أسباب نجاح الإعلام الزينبي في واقعة عاشوراء

 

رغم كلّ الجهود المبذولة في سبيل إسكات صوت الحق من قبل أعداء أهل البيت(عليهم السلام)، فإنّ واقعة عاشوراء تميّزت بنجاح إعلامي منقطع النظير، فلم تلقَ نهضةٌ إصلاحية وواقعةٌ مأساوية من الاهتمام الإعلامي مثلما لاقته نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) في واقعة عاشوراء، وها هي تتسع يوماً بعد يوم، ويتنامى صداها ليصل إلى أرجاء المعمورة، وقد ملأ ذكرها الخافقين.

أُريد لهذه الواقعة أن تتلاشى خلف مظاهر الفرح والابتهاج السفياني في الشام، وتذوب تحت تأثير الإعلام الأُموي المسموم، لكن هيهات! فالله سبحانه يقول: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّـهُ وَاللَّـهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)([57])، (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّـهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)([58]) . وقد هيّأت الحكمة الإلهية كلّ أسباب حفظ الرسالة الحسينية وخلودها، والتي من أبرزها الدور الإعلامي لـحَرم الإمام الحسين(عليه السلام).

وبما أنّ العملية الإعلامية هي فكرة ومنهج، فهي تستند إلى قواعد أساسية تشكّل حجرها الأساس، ويتحدد ـ تبعاً لقوّتها وضعفها ـ نجاح أو فشل عملية الاتصال الإعلامي والإقناع بالفكرة.

يُبيّن الشهيد المطهري أهم عوامل وأسباب نجاح المهمّة الإعلامية، من خلال توفّر الوسائل المناسبة لها، ويلخّصها بأربع وسائل، هي:

«أ ـ ماهية الرسالة.

ب ـ الظروف المحيطة.

ج ـ شخصية المصدر وأهليته.

د ـ وسيلة الاتصال والأساليب المتَّبعة في إيصال الرسالة»([59]).

وهذه العوامل قد تجلّت بوضوح في الدور الإعلامي للعقيلة(سلام الله عليها) في واقعة عاشوراء، ممّا ضمن هذا النجاح الباهر والمميّز على صعيد الإعلام والتبليغ لمبادئ النهضة الحسينية في عاشوراء. وسنسلّط الأضواء على كلّ واحد من هذه الوسائل؛ لنرى مدى توفّرها في دور العقيلة زينب(سلام الله عليها).

1ـ ماهية الرسالة الإعلامية للعقيلة(سلام الله عليها) في عاشوراء

«الثابت في الدراسات أنّ الرسالة هي العمود الفقري للعملية الإعلامية»([60])، وأنّ نجاح أيّ عملية إعلامية في الإقناع والتغيير، إنّما يتوقف بالأساس على نوع ومضمون الرسالة ومحتواها وهدفها.

يرى الشهيد المطهري أنّ أوّل شروط نجاح الرسالة الإعلامية هو عقلانيتها، وقوة ومتانة محتواها، ومدى إيفائها بحاجات الجماهير الفكرية والعاطفية والاجتماعية والمادية، فالرسالة الإعلامية الناجحة هي تلك الرسالة القائمة على القوانين المنطقية، بحيث تتناغم مع العقل والمنطق البشري([61]).

 فكلّما كانت الرسالة التي يحملها الإعلامي سامية ومنبثقة من القيم والمبادئ الإنسانية السامية، كانت فرص نجاحها ونضوج ثمراتها أوفر، وكان لطبيعة الرسالة التي حملتها زينب(سلام الله عليها) إلى الناس التأثير الأبرز في نجاح العملية الإعلامية في نهضة عاشوراء.

