الرسوم الشعبية.. دلالات وعبر

الرسوم الشعبية رؤية حدسية..

تعد الفنون بأنواعها و تكويناتها الجمالية وأبعادها المعرفية المختلفة من أهم لغات التعبير والافصاح والتفاهم بين الشعوب منذ أقدم العصور حتى عصرنا الحاضر، و يعد ذلك من أسس قيام الحضارات الإنسانية حتى مثل الفن إبداعا فكريا وجماليا.. واصبح اتجاها دينيا وعقائديا مارسته كل الشعوب على بقاع المعمورة، وفن الرسم بكل المقاييس يكاد يكون من الفنون العاكسة لعادات الإنسان وتقاليده في كل الحضارات، والتي تساهم بإخراجها و انتشارها بشكل وآخر عن طريق المنجزات الفنية بكل تفاصيلها.

ان التراث العريق لمختلف الشعوب لم يكن مجرد استعارة صامتة للفن والفنان.. بل إن التعامل معه كان برؤية حدسية شاملة.. فالمكونات والمفردات التشكيلية لم تبصر النور من العدم وإنما كانت نتيجة جهود أبناء تلك الشعوب في القدم وبكل نواحيه الفنية والجمالية لتوثيق حياتهم اليومية والاجتماعية، فإن تراث الامم يضم الكثير من الدلالات والرموز الجمالية سواء الدينية منها أو الدنيوية، وهي بمجملها ذات أصالة ترتقي بالأعمال الفنية إلى مستوى الإبداع والمحافظة على روح الموروث ومن ثم التعامل معه بروح المعاصرة وحسب مجايليه.

ولا شك إن تراثنا العربي العراقي يحوي الكثير من تلك الافكار واتجاهات الوعي الحضاري الممثل لكل ادوار الحضارة العربية والعراقية القديمة، وما يحتويه تراثنا العريق كان له حضوره الجمالي الواسع في منجزات الفن العراقي بمراحله المختلفة وصولاً الى الرسم المعاصر بوصفه فنا صيرته الحداثة بكل مقاييس العصر وباتجاهات الفنية المختلفة.. حيث فتحت أبواب التغيير على مصراعيها لسبر أغوار الجمال من خلال الرسم العراقي وما يحتويه من موروث حضاري انطلقت منه محاولات الإنسان الاولى للتعبير عن الحياة وقيمها المختلفة بأساليب فنية خيالية او واقعية من خلال الاشكال المرسومة.

الرسم الشعبي العراقي..

التصوير الشعبي هو فن فطري يخضع لتقاليد متوارثة عبر الأجيال المختلفة،  ويقوم به أناس من عامة الشعب يتمتعون عادة بثقافة بسيطة.. وهو بطبيعته لا يتجاوز مجموعة من الخطوط والألوان والأشكال رسمت بمواد سهلة وميسرة وعناصره تكون غنية بالرموز والدلالات،  وتختصر في اشكالها تاريخ أمة بما فيها من تقاليد وعادات، وايضا يمكن تعريفه بانه فن أفرزته الثقافة المجتمعية مع الأيام، او هو فن وظيفي غايته أما جمالية بقصد تزين البيوت والأواني وغيرها.. وإما دينية او عقائدية ، وقد تكون علاجية في بعض الاحيان.

تضمنت الفترات الزمنية المتعاقبة بعد سقوط بغداد على يد المغول 656 هـ- 1258م وما تلاه وصولاً للثلث الاخير من القرن التاسع عشر الميلادي.. الاهتمام ببعض الفنون التقليدية كفن الزخرفة والخط العربي التي اصبحت انعكاساً لطبيعة البنية الثقافية التشكيلية للفنون الشعبية والحرفية، وهي حينئذ اتت بمزيج تقني وأسلوبي لمصغرات الرسوم ( المنمنمات ) كرسوم بعض المخطوطات من الكتب الدينية والأدبية والتي تضمنت مناظر طبيعية لمدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة والكتابات الدينية المزخرفة التي تطبع بألوان مختلفة وتحاط بإطار زخرفي ذي أشكال هندسية متداخلة ، فضلاً عن وجود فئة النقاشين في بغداد وهم من يجمعون بين فني الزخرفة والرسم في اعمالهم الفنية.. وهذه المظاهر المتنوعة من الفن التشكيلي هي التي عرفها بعض المنظرين العرب المعاصرين بأنها (الفن الشعبي الأصيل).

