الشيخ أحمد الوائلي .. شاعر المنبر ومنبر الشعر

 

رصيد ثر دفيق بالمعطيات الضخام وانجازات فكرية وأدبية كبيرة هي تركة الشيخ أحمد الوائلي (عميد المنبر الحسيني) بعد أن نذر عمره للمنبر الحسيني في رحلة طويلة شاقة قاسى بها كثيراً من الآلام والمشقات والترحّل في البلاد في سبيل عقيدته ودينه.

ثلاثة وعشرون عاماً عاشها في الغربة كابد فيها مرارة البعد عن الأهل والوطن فكان كثيراً ما يلجأ إلى الشعر ليجد متنفسّاً عن همومه وأحزانه, ففضلاً عن معاناة الغربة التي كانت تكوي أضلاعه فقد كان يسمع بين فترة وأخرى برحيل أحد العلماء الأعلام من زعماء الحوزة العلمية الشريفة أو أحد أقرانه ممن كانوا معه في رحلة طلب العلم أو أحد أقربائه أو أصدقائه فتطفح لواعج الحزن على لسانه:

أحبايَ ما أقسى على البعدِ غُربتي   ***   وأعنف وقع الحزنِ مما أصوِّرُ

وبعضُ أحبــــــائي بعيدٌ وبعضهم   ***   يغيّــــبُ في عفرِ الترابِ ويُقبرُ

وهيهات أن أسلو وللموتِ والنوى   ***   معــــاولُ في قلبي تحزُّ وتحفرُ

ورغم هذه المحن التي لازمت حياته فقد كانت حياته كلها عطاء فلم ينحصر إبداعه على الخطابة فمثلما كان خطيباً هادياً ومبلغاً فقد كان شاعراً ملتزماً يرى الشعر رسالة مهمة للتوجيه والتبليغ وليس ترويحاً عن النفس:

أكبرتُ دورَ الشعرِ عمّا صوّروا   ***   وعرفتُ رزءَ الفكرِ في من لم يعوا

فالشعرُ أجــــجَّ ألفَ نارٍ وانبرى   ***   يلوي أنوفَ الظـــــــــالمينَ ويجدعُ

فقدّم قصائد خالدة من عيون الشعر العربي ضمَّها ديوانه الذي احتوى على العديد من الأغراض أهمها مدح أهل البيت (ع) ورثائهم وقد احتل هذا الغرض القسم الأكبر من ديوانه وكان أهم جزء في هذا القسم هو رثائياته المفجعة لسيد الشهداء (ع) والتصوير المؤلم لواقعة الطف.

سيرة تنبض بالعطاء

ولد الشيخ أحمد بن حسون بن سعيد بن حمود الليثي الوائلي النجفي في 17 ربيع الأول يوم مولد الرسول (ص) وقد جرت العادة عند المؤمنين أن يلجأ الآباء إلى القرآن الكريم لاختيار اسم لأبنائهم تيّمناً بكلام الله عز وجل ولما بشر الشيخ حسون ــ والد الشيخ الوائلي ــ بمولوده قرأ المأثور من الدعاء ثم فتح المصحف الشريف فإذا به يطالع الآية الكريمة "ومبشراً برسولٍ من بعدي اسمه أحمد"، فأسماه أحمد وكان ذلك في عام 1928.

كان الشيخ حسون والد الشيخ أحمد الوائلي يعمل بتجارة الحبوب والتمور وكان قد درس في مدارس النجف العلمية فحفظ كثيراً من التاريخ والشعر, كما كان مولعاً بقراءة نهج البلاغة، يعيش مع شروحه ويستغرق مع علومه إلى منتصف الليل, مكبّاً على مطالعته, كما كان ملمّاً بواقعة الطف وأحداثها الدامية وقد كتب في رثاء الإمام الحسين (ع) شعراً باللهجتين الفصحى والعامية وقد ساعدته حالته المادية الجيدة على التفرّغ للمطالعة والحفظ فضلاً عن دروسه ومطالعته, وقد أسهم كخطيب في مقارعة الاحتلال البريطاني في الثورة العراقية الكبرى عام 1920 فكانت له خطب حماسية جهادية ألهبت حماس الثوار.

كما ساعدته حالته المادية الميسورة أيضاً على هجر التجارة والتفرغ للمنبر الحسيني فنشأ ابنه الوائلي نشأة علمية على يد هذا الوالد الفاضل وحذا حذوه في طريقه إلى المنبر.