 فالعقيلة زينب(سلام الله عليها) قدِمت إلى العراق مع أخيها الحسين(عليه السلام) في موكب الشهادة والفداء؛ لأداء تكليف شرعي، وهي تحمل معها رسالة خطيرة ومقدّسة، رسالة قد كرّس النبي محمد(صلى الله عليه وآله) عمره لإيصالها إلى البشرية جمعاء، أَلا وهي رسالة الإسلام الحنيف ومبادئه، وقد واصل أهل بيته الأطهار من بعده السعي لتحقيق الهدف نفسه، إلى أن جاء دور الإمام الشهيد أبي عبد الله(عليه السلام)، فقرر أن لا وسيلة لحفظ هذا الدين إلّا من خلال المواجهة العلنية والتصدي المباشر للطغيان والانحراف الأُموي، وإنْ كلّفه ذلك حياته وسبي عائلته، فقال(عليه السلام): «شاء الله أن يراهن سبايا»([62])، وأخبره رسول الله(صلى الله عليه وآله) «يا حسين، اُخرج فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً»([63]). فأعلن بذلك أنّ حضور النساء بقيادة العقيلة زينب(سلام الله عليها) إرادة إلهيّة. فرسالة العقيلة زينب(سلام الله عليها) رسالة إلهية مقدّسة، قد سبقت الواقعة إلى قلوب المسلمين وعواطفهم منذ (58) عاماً تقريباً، فهي عندهم معروفة ومألوفة بسبب الدور الإعلامي للرسول(صلى الله عليه وآله) ولآل البيت(عليهم السلام) من بعده؛ إذ إنّهم قد عبّـأوا الأُمّة إعلامياً، ومهّدوا الطريق لنهضة الحسين(عليه السلام) في عاشوراء تمهيداً كاملاً.

 وقد حاول الإعلام الأُموي التعتيم على هوية أهل البيت(عليهم السلام) والتشويش على الوعي الجماعي للأُمّة، غير أنّ موكب السبايا بقيادة العقيلة زينب(سلام الله عليها)، استطاع إحباط هذا التأثير السّام للإعلام الأُموي، من خلال رسالة إعلامية تتمتع بالمنطق وسمو الهدف.

 لذا؛ فقد حوت الرسالة الإعلامية التي حملتها العقيلة زينب(سلام الله عليها)، كلّ أسباب الإقناع الجماهيري والظروف المساعدة؛ وذلك بسبب التمهيد الإعلامي الذي تكفّل به أهل البيت(عليهم السلام) بقيادة الرسول(سلام الله عليها) من قبل، فهي رسالة قائمة على الثوابت ومحفوفة بالشواهد والقرائن، وهذه من أهم العوامل والأسباب التي تُحدّد نجاح العملية الإعلامية، «فكلّما كانت الرسالة الاتصالية قريبة من الحق في مضمونها، ملتزمة به في شواهدها، كلّما كانت مُلبّية لحاجات الناس المادية والمعنوية... وتزداد أهمّيتها كلّما كان مضمونها قائماً على الحقائق الثابتة، والأخبار الصحيحة، والمعلومات السليمة، والأحكام السديدة»([64])؛ لذا فالنهضة الحسينية بذاتها هي العامل الأبرز في نجاح الدور الإعلامي للعقيلة زينب(سلام الله عليها) في عاشوراء.

2ـ الظروف المحيطة بالرسالة الإعلامية للعقيلة زينب(سلام الله عليها) في الواقعة

إنّ الظروف التي كانت تُحيط بالرسالة الإعلامية للعقيلة زينب(سلام الله عليها)، كانت ظروفاً استثنائية وغريبة، فمن جهة كانت الرزايا والمصائب تُحيط بموكب السبايا، فكان أهل البيت(عليهم السلام) يعيشون أصعب وأشدّ الظروف، وكانوا يواجهون أشدّ الصعوبات وأقسى التحديات، ومن جهة أُخرى فإنّ الأجواء المحيطة كانت مشحونة بالخوف والترقّب، وقد عمّ الناس الذعر والرهبة. جاء في كتاب (تاريخ الخلفاء): «لمّا قُتل الحسين(عليه السلام) مكثت الدنيا سبعة أيام، والشمس على الحيطان كالملاحف المصفّرة، والكواكب يضـرب بعضها بعضاً، وكان قتله يوم عاشوراء، وكُسفت الشمس ذلك اليوم، واحمرّت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله، ثمّ لا زالت الحمرة تُرى فيها بعد ذلك، ولم تكن تُرى فيها قبله، وقيل: إنّه لم يُقلب حجر بيت المقدس يومئذٍ إلّا وُجِد تحته دم عبيط...»([65]).

