة هل أتى فيهم فقد ذكر الثعلبي (1) والزمخشري (2) في تفسير قوله تعالى: إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا.

هي عين في دار النبي (ص) والمؤمنين يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً يوفون بالنذر يعنى علياً وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهم فضة. 

كما كانت فضة من حملة القرآن وقال في ترجمتها السيد عبد الحسين الشبستري: هي فضة النوبية المصرية, جارية فاطمة الزهراء, وخادمتها, وكانت صحابية جليلة القدر, عظيمة المنزلة, على درجة كبيرة من العبادة والتهجّد والتفقّه في الدين. (3)

وقال عنها الواعظ الكجوري:

هي من خادمات ومواليات هذه الأسرة الرفيعة الدرجات العالية المقامات، قضت عمراً في خدمة الخمسة الطيبة، وكانت دائبة في خدمتها، لم تغفل لحظة عن القيام بواجبها، مقدمة رضاهم على رضاها، ساهرة على تطييب خاطرهم وتنفيذ مرادهم، مهتمة غاية الاهتمام بالعبادة وإطاعة الرب المتعال، مستقيمة على امتثال أوامر سيدة العصمة وأميرة العفة الصديقة الطاهرة (ع) متميزة عن أقرانها وأترابها بالحلم والصبر والتحمل والثبات في البلايا والشكر والخلوص، حتى مدحها الله تبارك وتعالى في كتابه المجيد في سورة (هل أتى) فغمرتها الألطاف الإلهية والأفضال الرحمانية، وحُشرت مع علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء والحسنين (ع) فنزعت عنها ذمائم النفس الدنية والرذائل الأخلاقية باتباع السيدة المطهرة المصطفوية وتحلت بمكارم الأخلاق النبوية.(4)

وقالت عنها الكاتبة السورية زينب الفوازية: إن فضة كانت من النساء العاقلات الصادقات وقد اشتهرت بالفضيلة، وفي ذكر ممن نزلت فيهم سورة (هل أتى) نالت بذلك فخراً لم تنله غيرها من نساء العرب.(5)

نالت فضة شرف الصحبة فجاء في ترجمتها: إن رسول الله (ص) أخدم فاطمة ابنته جارية اسمها فضة النوبية وكانت تشاطرها الخدمة. (6)

وقيل في نسبها عدة أقوال لا يمكن الاعتماد كلياً على أحدها منها:

إنها: بنت ملك الهند. (7)

إنها كانت من بين الجواري التي أهداها ملك الحبشة إلى رسول الله (ص) (8)

إنها بنت أحد ملوك الحبشة. (9)

دخلت فضة بيت السيدة الزهراء ولها من العمر عشر سنوات فاقترنت حياة فضة بحياة أهل البيت فهي تفرح لفرحهم وتحزن لحزنهم وتستشعر في قلبها آلامهم ومصائبهم فعايشت مصيبة مولاتها الزهراء ووقفت إلى جانبها في احتضارها واستشهادها.

فقد جاء في الخصائص الفاطمية: إن الصديقة الزهراء قالت وهي مستندة على الجدار: آه يا فضة إليك فخذيني فقد قتل ـ والله ـ ما في أحشائي من حمل.

وقد تولت فضة دفن المحسن السقط كما كانت من ضمن الخاصة الذين أعلمهم أمير المؤمنين باستشهاد الصديقة الزهراء (ع) وممن شاركت في تغسيلها.

وبقيت فضة مخلصة لهذا البيت الطاهر في كل الأحداث التي مرت به وتؤكد الروايات وجودها مع السبايا بعد معركة الطف ورافقت الحوراء زينب في رحلتها ولازمتها حتى وفاتها وجاورت قبرها الشريف حتى توفيت ودفنت بالشام (10) وقبرها الشريف يقع في الباب الصغير للجامع الأموي.

محمد طاهر الصفار

...............................................................................................

1 ــ تفسير الكشف والبيان ــ الثعلبي 

2 ــ الكشاف ــ الزمخشري في تفسير سورة هل أتى

3 ــ أعلام القرآن ج 32 ص 2

4 ــ الخصائص الفاطمية ج 2 ص 185

5 ــ الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 44

6 ــ الإصابة ج 8 ص 282 / أسد الغابة ج 5 ص 530

7 ــ الحافظ البرسي ــ مشارق أنوار اليقين ص 121

8 ــ الخصائص الفاطمية ــ الطهراني ج 2 ص 188

9 ــ حضرة فضة ــ محمد حسين السابقي / الأنوار العلوية ــ الشيخ جعفر النقدي

10 ــ أسرار الشهادة ــ الدربندي

المرفقات

: محمد طاهر الصفار