محمد طاهر السماوي .. إيلاف رحلة العلم والأدب

 

لم يكن الهدف من هجرة هذا الصبي من مدينته السماوة وهو في العاشرة من عمره كعادة من يهاجرون من مدنهم إلى مدن أخرى للعمل وطلب الرزق وخوض تجربة لتحسين أوضاعهم المادية, بل كان هدفه أسمى وأكبر ..

فرغم أنه جاء إلى مدينة النجف الأشرف مُملقاً, وربما لم يكن يحمل معه سوى أجرة نقله إليها إلا أنه كان يشعر أن حلمه قد تحقق بمجرد الوصول إليها والإقامة فيها لتلبية رغبته العارمة في طلب العلم وحضور حلقات الدروس العلمية والأدبية التي كانت تعج بها هذه المدينة المقدسة التي كانت ولا زالت مصدر إشعاع علمي وأدبي منذ أن احتضنت باب مدينة علم رسول الله (ص) فتهافت عليها طلاب العلم من كل مكان.

وقد كان هذا الصبي مؤهلاً تماماً لخوض هذه التجربة وكان يمتلك قدرة كبيرة على الاستيعاب حتى استطاع حفر اسمه في سجل أعلام العلم والأدب في النجف الأشرف والعراق وحاز على مكانة متميزة فيهما.

الولادة والهجرة

ولد الشيخ محمد طاهر بن حبيب بن حسين بن محسن بن تركي الفضلي السماوي في مدينة السماوة سنة (1292هـ/1876م) وفي العاشرة من عمره أي في سنة (1304هـ/1886م) هاجر إلى النجف الأشرف بعد وفاة والده وهناك وجد ضالته في تلقي العلم والأدب فعاش عالمه الذي يحلم به, فدرس مقدمات العلوم وأوليات الفقه والأدب على يد علماء وأدباء المدينة, فدرس الفقه على يد الشيخ شكر البغدادي وعبد الله آل معتوق القطيفي ، ودرس الرياضيات على يد أغا رضا الأصفهاني، أما الأدب فقد درسه على يد إبراهيم الطباطبائي

وبعد إكماله العلوم الأولية درس الأبحاث والدروس العالية والمتقدمة على يد كبار العلماء الأعلام في النجف الأشرف آنذاك أمثال: علي وحسن باقر آل الجواهري, وأغا رضا الهمداني, ومحمّد الهندي, ومحمد طه نجف, ومحمّد حسن المامقاني, وشيخ الشريعة الأصفهاني فتمخضت دراسته هذه عن إجازة أساتذته عليّ الجواهري, ومحمد الهندي, وطه نجف له بالاجتهاد إضافة إلى السيد حسن الصدر ليصبح من أعلام الفقه والأدب.

وبقي السماوي مواصلاً مسيرته العلمية وهو يتجول في رياض الفقه والأُصول والحديث والتفسير والحكمة والمنطق والتاريخ والأدب والعروض والشعر كما خاض حتى مجال العلوم الغريبة كالرمل والحروف والجفر والكيمياء.

بقي السماوي في النجف قرابة ربع قرن ثم غادرها متّجهاً إلى بغداد عام (1912) بعد انتخابه عضواً في مجلس الولاية الخاص فبقي فيها خمس سنين وعمل في الصحافة محرراً في صحيفة (الزوراء) الرسمية والتي كانت تصدر في بغداد باللغتين: التركية والعربية مدة سنتين وذلك في أواخر العهد التركي حتى سقوط بغداد ليعود بعدها إلى النجف الأشرف ويتولى القضاء الشرعي, كما انتخب عضواً في المجمع العلمي العراقي, ومن النجف سافر السماوي إلى كربلاء التي أقام فيها عدة سنين ثم انتقل بعدها إلى بغداد مرة أخرى ليتولى القضاء والتمييز الشرعي في المحكمة الجعفرية ولكنه كان يتوق إلى المدينة التي احتضنته ومهدت له سبل الارتقاء في ميداني العلم والأدب فانتقل ــ بطلب منه ــ إلى النجف الأشرف لتكون محطته الأخيرة ونهاية رحلته 

أقوال الأعلام فيه

نالت شخصية السماوي إعجاب كل معاصريه ومجايليه ومن قرأ له كما حظي علمه وأدبه وشعره باهتمام الدارسين والباحثين والمعنيين بالأدب ونترك الحديث عن شخصيته لبعض الأعلام:

كتب عبد الكريم الدجيلي مقالاً عن السماوي في جريدة اليقظة قال فيه:

(كان السماوي خير من يمثل العالم في المدرسة القديمة بأسلوب كلامه وطريقة حواره وهيئة بزته واتزانه وتعقله، وهو إذا حضر مجلساً يأسر قلوب الحاضرين بسرعة البادرة وحضور النكتة وقوة الحافظة وسعة الخيال، فهو ينتقل بك من الشعر العالي المتسامي إلى طرف من التاريخ والآداب، ثم إلى نوادر من الحديث والتفسير، وهو إلى جانب ذلك يسند حديثه بإحكام ودقة تعبير، فيدلك على الكتاب الذي يضم هذه النادرة أو تلك النكتة، وعلى الصحائف التي تحويها، وعلى السنة التي طبع فيها هذا الكتاب إن كان مطبوعاً، وإلى عدد طبعاته إن كانت متعددة، وحتى التحريف والتشويه بين الطبعات!

وأنت إذ تستمع إليه فكأنك تصغي إلى عالم من علماء العهد الأموي أو العباسي في طريقة حواره وأسلوب حديثه وانتقاله من فن إلى فن، ومن علم إلى علم، فهو يعيد لك عهد علم الهدى في مجالسه، والقالي في أماليه، والمبرد في كامله، والجاحظ في بيانه وتبيينه، ولا تفارقه الابتسامة التي تقرأ منها عمق التفكير وجلال العلم وغبار السنين، ويده إلى جانب ذلك مشغولة في علبة البرنوطي) ــ أي علبة التبغ ــ

وقال فيه معاصره الشيخ جعفر النقدي: (فاضل: سبقت دوحة فنونه في رياض الفضائل وجرت جداول عيونه في غضون الكمالات).

وقال فيه رضا كحالة في معجم المؤلفين: (محمد بن طاهر السماوي، أديب، ناظم، ناثر)

ووصف الشيخ آغا بزرك الطهراني بـ (العلامة الماهر)

 وقال فيه الزركلي في الاعلام: بحاثة كبير وأديب لبيب وفقيه بارع شغل منصب القضاء الشرعي ردحا من الزمن

مؤلفاته

انحصرت مؤلفات السماوي بسيرة أهل البيت (ع) وسيرتهم ولكن الشعر طغى على مؤلفاته فكتب عن تاريخ المدن المقدسة شعراً (التاريخ الشعري) كما تخللت أشعاره مؤلفاته وخاصة كتابه (إبصار العين في أنصار الحسين) الذي أفعم فصوله بأشعاره وقد ألف السماوي من الكتب:

1 ــ الطليعة في شعراء الشيعة: وهو كتاب ضخم في ثلاثة أجزاء ضم تراجم شعراء الشيعة عبر العصور

2 ــ إبصار العين في أنصار الحسين.

3 ــ ظرافة الأحلام فيمن نظم شعرا في المنام.

4 ــ الكواكب السماوية في شرح القصيدة الفرزدقية.

5 ــ شجرة الرياض في مدح النبي الفيّاض.

6 ــ جذوة السلام في نظم مسائل الكلام

7 ــ ثمرة الشجرة في مدائح العترة المطهرة. (ديوان شعر في أهل البيت ع)

8 ـــ صدى الفؤاد إلى حِمى الكاظم والجواد، (تاريخ شعري). (1120 بيت)

9 ــ عنوان الشرف في وشي النجف، (تاريخ شعري). (500 بيت)

10 ــ مجالي اللطف بأرض الطف، (تاريخ شعري). (1250 بيت)

11 ــ موجز تواريخ أهل البيت (ع).

12 ــ وشائح السراء في شأن سامراء، (تاريخ شعري). (700 بيت)

13 ــ بلوغ الأمة في تاريخ النبي والأئمة (أرجوزة في 120 بيتا)

14 ــ رياض الازهار في النبي وآله الاطهار (شعر)