ومن جهة ثالثة، فإنّ لعاشوراء في قلوب المسلمين مكانة، قد استودعوها في عمق الذاكرة، واحتفظوا بها في الوجدان، فإنّ عاشوراء تتمتع بعمق عاطفي مخزون في ضمير الأُمّة، قد أوجده الأُسلوب الإعلامي المؤثِّر من قِبل النبي(صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو الأُسلوب العملي التطبيقي، من إظهار علامات الحزن والبكاء، والتأثُّر العملي والحقيقي بالفاجعة، وهذا النوع من الإعلام يبقى في ذاكرة الجماهير والأُمّة مهما طالت السنون وامتدّ الزمن، فكانت الظروف المحيطة بالرسالة الإعلامية للسيّدة زينب(سلام الله عليها) مساعدة جداً في عملية إقناع المتلقّين والمخاطبين، وأحسنت العقيلة(سلام الله عليها) توظيف الظروف لصالح رسالتها الإعلامية؛ إذ كانت تبادر إلى بثّ رسالتها في الزمان والمكان المناسبين، وهذا ما سيتضح لنا فيما يلي من مطالب إن شاء الله.

3ـ شخصية العقيلة زينب(سلام الله عليها)

إنّ لشخصيّة العقيلة زينب(سلام الله عليها) التأثير البارز في نجاح الدور الإعلامي الذي قامت به في إيصال مبادئ النهضة الحسينية إلى الناس، ومن ثَمّ خلود الواقعة إلى يومنا هذا؛ إذ إنّ للعقيلة زينب خصلتين أساسيتين ـ مكّنتاها من القيام بكلّ هذه الإنجازات، وهي تحمل كلّ تلك المصائب العظيمة ـ هما: كمال اعتقادها بالله واليوم الآخر، وعظيم مقامها، فهي كأبيها وأُمّها وأخويها(عليهم السلام)([66]).

وقد أثبتت الدراسات أنّ لشخصية حامل الرسالة في عملية الاتصال الإعلامي الدور البارز في نجاح العملية الإعلامية، وقد عدّه بعضٌ الأصل الأوّل من أُصول الإقناع في العملية الإعلامية؛ لما يمتلكه من دور حيوي وأهمية بالغة، « فهو المصدر الذي يعمل على إنتاج رسالة إعلامية، محمَّلة بالمعاني والأفكار، ويوجهها عبر وسيلة أو شكل من أشكال الاتصال»([67]).

وشخصية القائم بالاتصال في العملية الإعلامية محورٌ هام، تدور حوله عدّة جوانب حيوية في عملية الاتصال، ومن هذه الجوانب: ثقته بنفسه وبرسالته، ثقة الجماهير بالمصدر القائم بالاتصال الإعلامي، مقدرته على الإقناع وجذب الانتباه.

وإنّ من أبرز مقوّمات النجاح الإعلامي في شخصية السيّدة زينب(عليها السلام)، هي:

أـ إيمان العقيلة زينب وثقتها برسالتها

 تميّزت العقيلة زينب(سلام الله عليها) بمميّزات شخصية وعناصر نفسية، قد مكّنتها من القيام بدورها الرسالي في إعلام الناس بحقيقة الموقف وماهية الواقعة بنجاح، واللافت في الأمر أنّ هذه العناصر والمميّزات والنجاح المبهر الذي حققته في مجال الإعلام والتأثير على الرأي العام، كانت من قَبيل العلوم الفطرية والمَلَكات للعقيلة(سلام الله عليها)، فلم تحضـر دروساً في الإعلام، ولم تتلقَ أُصولاً إعلامية من مدرسة أو جامعة أبداً، كما أنّ العقيلة زينب(سلام الله عليها) من أكثر الناس علماً ومعرفة بأخيها الإمام الحسين(عليه السلام) وبأهداف نهضته، وأشدّهم اطلاعاً على خطورة موقفه، فهي تعلم أنّه قد خُيّر بين أن يحافظ على استقامة دين جدّه ويُقتل وتسبى حريمه، وبين أن يبقى على قيد الحياة مقابل التنازل عن قيمه ومبادئه؛ لذا فالعقيلة زينب(سلام الله عليها) على ثقة ويقين تامّين بسمو الهدف الذي تخرج برفقة أخيها من أجله؛ وهذا هو سبب صبرها وصمودها ونجاحها في تغيير المناخ الإعلامي الذي كان سائداً منذ سنوات.