في السابعة من عمره درس الشيخ أحمد الوائلي عند الكتاتيب وحفظة القرآن الكريم، وبعد تعلّمه القراءة والكتابة وحفظ القرآن دخل الدراسة الابتدائية ثم المتوسطة ثم الكلية ثم دخل كلية الفقه عام 1958 وتخرج منها عام 1962 وحصل على شهادة البكلوريوس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية، ثم حصل على شهادة الماجستير في نفس الاختصاص في معهد الدراسات العليا التابع لجامعة بغداد، وكانت رسالته بعنوان (أحكام السجون بين الشريعة والقانون).

وتابع الوائلي دراسته في مصر حيث درس في كلية دار العلوم جامعة القاهرة ونال منها درجة الدكتوراه عام 1978 عن إطروحته الموسومة (استغلال الأجير وموقف الإسلام منه)، كما درس الاقتصاد في معهد الدراسات العليا التابع لجامعة الدول العربية خلال فترة وجوده في القاهرة أيام إعداده لأطروحة الدكتوراه.

كان الوائلي (رحمه الله) شعلة متوقدة بالعلم أثرى المكتبة الإسلامية والعربية ــ فضلاً عن ديوانه ــ بالعديد من المؤلفات العلمية والعقائدية كانت مخاض دراسته وتحقيقه أضافة إلى رسالتيه اللتين حاز بهما على درجتي الماجستير والدكتوراه واللتين ذكرناهما آنفاً. فقد ألف في مواضيع عدة تستشف مضامينها من عناوينها ومن كتبه: (من فقه الجنس في قنواته المذهبية), و(هوية التشيع)، و(تجاربي مع المنبر). فضلاً عن العديد من البحوث منها: (التنوع الحضاري لمدينة النجف الأشرف) و(الإمام الخوئي علامة بارزة في آفاقنا العلمية) وغيرها, وللوائلي كذلك من المؤلفات المخطوطة: (الأوليات في حياة الإمام علي (ع) و(جمعيات حماية الحيوان في الشريعة الاسلامية) و(الخلفية الحضارية لموقع النجف قبل الإسلام) و(منتجع الغيث في الصحابة والأعلام من بني ليث).

ولم تقتصر دراسة الوائلي على العلوم الحوزوية كالفقه والأصول والمنطق والعربية وعلومها وآدابها والتي تميّزت بها حوزات النجف الأشرف العلمية، بل درس الحديث والتفسير وعلوم القرآن والفلسفة والفلك والرياضيات، وبهذا التنوّع المعرفي المنسجم استطاع الوائلي ان يؤسس منبراً متجدداً استقطب كثيراً من الشرائح العلمية والأدبية.

رحلة الشعر

أما رحلته مع الشعر فقد بدأت مبكراً فقد كان للبيئة النجفية أثراً كبيراً على صقل مواهبه فنشأ شاعراً على طراز شعراء النجف الكبار، كما شكّل المحيط النجفي الخصب عاملاً مهماً في نمو قريحته فأخذ يعبُّ الشعر في مجالس النجف ومنتدياتها ثم بدأ يقرأ ويحفظ لمجموعة من الشعراء المتقدمين بدءاً بالشعر الجاهلي والشعراء الكبار في العصور اللاحقة، فحفظ للمتنبي والشريف الرضي والبحتري وأبي تمام ومهيار الديلمي والفرزدق والكميت وجرير ودعبل الخزاعي وغيرهم كما قرأ الترجمات لدواوين عمر الخيام وسعدي الشيرازي وقرأ للشعراء المعاصرين العرب والعراقيين وتأثر كثيراً بشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري.