15 ــ الترصيف في التصريف 

16 ــ مناهج الوصول إلى علم الأصول

17 ــ فرائد الأسلاك في الأفلاك

مكتبته

أفنى الشيخ السماوي سنيَّ حياته في جمع الكتب وكان شغوفاً بنسخها وجمع ما تناثر في بطون المصادر من الشعر في دواوين وله الفضل في إصدار كثير من دواوين الشعراء القدامى والمحدثين فقد بذل جهودا جبارة في ذلك. يقول السيد جواد شبر في أدب الطف ج 10 ص 22: (وكانت مكتبة السماوي مضرب المثل وأمنية هواة الكتب). ويقول الأستاذ علي الخاقاني في شعراء الغري: (كتب السماوي بخطه أكثر من مائتي كتاب مضافاً إلى أنه ينتقي الكتب القيمة وطبعاتها القديمة: الصحيحة حتى ارتفعت طبعات بولاق بسبب كثرة طلبه لها وكتب عن مكتبته جرجي زيدان في كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية).

وقال الشيخ محمد جعفر الطبسي في مقدمة كتاب إبصار العين للسماوي: امتلك السماوي مكتبة نفيسة غنية بالمخطوطات، وقد كتب بخطّه أكثر من خمسمائة كتاب في مختلف العلوم والفنون أحيا بذلك ما كاد يتلف من الآثار الفريدة.

وكانت مكتبته تحتوي على الكتب النادرة والنفائس من المخطوطات إضافة إلى ما كان يكتبه بيده حيث حفظ بذلك تراثاً ضخماً من الضياع يقول السيد جواد شبر:

(كتب السماوي عشرات الكتب وكان شديد الشغف بالاستنساخ والتأليف وكنت اسأله واستفيد منه ودخلت عليه مرة فرأيته يكتب تفسير القرآن استنساخاً فقال لي: إني كتبت وجمعت من الدواوين لشعراء لم يجمع شعرهم مما يربو على الخمسين شاعراً ، أما من التفاسير فهذا التفسير السادس الذي أكتبه بخطي) !!

لقد نذر السماوي نفسه لحفظ العلم ونشره وكان لا يأبه للمردود المادي مقابل جهوده. من ذلك ما رواه السيد شبر في أدب الطف قائلا: (وأذكر أن التاجر السيد حسن زيني قال لي مرة: يوجد ديوان جدنا السيد محمد زيني في مكتبة الشيخ السماوي ولعلك تستطيع شراءه لي، ولما أبديت ذلك للشيخ قال لي: هاك الديوان فأسرته أولى به ولما سألته عن الثمن، قال: خذ منه ما تجود به يده).

وهذه الحكاية تدل على حرصه على وضع العلم في موضعه وزهده بالمال حيث كان يستطيع أن يحصل على ما يطلبه من المال من هذه الأسرة الثرية مقابل هذا الديوان لكنه لم يفعل.

وهناك حكاية أخرى يرويها السيد شبر أيضاً حيث يقول: (وأذكر أنه حاول أن تُشترى منه ــ أي مكتبته ــ وتوقف وقفاً محبساً حتى ولو تنازل عن بعض ثمنها وقال : أتمنى أن تقدر هذه المكتبة وأتبرع بثلث قيمتها إذا حصل من يوقفها وقفاً خيرياً، وأعتقد إنه لو كان يملك القوت لأوقفها هو ولكنه كان مُملقاً، وبعد وفاته باعها الورثة وتفرقت في عشرات من المكتبات أخص المخطوطات التي تنيف على الألفي مخطوط) .

وقد ضمن السيد شبر هذه الحياة العلمية في أبيات له قرض بها كتب السماوي (عنوان الشرف) و(ظرافة الأحلام) و(الكواكب السماوية) ونشرها في جريدة الهاتف قال فيها:

ألا هكذا فليـكُ المنتجـــونْ   ***   وفي مـثل هذا يـكـون الشغفْ

وهذا الذي يستحق الثـــناء   ***   وعنـوانُه يستــــــحقُ الشرفْ

جديرٌ إذا قيـــــــل بحـــاثة   ***   له بـالكمالِ الـكمـــالُ اعترفْ

له طرَفٌ في أحــــــــاديثهِ   ***   ظـرافتها تـزدري بـــالطرفْ

وإن راحَ يعربُ عن نطقِه   ***   ويروي نوادرَه والنُتـــــــــفْ

لقلتُ هوَ البـــــــــحرُ لكنه   ***   لئاليهِ فاقتْ لئاليْ الصَّــــــدفْ

ومقتطفات له كالهــــــلال   ***   وقُل: ما الهلال وما المقتطفْ

شعره

أحصيَ للسماوي من الشعر في حق أهل البيت (ع) قرابة عشرين ألف بيت غير أن أكثره بقي مخطوطاً, أما ما طبع له فكان حوالي أربعة آلاف بيت دلت على شاعرية كبيرة ونفس شعري ممتاز. وربما كان لولع السماوي في التراث وشغفه بأشعار القدماء أثراً كبيراً على شعره فكان لاستخدامه الألفاظ الفصيحة (جداً) والأسلوب القديم وكتابة التاريخ الشعري للمدن المقدسة السبب الذي جعل الأستاذ علي الخاقاني يؤاخذه على ذلك في شعراء الغري حيث قال:

(أما مؤخذاتنا عليه ــ أي السماوي ــ رحمه الله فقد كان ينتحي القوافي الصعبة فتعوزه السلاسة كما أنه لو أتحفنا بتاريخ النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء نثراً لكان أنفع من نظمه في أرجوزة).

وقد نختلف مع الأستاذ الخاقاني في رأيه, فانتخاب القوافي الصعبة ليس مما يُعاب على الشاعر, ولا مما يُقدح فيه, بل بالعكس فهي إضافة إلى أنها تدل على شاعرية وتمكّن فهي إحياء لتلك القوافي التي عزف عنها أغلب الشعراء إذا استعملها الشاعر بغير تكلف كما فعل السماوي, أما بالنسبة إلى (السلاسة) التي قال الخاقاني إنها تعوز السماوي فهي لا تضاهي قوة شعره وجزالة لفظه وسبك لغته ثم أن لكل شاعر أسلوبه ما دام يؤدي رسالته بمضمون نافع ويعبر عن قضية سامية وكما عرّف ابن جني الهدف من اللغة بالقول: (أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم) فهي وسيلة لقضاء كل ما يحتاج إليه الانسان لنقل خبراته وتراثه العقلي من جيل إلى جيل، ورغم أن اللغة تتطور بتطور الإنسان ولكنها لا تفقد وشائجها بجذورها كما لا يفقد هو ــ الإنسان ــ وشائجه بجذوره.

أما بالنسبة لقوله: (لو اتحفنا ــ أي السماوي ــ بتاريخ النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء نثراً لكان أنفع من نظمه في أرجوزة) فلا أعرف المغزى من قوله (أنفع) إذا كان السماوي قد أرخ لكل حادثة وشخصية وحديث شعراً ووضع لكل ذلك تاريخاً وفصّل كل ما جرى على هذه المدن من أحداث فما الفرق ــ إذا دوَّن كل ذلك ــ بين الشعر والنثر في التزود من المعلومة. 

ولنعد إلى شعر السماوي الذي كان كله في مدائح أهل البيت (ع) ومراثيهم يقول من قصيدة في مدح النبي (ص):

داويتُ قلبــي بثنا المصطفى   ***   عنها فأحياهُ ولولاهُ مــــاتْ

ذريـعةُ الخــلقِ إلى الحقِّ كم   ***   يرونَ هبّاتٍ له في هِبـــاتْ

راقتْ مــعــــــــــاليهِ فآياتُها   ***   تتلو علينا الزبرَ والبيّـــناتْ

زاكــية في مـــدحِ زاكٍ أتى   ***   يدعو إلى اللِه بطيبِ الـزكاةْ

ســما على العـــــالمِ أملاكه   ***   وأنبياه بجليلِ الــــــــــسماتْ

شــرى رضاءَ اللهِ في نفسِهِ   ***   فنالَ كلٌّ مـــــــنهُ أهنى حياةْ

صوَّرهُ الرَّحمـنُ من جوهرٍ   ***   مُنزَّهٍ عن عارضاتِ الشيـاتْ

ضاءَ السنا مـنه على هيكلٍ   ***   قدّسه اللهُ بـــــأسنى الصفـاتْ

طه البشيرُ المــهتدي أحمدٌ   ***   الناصعُ الخالــصُ نعتاً وذاتْ

ظلّ البرايا كهفــها الملتجي   ***   إليهِ أن جـــــاءتْ إليهِ كفاتْ

عزَّ الهدى فيه ولــــولاهُ لم   ***   يكن له في يـــــومِ عزٍّ ثباتْ

فأي معجزة أعظم من القرآن الكريم دلالة على نبوته (ص) ؟ وهي المعجزة الباقية مدى الدهر وهي خاصية لرسول الله (ص) فكل معجزة لنبي تنتهي بموته إلا رسول الله فمعجزته خالدة خلود الدهر هذا فضلاً عن معاجزه الكثيرة في حياته (ص):