فعلم المصدر القائم على عملية الاتصال وثقته بقضيته يُعدَّان من الأُمور الأساسية في نجاح العملية الإعلامية([68]).

فكلّ الشواهد التاريخية تُشير إلى أنّ شخصية العقيلة زينب(سلام الله عليها) كانت تتمتع بصلابة وقوة، ورباطة جأش، يفتقر لها حتى الرجال، فمَن يكون في موقف العقيلة زينب(سلام الله عليها)، وهي لم تزل مفجوعة بأعزّ الناس على قلبها، إمامها وسيّدها وأخيها الإمام الحسين(عليه السلام)، ومصابها بمقتل ولديها ورؤيتهم مقطّعين على الرمضاء، فلو كان أيّ شخص آخر غيرها لما أمكنه أن يقف تلك الوقفة الشامخة التي وقفتها في مجلس ابن زياد؛ إذ أخذ ينكأ الجراح ويُمعن في إيذائها(سلام الله عليها) بتهكماته، وهو يسألها كيف رأيت صنع الله بأخيك؟ فأجابته بجواب العارف بالله الذائب في حبّ الله: «ما رأيت إلّا جميلاً»([69]).

فهي العالمة بالفطرة، والفهمة التي لم تتلقَّ التفهيم والتعليم من خلال دروس ومعلّمين؛ بشهادة حجة الله في أرضه وإمام المسلمين الإمام زين العابدين(عليه السلام)، عندما قال لها بعدما خطبت في أهل الكوفة: «يا عمّة، اسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبار، وأنت بحمد الله عالمة غير معلَّمَة، وفهمة غير مفهَّمة»([70]).

ب ـ كمال العقيلة زينب(سلام الله عليها) وجلالة قدرها

واللافت في دورها(سلام الله عليها) في المجال الإعلامي في واقعة عاشوراء، هو تماسكها وإصرارها على هيبتها وسؤددها، واحتفاظها بكرامتها وجلالة قدرها، بالرغم من أنّها تقف في موقف تعجز الجبال عن التماسك أمامه، وبالرغم من أنّها أدّت دوراً يعجز القلم عن وصفه، وقاومت مقاومة الأبطال،، وكانت محافظة بقوة وإصرار على هيبتها وجلالة قدرها، وكانت الرحمة والرقة والعاطفة لا تفارقها وهي تحتضن اليتامى، فكانت متمسّكة بمبادئ رسالتها، وذلك تجلّى بوضوح في موقفها في مجلس ابن زياد عندما وصفها بقوله: «هذه سجّاعة، ولعمري، لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً. فقالت(سلام الله عليها): ما للمرأة والسجاعة! إن لي عن السجاعة لشغلاً، ولكن صدري نفث بما قلت»([71]). فأكّدت على أن ما نطقت به من كلام بليغ هو منبثق من فطرتها، فلم تكن في مثل هذا الموقف لتتكلّف السجع، أو تصطنع البلاغة.

