الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 29/ربيع الاول/1440هـ الموافق 7 /12 /2018م :

منبر الجمعة

2018-12-07

265 زيارة

ايها الاخوة والاخوات نتعرض في الخطبة الثانية الى العنوان التالي (ظواهر مجتمعية تهدّد السلم الاجتماعي والمنظومة الاخلاقية) ونأخذ في هذه الخطبة (ظاهرة العنف نموذجاً)..
 
الفرد البشري والمجتمع الانساني تتجاذبه وتتقاذفه في خضم مجالات حياته اليومية حيث يتعرض الى الكثير من مجالات المعاشرة والاحتكاك والنشاطات اليومية يتعرض الى مختلف هذه الامور تتجاذب الفرد والمجتمع والكيان الاجتماعي مجموعة من النزعات والسلوكيات بعضها ممدوح وبعضها مذموم، يعني كيف يتعامل الفرد والكيان الاجتماعي في عشيرة او في قبيلة او غير ذلك يعني هذه طبيعة الحياة اليومية يتعرض فيها الى كثير من الامور هذه بعضها يتعامل معها بسلوكيات ونزعات محمودة وبعض منها يتعامل معها بسلوكيات ونزعات مذمومة ومنها العنف.
 
اخواني لماذا قلنا (ظواهر مجتمعية)؟ احياناً بعض هذه السلوكيات المذمومة حالة فردية يمارسها فرد او مجموعة افراد ولكن لا تشكل خطراً على السلم الاجتماعي او المنظومة الاخلاقية أي تعتبر حالة فردية تمارس على مستوى عدد قليل من الافراد، ولكن الخطورة الاجتماعية والاخلاقية والوطنية والذي يفرز تداعيات للكيان الحضاري للمجتمع ويهدد استقراره الاجتماعي والاخلاقي ان تتحول هذه السلوكيات الى ظاهرة مجتمعية أي يمارسها عدد كبير من افراد المجتمع بحيث تشكل هذه الممارسة خطراً على السلم الاجتماعي والمنظومة الاخلاقية والاجتماعية للفرد والمجتمع في آن واحد فهنا الخطورة التي يجب ان ننتبه لها..
 
العنف الذي يُراد به السلوك العدواني والذي فيه تعدّي وظلم وفيه تعامل بخشونة وقسوة مع الاخرين هذا السلوك نسميه بالعنف واحياناً قد يتطور الى حالة حرب..
 
ان المتتبع للنصوص الشرعية من آيات قرانية واحاديث شريفة يجد ان العنف يمثل سلوكاً مذموماً في الشريعة الاسلامية وان الاصل الانساني في التعامل مع الآخرين هو اتباع اسلوب الرفق والذي يظهر من هذه النصوص محبوبيته لدى الشارع الاسلامي الا ان ذلك لا يعني مذموميته على الاطلاق ففي موارد الدفاع عن الشريعة الاسلامية والارض والعرض والمقدسات وحماية النفس أو دفع الضرر أو استجلاب حق يصبح مشروعاً وفق الضوابط والمحددات الشرعية والاخلاقية والاجتماعية التي تسوّغ استعمال هذه الوسيلة..
 
وردت روايات كثيرة تحث على الرفق واللين والمداراة للآخرين والتعامل بالحسنى والعفو والصفح عن المسيء والمحادثة والمحاورة بالكلام الطيب، فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أُعطي حظه من الرفق اعطي حظه من خير الدنيا والآخرة).
 
ولنا في المواقف العملية في التعامل الاجتماعي لأهل البيت عليهم السلام الداعية الى اللاعنف والسلم واللين والعفو والتغاضي عن الاساءة وعدم ردّها بالمثل خير دليل وارشد سيرة اخلاقية للفرد والمجتمع في هذا المضمار وهناك شواهد كثيرة نذكر واحداً منها: وهو ما كان عن الامام الكاظم (عليه السلام) الذي لاقى من احد الاشخاص أذى حيث كان يسبّ جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) بمسمع منه فقال له بعض اصحابه : دعنا نقتله، فنهاهم الامام (عليه السلام) عن ذلك، فركب الامام (عليه السلام) يوماً اليه فوجده في مزرعة فجالسه وباسطه وقال له: كم غرمت في زرعك هذا؟ قال: مائة دينار، قال: وكم ترجو ان تصيب منه؟ قال: مائتي دينار، فأخرج الامام (عليه السلام) له صرة فيها ثلاث مائة دينار فقال: هذا زرعك على حاله يرزقك الله فيه ما ترجو.
لاحظوا اخواني هذه اللحظات جعلت هذا العدو ينقلب الى مُحِب للامام الكاظم (عليه السلام)..
 