فقُلْ لغــــــاوٍ لم يطـعْ قولَه   ***   ليسَ ورا الحقِّ سوى التُّرَّهاتْ

قد جاءَ بــالقرآنِ أعْـظِم بهِ   ***   مِن معجزٍ حيــن تحدَّى الغواةْ

كتابُه المُـــــنزلُ مـن ربِّـه   ***   وقوله الصــــــادعُ بالمحكماتْ

للهِ ما جاء بــــــــــه أحـمدٌ   ***   وللمعــاني الغــــرِّ بالمعجزاتْ

نارٌ خبتْ فيه وماءٌ جـرى   ***   وكــــوكبٌ أهوى وداعٍ أصاتْ

وانشقّ إيوانٌ فأبــــــراجُه   ***   تطايحــــتْ بعد ثباتٍ ثبــــــاتْ

هل بعدَ هذا مُعجز معجز   ***   للمُتحدِّي مــــن جميـــــعِ العتاةْ

يبقى حياة الـدهرِ إعجازُه   ***   ومعجزُ الرســـلِ لحينِ المماتْ

ويقول من قصيدة أخرى في مدح النبي (ص):

ذرني فبالحــــــبِّ صلاحي فإن   ***   زالَ فمدح المصطفى لي صلاحْ

رأس العلا, شامخ طود الحِجى   ***   ظلّ المــــلا, بابُ النجا والنجاحْ

زيَّن وجهَ الدهرِ ميــــــــــــلادُه   ***   وزَاده روحــــــاً وفضلَ ارتياحْ

فدلائل نبوته كانت واضحة ونور النبوة على جبينه وقد بانت معاجزه قبل مبعثه (ص):

سقى بــه اللهُ عطاشى الفلا   ***   وأطعــمَ اللهُ غراثى البطاحْ

شادَ به عرشَ المعالي كما   ***   شَقَّ له إيوانُ كسرى فطاحْ

صــــرَّحَ شقٌّ وسطيحٌ بما   ***   قد رأيــاهُ من خفايا وِضاحْ

وشهد لنبوته (ص) العود والحصى والشجر والقمر:

فأورقَ العودُ له والحـــصى   ***   سَبَّحَ والجــــذعُ بكاهُ وناحْ

قسَّمَ بدرَّ التــــــــــمِّ شقًّا كما   ***   ردَّ عيوناً سائلاتٍ صِحَاحْ

كفَّ أكفَ السوءِ عن يثـربٍ   ***   ووطّدَ الأمــنَ بكلِّ النواحْ

لقد اصطفاه الله وفضله على خلقه وطهره من الرجس ليكون رسولاً بخاتمة الشرائع:

رسولنُا الصـادقُ بالوحي والصَّــــــــــــادعُ بالقولِ وصدقِ الفعـــــالْ

زاكي الورى الآتـي على فترةٍ   ***   من النبييــــــــنَ بحسنِ المقالْ

طه ومن طه عـــــــداكَ النُّهى   ***   ربُّ الجميلِ المنتهي والجمالْ

وله في حق أمير المؤمنين قصائد عديدة منها في رثائه (ع):

أيا وحشة ما وعــــــــــــاها امرئٍ   ***   وآنسَ في الدهرِ ايــــناسَه

تمثّل ليـــــــــــــــــــلةَ غالَ الشقيُّ   ***   بها علمَ القسطِ قســــطاسَه

وأرصدَه في ظــــــــــــلامِ الدّجى   ***   بحيثُ العدى آمنـــتْ بـاسَه

أتــــــــــــــــاهُ وقد اشغلته الصلاة   ***   وأهدأتِ النـــــــفس أنفاسَه

على حين قد عــــــــرّجت روحُه   ***   ولم تــــودعِ الجسم حراسَه

فلو أنه داسَ ذاكَ العريـــــــــــــن   ***   بحيث يرى الليثُ من داسَه

لفرَّ إلى الموتِ من نــــــــــــظرةٍ   ***   وألقى الحســــــامَ وأتراسَـه

ولكنه جــــــــــــــــــــــاءه ساجداً   ***   وقد وهبَ اللهَ إحســــــــاسَه

فقوّى عزيمته واجتـــــــــــــــرى   ***   فشقّ بصـــــــــــارِمِه راسَه

وهدَّ من الـــــــــــــــــدينِ أركانَه   ***   وجذَّ مـــــــن العدلِ أغراسَه

وغيّضَ لـــــــــــــــــــــلعلمِ تيارَه   ***   وأطفأ للحــــــــــــقِّ نبراسَه