وفي قولها هذا إيحاء لكلّ امرأة إعلامية مسلمة، ومهما كانت خطورة الرسالة التي تحملها، بأن عليها أن تنطلق في أداء رسالتها الإعلامية من مبادئ الدين الحنيف، الذي يحفظ للمرأة قدرها وكرامتها، وأن تكون غيورة على الدين، فيكون الدين ومبادؤه هو المقدّم على أولوياتها، لا السبق الإعلامي والصحفي، وأن تبقى محافظة على أُنوثتها، فلا تتشبه بالرجال ولا تتنصّل عن جوهرها المتمثّل بالرقة والعطف والرحمة، وأن تكون غيورة على عرضها وناموسها، كما كانت العقيلة زينب(سلام الله عليها) قمّة في العفة والوقار والاتزان، بينما كانت تغمرها الرزايا والنوائب، وتعيش في قمّة المصائب والمحن، والتزمت بحجابها ووقارها، وهي تؤدّي الرسالة الإعلامية في واقعة عاشوراء، وهي في غمرة المصائب والمحن، فقد قال الراوي: «ونظرتُ إلى زينب بنت علي يومئذٍ ولم أرَ خفرة ـ والله ـ أنطق منها»([72]). وتُشير الروايات التاريخية إلى أنّها(سلام الله عليها) كانت جالسة في مجلس ابن زياد، وهي متنكّرة وعليها أرذل ثيابها([73])؛ كي لا تُعرف ولا تُهان كرامتها.

فلقد كملت العقيلة زينب(سلام الله عليها) بكمال معرفتها بالله ربها، وتجلّت فضائلها ومناقبها برضاها لرضا الله تعالى واحتسابها، فلم تجزع ولم تضعف ولم تهن، فهي بنت أكمل نساء العالمين، وحفيدة خير خلق الله أجمعين.

ومن كمالها ما ظهر من كمال معرفتها بالله والرضا والتسليم لرضاه، عندما رفعت جسد أخيها الطاهر وهو مقطع إرباً إرباً إلى السماء، قائلة: «... اللهمّ تقبل منّا هذا القربان»([74]).

ج ـ مكانة العقيلة زينب(سلام الله عليها) وثقة الأُمّة بها

كانت العقيلة زينب(سلام الله عليها) من أشرف نساء عصرها وأشدّهن وثاقة بين الناس، خصوصاً بين أهل الكوفة، الذين عاشت في ديارهم مع زوجها وأبيها وعائلتها لمدّة أربع سنوات تقريباً، ويذكر المؤرخون أنّها أقامت للنساء في الكوفة حلقات العلم، وفسّرت لهن القرآن([75])، فكان لكلام العقيلة زينب(سلام الله عليها) وقع عظيم؛ من هنا كانت(سلام الله عليها) أوّل مَن خطب من أهل البيت بعد الواقعة مباشرةً، إذ هيّأت أسماع المتلقّين وعقولهم وقلوبهم لتلقّي خطبة الإمام السجاد(عليه السلام)، وما تلاها من خطب وكلمات؛ لذا فإنّ تأثر أهل الكوفة لم يكن مستغرباً وهم يسمعون كلامها(سلام الله عليها)، فهم على ثقة كبيرة بها وبصدقها، وعلى معرفة تامّة بمقامها ومنزلتها عند الله ورسوله(سلام الله عليها)، حتى أنّهم ظلوا بعد كلامها وخطبتها حيارى لا يدرون ما يفعلون، فقد جاء في كتب التاريخ عن الراوي الذي يروي خطبة العقيلة زينب(سلام الله عليها) في الكوفة: «فو الله، لقد رأيتُ الناس يومئذٍ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيتُ شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتى اخضلّت لحيته وهو يقول: بأبي أنتم وأُمّي، كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء، ونسلكم خير نسل، لا يخزى ولا يُبزى»([76]).

العقيلة زينب(سلام الله عليها) ـ وهي حفيدة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وابنة سيّد الوصيين(عليه السلام)، وأُمّها سيّدة نساء العالمين(سلام الله عليها) ـ تتمتع بقدرة فائقة على الإقناع؛ بسبب انتمائها إلى هذا البيت الطاهر. يقول ابن حجر العسقلاني: «زينب بنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمية، سبطة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، أُمّها فاطمة الزهراء... وُلِدَت في حياة النبي(صلّى الله عليه وسلّم)، وكانت عاقلة لبيبة جزلة... وكلامها ليزيد بن معاوية حين طلب الشامي أُختها فاطمة مشهور؛ يدل على عقل وقوّة جَنان»([77])؛ كما أنّ مكانة العقيلة زينب(سلام الله عليها) وفضلها تأتي بعد مكانة أُمّها الزهراء(سلام الله عليها) فضلاً وكرامةً وشرفاً.