ان الفن بمبادئه العفوية الذي يصدر عن رغبة بالتعبير عن الجمال يصبح بسيطاً غير معقد، ويكاد يكون الرسام البغدادي نيازي مولوي في أواخر القرن التاسع عشر هو الشخص الاول الذي تقدم بنزعة حرفية معاصرة في الفن تتسم بالتجديد بين فنون الرسم  والزخرفة والكتابة في إن واحد إلى جانب نزعته التجريبية في البحث والإبداع،  فهو يمثل حلقة الوصل ما بين فن الرسوم المصغرة ،أو الأسلوب المعروف في تزويق المخطوطات وفن الرسم ألمسندي الذي عرف به عبد القادر الرسام.. وكان أسلوبه يجمع بين ما امتازت به الرسوم المصغرة من تعابير تدور في ذهن الرسام وانطباعات هي اقرب إلى مفهوم الرسم على أساس المعرفة وليس وفقا للإحساس البصري لما هو مرئي، وهي انطباعات طالما اعتمدت على مشاهدات مرئية محورية أو خيال جامح من اجل تكوين صورة تشخيصية أو منظر طبيعي، وربما تكون اقتربت الصورة الفنية إلى ما هو مرئي فعلا كما آل حصل في أواخر القرن التاسع عشر باتخاذ صورة الغزالة أو الحمامة اللذان يحملان رمزا لأسطورة بغدادية، وهذه الصورة قد وجدت مرسومة على أوراق كبيرة تسمى أوراق المعشر، وهي ملونة بألوان فاتحة يسودها اللون الأزرق والأصفر والأخضر وتستحضر من الأعشاب بشكل خاص، فضلاً عن انها تصور عظمة بعض الشخصيات التاريخية أو مناقب الاولياء الصالحين او آل البيت عليهم السلام مثل لقاء الإمام علي عليه السلام مع ابن ود ألعامري.

عمد المصور العراقي الشعبي بعد شيوع الزجاج الى تبني تقنية الرسم على الزجاج فأخذ يصور المشاهد المقدسة في كربلاء والنجف ويرسم الملامح البيئة المحلية للمدن العراقية من نخيل و أنهار واشكال حيوانية رمزية، حيث اظهر من خلال عناصره الفنية جماليات تكوين الأشكال التراثية في الفن العراقي المعاصر، وقد ظهرت طائفة من الرسوم الشعبية المطبوعة التي استبدلت ببعض الرسوم التي كانت تصور باليد على المخطوطات وغيرها، وهذه الطائفة من الرسوم يتكرر فيها تصوير الطقوس الشعبية المتنوعة المتعلقة بالحياة اليومية ومنها المأتم الحسينية التي تقام استذكارا باستشهاد الامام الحسين بن عليهما السلام في كربلاء وما يرافقها من طقوس، وهي تتميز بصياغة أسلوبية تحاور فطرة المرء وعقيدته وخياله.

لقد استخدم الفنان الشعبي مفردتي الكف والعين وجهد في التعبير عن هذين الرمزين بطرق مختلفة وفقا لرؤيته الخاصة، فالرمز كان ومازال من أهم عناصر الرسوم الشعبية، واهم الرموز التي يستخدمها الفنان الشعبي هي(النخلة) وهي رمز قديم يدل على الازدهار والخصب، اضافة الى السيف الذي يرمز للبطولة والشجاعة، والكف للحسد والأفعى  للشر، والحمامة للسلام، والغراب للموت والخراب وغيرها من الرموز المختلفة...، وهناك أشكال اخرى تعد رموزا لها دلالاتها المعبرة في الرسوم الشعبية مثل بعض الاشكال الهندسية كالمربع الذي يرمز للتوازن والقدسية ويرمز إلى الكعبة ايضاً، والدائرة التي ترمز للشمس أو القمر أو الكون وعلامة لطواف المسلمين حول الكعبة، ولا يخفى ما للألوان من دلالات فهي الأخرى كان ومازال استخدامها واقعا تحت تأثير الفكر الاعتقادي.

وهناك مجالات اخرى للرسوم الشعبية مازالت حاضرة حتى اليوم ومنها فن الوشم بألوانه الزرقاء التي تزين بعض اجزاء الجسم عند ابناء الريف العراقي.. حيث لم يكن هو مسالة عبثية، بل هو فن قديم يعود إلى زمن الحياة البدائية وقد استخدم لغرض تزييني تارة واخرى اعتقادي شفائي.. وقد عرف الوشم اول الامر عند النساء حينما تزيّن اول الامر بمادة الحناء لتكون بديلاً عن الحلي والعقود والأساور، أما فيما يخص الرجال فالوشم يحمل في طياته مدلولات أخرى كان يكون علامة للانتماء القبلي، ويعد ظهوره مرتبطا بالتقاليد والديانات ذات الأشكال الطوطمية، وقد ادخلت على الوشم وحدات زخرفية وعناصر هندسية كالنجمة ،والهلال والسنابل وبعض الأشكال القريبة من الخطوط والدوائر وبعض الأشكال الهندسية القديمة.. وهذا بالطبع يكاد يطابق نوع أخر من الفنون ذات الطابع الاعتقادي.

ولا يفوتنا ذكر الاشكال المرسومة على بعض الرايات.. والتي وان كانت قد تلاشت لكنها ظلت تقليداً قائماً حتى اليوم ولكن بصورة أخرى،  كما نلاحظها اليوم في الرايات الرامزة لبعض الامارات والقبائل العراقية الاصيلة التي تتحلى ببعض الاشكال والوحدات الزخرفية ذات الألوان المتباينة التي كتب بداخلها بعض العبارات الدينية، وهي تعد من الأساليب التصويرية المهمة في الفنون الشعبية العربية العراقية.

اعداد : سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

المرفقات