فيا طــــــالبَ العلمِ خـب فالكتابْ   ***   قد مزَّقَ الكفرُ قرطــــــــاسَه

ويا وافدَ العرفِ عُدْ بالســـــحابْ   ***   غبَّ وغُيِّــــــــــــبَ رجّـاسَه

ويا رخمَ الطيرِ سُــــــــدْ فالعقابْ   ***   قد مَهّدَ الموتُ أرمـــــــــاسَه

فمَنْ للعــــــــــــــــلومِ يرى فكرَه   ***   ومن للحـــــروبِ يرى باسَه

ومن لليتيـــــــــــــــمِ ومن للعديمِ   ***   يبدّلُ عـــــــــــن ذا وذا ياسَه

قضى المرتضى بعدما قد قـضى   ***   ذمامَ القضا بـــــــالذي ساسَه

قضى حيـــــــدرُ العلمِ فالعالمون   ***   أضاعوا الصوابَ بمـن قاسَه

أعنّي على النــــــوحِ يا صاحبي   ***   فقد جاوزَ الحزنُ مقيــــــاسَه

ألسنا فقدنا إمامَ الـــــــــــــــهدى   ***   وبدرَ الفخـــــــــــارِ ومـقياسَه

أتبكي الاوزّة فــــــــــــي وجههِ   ***   وأصبرُ إن فلقـــــــــــوا رأسَه

وللسماوي في رثاء الإمام الحسين قصائد كثيرة منها:

سبط النبي الهــــادي وبهجته   ***   وثقلـــــــه الأكبر الذي طرَحَه

شاد عمــــــادَ الهُدى وأطلعه   ***   بدراً يُوازي بدرَ السما وضحَه

صرف في دين جدّه فكراً له   ***   وأوحى إلـــــــــى الهدى لمحَه

فالحسين هو الذي أعطى الإسلام أعز ما يملك ليبقى متوهّجا بدمه الطاهر:

ضاقت يد المُسلمين عن رجل   ***   يُقيم للمسلمين منفـــــــــــسحَه

طلابُ حـــــق ركاب مخطرة   ***   حي وجه بالسيــــــفِ منه قحَه

ظلّوا حيـــــارى به فلم يجدوا   ***   سواه يُعطي الإسلام ما اقترحه

عاذ به خــــــــــــــــائفاً فآمنه   ***   مُستميـــــــــــــــــحاً فبثّه منحَه

غدا يشيـــــدُ الهدى ويرفع ما   ***   كان أبـــــــــــوهُ النبيُّ قد فتحَه

وبه (ع) ظهرت الحقائق وافتضح الكفر والنفاق الأموي:

ماز الهـــدى وانجـلت حقائقه   ***   وعُدنَ سبــــلُ الإسلامِ مُتّضحَه

نالَ المنى في وقوفـه ومضى   ***   لله ذبحاً فويح مَن ذبـــــــــــحَه

وردَّ ضـــوءَ الكتابِ مُنـتشراً   ***   يجلو على مسمع الهدى فصحَه

هدى به الله مــن أضلَّ هدى   ***   ومن للإسلام صــــــدره شرحَه

يقصِرُ وصفُه الطويـــــل ثناً   ***   فقل بمثنٍ يُقيــــــــــــمُ منسرحَه

ومن قصيدة أخرى في الحسين (ع) يقول:

مـــــا بقعة إلّا تمنَّـــــــــــــــتْ أنّها لكَ مــــــوضعُ

ولسرِّ علمِكَ مدفنٌ   ***   ولطيبِ جسمِكَ مضجعُ

أأبا عـــليٍّ لا يزل   ***   يجري لـــــرزئكَ مدمعُ

ويذوبُ قلبٌ من مصــــــــــابِكَ ذا وتخـــفقُ أضلعُ

والهفتاهُ تقطع الأحــــــــــــــشا وليســـــــــت تقطعُ

ما إن يبرَّدَ إصبـعٌ   ***   تُدمى وســـــــــنٌّ يُقرعُ

كلا ولا اللبّــات تلـــــــــــــدمُ والجبـــــــــاهُ تُبضَّعُ

إنَّ الأسى ذاكَ الأسى   ***   معـــها فماذا نصنعُ

وفي (حسينية) أخرى يقول:

كم طلعةٍ لكَ يا هــــــلالُ محرَّمٍ   ***   قد غَيِّبتْ وجهَ السرورِ بمأتمِ

ما أنتَ إلّا القوس في كبِدِ السَّما   ***   ترمي قلوبَ المسلمين بأسْهُمِ

ذكّرتهمْ يومَ الطـفوفِ وما نسوا   ***   لكـــــنْ تجدَّدَ ذكرُه المتصرَّمِ

ويخوض السماوي ميدان هذه الملحمة شعراً ويصوِّر بعض تفاصيلِها فيقول:

يومٌ بهِ زحـفَ الضلالُ على الهدى   ***   وبهِ تميّزَ جاحدٌ من مســـــــــلمِ

بعثتْ بنــــــــو حربٍ كـتائبَ تقتفي   ***   بكتائبٍ وعرمرماً بــــــعرمرمِ

ونحتْ بها عزمَ ابن حـيدرَ فاستوى   ***   منها يلفُّ مـــــــــــؤخّراً بمقدَّمِ

سدّتْ بها صــــــدرَ الـفـضا فأزالها   ***   منه بصــــاعقةِ الحُسامِ المخذمِ

وأعاضتِ الماءَ الفـــــراتَ بوردِها   ***   فأفاضَها بندى يديهِ وبــــــــالدمِ

كمْ من خميسٍ جالَ فـــــي أوساطِهِ   ***   فدعاهُ ملقىً لليـــــــــــدينِ وللفمِ

قَصَّ الجناحَ له وأنشـــــــــــبَ قلبَه   ***   بمخالبِ البـازي وظفرِ الضيغمِ

تتقصَّفُ الأصلابُ في يـومِ الوغى   ***   ما إن يقولُ: أنـا الحسينُ وينتمي

وتهافتُ الأرواح مثل فــــــــراشِها   ***   دفعــــــــاً ببارقِ سيفِهِ المتضرِّمِ

أترى أمية يومَ قـــــــــادت جيشَها   ***   ظنته يعطيها يدَ المســــــــتســـلمِ

هيهات ما أنفُ الأبيِّ بضــــــارعٍ   ***   للحادثـــاتِ من الخطـــوبِ الهجَّمِ

فقضى بحكمِ حســـــامِه، أجسادَها   ***   لأوابدٍ ، ونفــــــــــــــوسَها لجهنمِ

في فتيةٍ يتلــــــــــــــــــــونه فكأنه   ***   من بينـــــــــــهم قمرٌ يحفُّ بأنجمِ

وقصائد السماوي في رثاء الحسين كثيرة جداً ويحسُّ المطالع لها أنه قد تملكته هذه الفاجعة واستحوذت على أحاسيسه ويتجلى ذلك في كتابه (إبصار العين في أنصار الحسين) الذي تخلل فصوله أبيات في رثاء الحسين وصدره بأبيات جاء فيها:

فاجعةٌ ان أردتُ أكـــــــــــــتبُها   ***   مجمـــــــــــلة دكرة لـمدَّكرِ

جرتْ دمــــــوعي فحالَ حائلها   ***   ما بينَ لحظِ الجفونِ والزبرِ

وقـــــــــــال قلبيَ بُقيا عليَّ فـلا   ***   واللهِ ما قد طبعتُ من حجرِ

بكتْ لها الأرضُ والسماءُ ومـا   ***   بينهما في مدامـــــــــعٍ حُمرِ

وله قصيدة مفجعة في رثاء علي الأكبر (ع) شبيه رسول الله خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً يقول منها:

يا أشبهَ النــاسِ بنفسِ المصطفى   ***   خليقـــــــــةً وخُلقاً ومنطقا

بمن إذا اشـتــاقوا النبيَّ أبصروا   ***   وجهاً له يجلو سناهُ الغَسَقا

ومنها:

يا زهرةَ الدنـــيا على الدنيا العفا   ***   وزهرةُ الأفقِ وليــــتَ أطبقا

ونبعةٌ ريانةٌ مـــــــــــــــن دوحةٍ   ***   بها النبيُّ والوصــــيُّ اعتنقا

فمن نحاكَ بالحسامِ ضـــــــــارباً   ***   جسماً تغذّى بالتقى وما اتقى

وأيّ سيفٍ حزَّ منكَ منحــــــــراً   ***   جرى به دمُ الهـــــدى مُندفقا

وقد كتب السماوي في حق كل الأئمة المعصومين قصائد تضمّنت سيرتهم وفضائلهم وعلمهم وزهدهم وصفاتهم العظيمة يقول في قصيدة مطوّلة في حق الإمام زين العابدين (ع)

سيِّدُ العُبَّـــادِ مصباحُ الهُدى   ***   في المهاوي نورُ عـينِ المُجتلي

شرفٌ جـــازَ المعالي وعلاً   ***   فازَ في نصِّ الكـــــتابِ المُنزلِ

صدعَ اللـــــيلُ بشخصٍ قائمٍ   ***   في محاريبِ الدجــــــى مُبتهلِ

ضـــــــــارعٌ للهِ في وقفتـــهِ   ***   يبتغي العزّةَ في الـمســـــــتقبلِ

طَلَّقَ الدنـــيا ثلاثًا وانثــــنى   ***   لهوى الأخرى بسـوقٍ مشــغلِ

ظلمَ الطـــــالبُ تشبيــــهاً له   ***   عندمـــــــــا يذكـرُه في رجــلِ

علمتْ كل الــــــورى أنَّ به   ***   موضــعُ الشبهِ وضـربُ المثلِ

غاية الفضل ابــــــتداءً عنده   ***   ينتهيها فـــــــي الرعيلِ الأوّلِ

فاضَ في الدنيا نداهُ فاستوى   ***   باطنُ السهلِ وظــــــهرُ الجبلِ

ومنها:

قِفْ على آثـارِهِ واسأل تجدْ   ***   منه ـملءَ السمعِ ملءَ المُقلِ

كم توخّى جمعَها من حازمٍ   ***   فانثنــــــى منها غريقَ البللِ

لم يطقْ يجمـعُ منها بحرَها   ***   فاكـتفـى عن بحرِها بالوَشلِ

ما على مــــادحِه من كلفٍ   ***   إن يجانسْ بينَ تلكَ الخصلِ

ومنها أيضاً

نســـــــــبٌ زاهٍ وفضلٌ زاهرٌ   ***   وهوىً منجٍ وفـــخرٌ منجلِ

ويدٌ بيضــــاءَ في كلِّ الورى   ***   كمْ تجلّتْ في السوادِ المُقبلِ

هيَ راحُ الملتجـي والمرتجي   ***   إن يرمْ عصــــمته أو يسلِ

يبلغُ القـــــــــــــولَ ولا يبلغه   ***   لعلوِّ المــــــرتقـى والمنزلِ

وفي الإمام صاحب الزمان (صلوات الله عليه) يقول:

غبتَ فباتت دلائلُ لكَ لمْ   ***   تكدْ تُري العالمــــينَ معجزَها

فأنتَ للهِ في الملا عدة بالـــــــــــحق لا بــــــــــــد أنْ سينجزَها

قامتْ قناةُ الإسلامِ واعتدلتْ واســـــــتصلب العاجمونَ مغمزَها

كنتَ قوّاماً لـــها فقوّمها   ***   وكنتَ حــــــرزاً لها فأحرزَها

نهاية الرحلة

توفي السماوي في النجف الأشرف سنة (1370ه‍/1950م) قبل خمسة أيام من وفاة العلامة الشيخ جعفر النقدي فكانت أيام مفجعة خسر بها النجف علمين من أعلامه البارزين وقد رثاهما السيد محمد صادق آل بحر العلوم فقال:

قد دهى الكـونَ رنّةٌ وعـويلُ   ***   ورزايا مثــــــــلها ليــسَ يوجـدْ

الآنَ الأنامُ تنـــــدبُ شــجـواً   ***   شهرَ عـاشورِ ســـبطَ طهَ أحمـدْ

الآنَ الأيامُ جاءتْ بــخـطـبٍ   ***   إثرَ خطبٍ فالعيشُ أضحى منكّدْ

أبها قد قضى الحسينُ فأرخ   ***   (أقضى جعـفرٌ بهـا ومـــــحـمدْ)    

محمد طاهر الصفار

 

المرفقات

: محمد طاهر الصفار