د ـ قدرة العقيلة زينب(سلام الله عليها) على الإقناع

استطاعت السيّدة زينب(سلام الله عليها) أن تخاطب كلّ جمهور بأُسلوب يتناسب معه، ويضمن وصول الرسالة الإعلامية التي تحملها لهم، فكانت أُنموذجاً راقياً للشخص الواثق بربّه، والإعلامي الواثق بقضيّته، وكانت تنطلق في كلماتها وخُطبها من قواعد رصينة وأُصول ثابتة، فكان كلّ مَن يسمع كلامها يتأثر به ويقتنع بمضامينه.

ولقد تجلّت كراماتها عندما أرادت أن تخطب وسط الكوفة، حيث كان الناس يتجمهرون لرؤية موكب السبايا والرؤوس المقطوعة، وبمجرد إيماءة منها(سلام الله عليها) وإذا بالسكوت يُخيّم على كلّ تلك الجماهير الغفيرة، فلم تعد تسمع رنة جرس ولا صوت نَفَس. يقول الراوي: «فأومأت إلى الناس أن اسكتوا، فسكنت الأنفاس، وهدأت الأجراس»([78]).

4 ـ أساليب العقيلة(سلام الله عليها) في إيصال رسالتها

لقد استعملت العقيلة زينب(سلام الله عليها) ـ في دورها الإعلامي ـ أهم وسيلة إعلامية، أَلا وهي: (الاتصال الجماهيري من خلال الخُطبة)، فالخُطبة هي الوسيلة الإعلامية الأكثر نجاحاً وتأثيراً في تغيير الرأي العام، «لقد أظهرت التجارب العملية والميدانية أنّ الاتصال المواجهي الطبيعي والتلقائي، أكثر مقدرة على الإقناع من أشكال الاتصال الأُخرى... كما تؤكّد الدراسات الإعلامية الحديثة فاعلية الاتصال الخطابي الذي استخدمه الرسول(صلى الله عليه وآله) في تبليغ رسالات ربّه، واستخدمته الحضارة الإسلامية في الإعلام»([79]).

فالخُطبة تتيح للبُعد الإنساني المتمثّل بكلٍّ من (المصدر، والمتلقي) الاتصال المباشر، الذي يتمكّن فيه كلّ منهما من امتلاك الفرصة الأكبر في التفاعل والتواصل الحي والمباشر. وقد اعتمد النبي الأكرم(سلام الله عليها) وأهل البيت(عليهم السلام) من بعده أُسلوب الخطابة في الدعوة والتغيير والإصلاح، وتميّزوا بالقدرات الفائقة في هذا الميدان.

 ولقد جاء في تعريف الخُطبة أنّها: «فنُّ مشافهة الجمهور وإقناعه واستمالته»([80]).

وللخُطبة في المجال الإعلامي أهمّية كبيرة تظهر في منفعتين أساسيتين، هما:

الأُولى: بث الأخلاق الحسنة من خلال السيطرة على عواطف الجمهور، وتسخير العقل الجماعي للحضور.

الثانية: إقناع أكبر قدر من المتلقّين من خلال الاعتماد على المسلّمات والمشهورات([81]).

 وتظهر الحاجة ملحّة لخطيب بارع وقدير، كلّما مرّت الشعوب والأُمم في مراحل مفصلية يتحدد فيها المصير، وقد استعملت العقيلة(سلام الله عليها) وسيلة الاتصال المواجهي المباشر في إيصال رسالتها الإعلامية، وهي (الخُطبة)، وقد أحسنت(سلام الله عليها) توظيفها والاستفادة من منافعها إلى الدرجة التي أبهرت بها العقول، وأثّرت في العواطف والقلوب، وأحدثت انقلاباً جذرياً في فكر ووجدان الأُمّة.