وكان لتفاعله مع الوسط الأدبي النجفي أثراً بارزاً في العاطفة المتدفقة في شعره وبخاصة قصائده الباكية المبكية في ذكرى واقعة الطف وذكر المصائب والرزايا التي جرت على آل الرسول في كربلاء ففي قصيدته (حديث الجراح) يرى الشاعر أن التضحية بالدماء هي سبيل الإنتصار وهي فتح جليل وهي التي تُنبت العُشب وهي الطريق اللاحب إلى الحرية:

الجراحـــــــــاتُ والدمُ المطلولُ   ***   أينعت فالزمـانُ منها خميلُ

ومضتْ تنشئُ الفتوحَ وبعضُ الــــــــــــــدمِّ فيما يعـطيـــه فتحٌ جليلُ

والدمُ الحرُّ مـــــــاردُ ينبئ الأحـــــــــــــــرارَ والثـائرين هذا السبيل

وحديثُ الجـــراحِ مجدٌ وأسمى   ***   سِيَرُ المجدِ ماروته النصولُ

ثم عذراً إن تــــهتُ يا دم يا جــــــــــــــرح فقد أسكرَ البيانَ الشمولُ

ويحق لأرض الطف أن تزدهي بسيد الشهداء (ع) والثلة من أصحابه وأهل بيته الذين خلدوها بأروع ملحمة في التاريخ جسدت صراع الحق مع الباطل وانتصار الدم على السيف:

يا أبا الـطفِّ وازدهى بالضحايا   ***   من أديمِ الطفوفِ روضٌ خضيلُ

والشبــابُ الفينانُ جفّ فغاضتْ   ***   نبعةٌ حــــــــــــــلوةٌ ووجهٌ جميلُ

وتأمَّـــــــلتُ في وجوهِ الضحايا   ***   وزواكي الدمـــــــــاءِ منها تسيلُ

ومشتْ في شفاهِـكَ الغرِّ نجوى   ***   نَمَّ عنهـــــــــــا التسبيـحُ والتهليلُ

لك عتبى يا رب إن كان يرضيـــــــــــــكَ فهذا إلى رضـــــــــــــاكَ قليلُ

استنشق الوائلي من هذه الروح الثورية والمنهج الجهادي الخالد الذي اختطّه الإمام الحسين (ع) في نهضته الاصلاحية عبق الإباء واستلهم منها عظمة التضحية فراح يتغنّى بها في كل قصائده (الحسينية) حتى عُدّت السمة البارزة فيها ففي قصيدته (مولد الحسين) يخاطب تلك الروح الكبيرة:

أرى كل من يحيـا يموتُ ويستوي   ***   على مسرحِ الدنيا مغيبٌ ومطلعُ

وأنتَ حيـاةٌ لا تـموت على المدى   ***   توالــــــد في خلقٍ وتنشي وتبدعُ

أبا الثورةِ الكبـرى صليلُ سيوفِها   ***   نشيـــــــــــدٌ بأبعادِ الخلودِ مرجّعُ

أبا الشــــــــــهداءِ الواهبين تحيةً   ***   إلى هبةٍ مـن غُـرَّةِ الشمسِ أنصعُ

وإنَّ مناراً مــــــــن دماءٍ رفعته   ***   ليهدي طــــريقَ السالكينَ مُشعشِعُ

وفي قصيدته (رسالة للحسين) يلتفت الوائلي بقلبه إلى كربلاء وهو في الشام عند مرقد السيدة زينب بنت أمير المؤمنين (ع) بعد أن تعذّر عليه زيارة الحسين (ع) فيصوِّر مشاعره التي يمتزج بها الحزن العميق بألم الغربة والبعد عن قبر الحسين (ع) ثم يبلغ الحزن ذراه في المقطع الأخير ليطلق هذه النفثة مخاطبا البقعة التي سجلت سفر الخلود:

ويا كربلا يا هديــرَ الجراح   ***   وزهوَ الدمِ الــعلويِّ الأبي

ويا ســفرَ مـلحمــةِ الخالدين   ***   بغيرِ البطــــــولةِ لم يُكتبِ

ويا شفــــــــةً بنــشيدِ الدماءِ   ***   تغرِّدُ عبرَ المـدى الأرحبِ

ويا عبقاً في ثـــرى العلقمي   ***   يشدُّ الأنــوفَ إلـى الأطيبِ

ويا صرحَ مجدٍ بناهُ الحُسين   ***   وأبدعَ في رصفهِ المعجبِ

يشيَّدُ من جبهةٍ أدميـــــــــتْ   ***   وخَدٍّ بعــــفرِ الثرى مُتربِ

سيبقى الحسينُ شعاراً علـى   ***   أصيلِــــكِ والشفقِ المذهبِ

إن الوائلي هنا يغمس قلمه بالدم ليكتب عن أبي الإباء (ع) الذي أسرج بدمائه ضياءً ينير طريق الأجيال نحو الحرية والكرامة في ثورته المعطاء التي غرزت في دم الشاعر معنى البطولة وزرعت في أوصاله فحوى الإباء:

يا حسيــناً يامن شدوتُ به صبحاً   ***   وناديتُـه بوجــــــــدي مساءا

لك منـــــــــــــي رسالةٌ من أنينٍ   ***   في تضاعيفِهِ سكَبتُ الرجاءا

وأنادي يا من نفضت الضـــحايا   ***   سلّم المجدِ ســــــــادةً شهداءا

إن أجواءنا ظلامٌ فــــــــــــعـلّمنا   ***   بأن نســــــرجَ الدماءَ ضياءا

وتقبّل مـــــــــــــنَّا مواسمَ قامتْ   ***   لتواسي الأئمــــــة الأصفياءا

وأعدنا للصــــــــاعدات وألهمنا   ***   بأن نحملَ الحسيــــــــنَ لواءا

ويبقى دويُّ دماء عاشوراء يزعق بكل طاغية فالصوت الذي قال (لا) ليزيد لن يموت مهما تقادمت الليالي والأيام وستبقى الدماء غضّة طرية ترعب الطغاة وهي تبدع وتجود بالعطاء والثورات:

يا دماً شــــــــابت الليالي عليه   ***   وهو للآن في الرمالِ جديدُ

يحمل الطـفّ والحسين حساماً   ***   كلما مـــــــرَّ بالوجودِ يزيدُ

واذا غُـــــــرسَ الخنوعُ بجيلٍ   ***   وانحــــــنى منه للمذلّةِ جيدُ

صاحَ بالرملِ من صداهُ دويٌّ   ***   فإذا الرمــــلُ فارسٌ صنديدُ

هكذا أنت كـــــلّما افتقرَ الجيـــــــــــــــلُ لعزمٍ فمن دماكَ الرصيدُ

إن دنيــــــــا الخنوع للحُرِّ سمٌ   ***   وهيَ للخانعين عيشٌ رغيدُ

وهكذا يتعانق إيمان الوائلي بالحسين ومشاعره المتدفقة فينفث مع كلماته شيئاً من روحه فكانت الحصيلة أبلغ وأعمق من العطاء الأدبي والفني، لقد حمل الوائلي حب الحسين ربيعاً بين جوانحه وكتاباً يعكف عليه أينما حلّ وارتحل:

سيدي يا غذاءَ روحي ويا نبعاً سخياً يؤمُّــــــــــــه الظمآنُ

يا ربيعاً حمـــــــلته بين أضلاعي فعندي من خصبِهِ أفنانُ

يا كتـــــــــاباً ضخماً عكفت عليه فبروحي من قدسِهِ قرآنُ

أنتَ كونٌ أعلى فحلّق فكرٌ بين أبعـــــــــــــادِهِ وجلا لسانُ

سيدي إنني وإن شطّت الدارُ وغابت عن ناظري الأوطانُ

ذلك القلبُ ذائبٌ برمالِ الطـــــــــــفِّ صبٌّ بعفرِها هيمانُ

سحرتني فيك العزيمةُ والــــموقفُ والروحُ صلبةٌ والجنانُ

والذي عاشَ بالمشـــــــــــاعرِ لا يـبعدُ مهما تباعدَ الأبدانُ

لقد عشق أحمد الوائلي الحسين (ع) فخلد اسمه بهذا العشق واقترن به, فحينما يكون الشاعر خطيباً والخطيب شاعراً يتوحّد في الكلمة صدق التعبير وصدق الفن ويتألق نجمه أكثر في سماء الحسين (ع).

فلم يزل الوائلي يزداد تألقاً بذكر الحسين حتى خبا ألق هذا النجم في مدينة الكاظمية المقدسة يوم الأثنين 14 جمادي الثاني 1424هـ/ 14 تموز 2003 وحمل جثمانه الطاهر في يوم الثلاثاء إلى كربلاء ثم منها إلى النجف الأشرف ودفن في صحن العبد الصالح كميل بن زياد (رضوان الله عليه) وكان قد عاد من مهجره (دمشق) إلى العراق بعد سقوط النظام البائد حيث لم يلبث في العراق سوى عشرة أيام.

محمد طاهر الصفار

                     

المرفقات

: محمد طاهر الصفار