 كما استعملت(سلام الله عليها) الأساليب الإعلامية الناجحة والمؤثِّرة، مثل: أُسلوب التشبيه، وضرب الأمثال لإخراج الفكرة من قالب ذهني غير محسوس إلى قالب خارجي محسوس؛ كي تتقرّب ويسهل على المتلقّين الاقتناع بها، وأُسلوب الاستشهاد والتأكيد على المطلب، وعضده بالقرائن والدلالات من نصوص الكتاب المجيد مثلاً، وكثير من الأساليب والطرق الإعلامية المؤثِّرة الأُخرى.

وهكذا، فقد نجحت العقيلة زينب(سلام الله عليها) في أداء دورها الرسالي في إعلام الأُمّة وإخبارها بحقيقة النهضة الحسينية في عاشوراء، على الرغم من التعتيم الإعلامي الكبير، الذي عمد إليه المعسكر الأُموي إلى الدرجة التي ادّعوا فيها أنّهم بقتلهم الحسين(عليه السلام) يتقرّبون إلى الله، فعن الإمام زين العابدين(عليه السلام): «ولا يوم كيوم الحسين، ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل، يزعمون أنّهم من هذه الأُمّة، كلّ يتقرّب إلى الله} بدمه، وهو بالله يذكّرهم فلا يتّعظون، حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً»([82]).

وفي  الختام نقول: إنّ الدور الإعلامي الناجح والمؤثر للعقيلة زينب(سلام الله عليها) والإمام السجاد(عليه السلام)، وسائر النساء معها، قد أفشل ما خطط له يزيد وأعوانه الظلمة، الذين تعمّدوا حمل بنات رسول الله(صلى الله عليه وآله) سبايا، وطافوا بهن من بلد إلى بلد؛ كي يُحدثوا ضجّة إعلامية، ويروجوا من خلالها لنصـرهم الزائف، لكنّهم خسؤوا وخاب مسعاهم، فإنّهم بفعلهم الشنيع هذا وسبي نساء آل محمد(صلى الله عليه وآله)، كانوا قد تسببوا في فضح أنفسهم، وفسحوا المجال للنهضة الحسينية كي تصل إلى أكبر عدد من الناس، وتُحقّق نجاحاً إعلامياً باهراً.

 

الكاتبة: نُهى القطراني

مجلة الإصلاح الحسيني – العدد الثالث عشر

مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

_____________________________________________

([57]) الأنفال: آية30.

([58]) التوبة: آية32.

([59]) مطهري، مرتضى، حماسة حسيني (الملحمة الحسينية): ص312.

([60]) ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص209.

([61]) اُنظر: مطهري، مرتضى، حماسة حسيني (الملحمة الحسينية): ص304.

([62]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص364.

([63]) المصدر السابق.

([64]) ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص209.

([65]) السيوطي، عبد الرحمن، تاريخ الخلفاء: ص226.

([66]) اُنظر: الجزائري، نور الدين، الخصائص الزينبية: ص224.

([67]) ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص168.

([68]) اُنظر: المصدر السابق: ص20.

([69]) ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص94.

([70]) الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص31.

([71]) المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص116.

([72]) ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص86.

([73]) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص349.

([74]) الديباجي، أبو القاسم، زينب الكبرى بطلة الحرية: ص152.

([75]) اُنظر: النقدي، جعفر، كتاب زينب الكبرى: ص36.

([76]) ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف: ص87 ـ 88.

([77]) ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة: ج8، ص166 ـ 167.

([78]) ابن نما الحلي، محمد بن جعفر، مثير الأحزان: ص66.

([79]) ثابت، سعيد، الجوانب الإعلامية: ص141 ـ 142.

([80]) الحوفي، أحمد، فن الخطابة: ص9.

([81]) اُنظر: ابن رشد، محمد بن أحمد، تلخيص الخطابة: ص3.

([82]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج44، ص298.

 

 

المرفقات