ثم ذهب هذا الرجل الى المسجد النبوي ثم بعد ذلك دخل الامام (عليه السلام) وتغيرت معاملة هذا الرجل مع الامام (عليه السلام) وأخذ يقول (الله أعلم حيث يجعل رسالاته)، فبادر اليه اصحاب الامام (عليه السلام) منكرين عليه هذا الانقلاب، فأخذ يخاصمهم، ويتلو عليهم مناقب الإمام ومآثره، ويدعو له، فالتفت (عليه السلام) الى أصحابه قائلا ً : أيّما كان خيراً؟ ما أردتم أو ما أردت أن اصلح أمره بهذا المقدار.
 
نلتفت الآن اخواني الى انواع العنف:
 
1- العنف الاجتماعي: 
وهو ان يغلب اللجوء الى العنف في حل المشاكل والنزاعات والاختلافات مع الاخرين ومعاملة الاساءات والتجاوز مع الاخرين بهذا الاسلوب، احياناً اختلاف ونزاع قوي وشديد فالاسلام يدعوك الى الحوار والتفاهم مع هذا الشخص او الجهة التي انت معها في مشكلة ونزاع او اختلاف حيث انه بدل ان تلجأ الى العنف وتعقّد المشكلة وتولّد المزيد من العداوات والاحقاد والمسألة تتعقد أكثر فالاسلام يدعو للحوار والتفاهم والهدوء في معالجة الاختلافات والنزاعات والحوادث الشخصية.
 
2- العنف السياسي :
ونعني به استخدام وسائل غير مشروعة لتحقيق أهداف سياسية كالقتل للخصوم والتهديد لهم وتخويفهم وارعابهم والصاق التهم بهم من دون دليل للخصوم والتهديد لهم وتخويفهم وارعابهم والصاق التهم بهم من دون دليل والطعن في سيرتهم واستخدام الاساليب الخشنة في التعامل معهم وتسقيط الاعتبار الاجتماعي لهم داخل المجتمع فإنها وسائل غير لائقة بل غير صحيحة بمن يبتغي اتخاذ العمل السياسي وسيلة للخدمة واداء الوظيفة المخصوصة للسياسيين في إدارة امور البلاد بطرق تربوية مشروعة وحضارية مقبولة.
 
3- العنف الاسري: 
 وننتبه الى هذا النوع من العنف الخطير وهو ان يشيع ويسود اسلوب التوبيخ والتأنيب والخشونة والقساوة والفضاضة في التعامل بين افراد الاسرة بين بعضهم البعض او مع الابوين او بين الزوج والزوجة وقد يحصل احياناً اللجوء الى الضرب، هذا ليس اسلوب تربية والاسلام لم يقبل بهذا الاسلوب فهناك قواعد وضوابط لاستخدام هذا الاسلوب فالاسلام يدعو في بداية الامر الى استخدام الاسلوب الحكيم واللين والرفق والاسلوب التربوي الذي يكون مؤثرا، اما ان يلجأ الزوج لأن يضرب زوجته مثلا ً كأسلوب تربوي هذا غير مقبول اسلامياً، او الاسلوب المتبع اسلوب الخشونة والفضاضة والغِلظة في التربية والدعوة الى استعمال هذه الاساليب فهناك نوع شائع الان من العنف الاسري داخل الاسر خصوصاً بين الزوج والزوجة واحياناً حتى بين الاباء وابنائهم حيث يكون اسلوب خشن وقاسي في التعامل مع الابوين او مع الزوجة فهذا حقيقة نوع من العنف الذي يرفضه الاسلام.
 
4- العنف في المخاطبة والحوار والكلام : 
احياناً حينما يكتب شخص الى اخر وهذا كثيراً ما نجده في وسائل التواصل الاجتماعي او في المخاطبة العادية بيننا حينما نتحاور او يتكلم بعضنا مع البعض الاخر وحينما يخاطب بعضنا البعض الاخر ليس هناك اسلوب محترم يليق بمقام المُخاطب وفي كثير من الاحيان نجد قسوة وغلظة وخشونة في التخاطب سواء كان في التخاطب المباشر او التخاطب في وسيلة الكتابة والمراسلة، لاحظوا ان الاسلوب الذي يحل المشاكل والوسيلة التي تجعل المخاطبة وسيلة للإقناع والتقارب هو الاسلوب اللين والذي فيه احترام لذلك اخواني حينما نتحاور ونتخاطب لابد ان ننتبه هل ان الالفاظ التي نستخدمها ربما فيها اهانة ومس لكرامة الاخرين وعدم احترام للاخرين لذلك لابد من ان يكون اسلوبي في المخاطبة والحوار اسلوب مبني على الاحترام والتقدير وهذا يمكنني من اكسب قلوب الاخرين واقنعهم بوجهة نظري.
 
5- العنف في الدعوة واساليبها:
كثيراً ما نلاحظ اخواني اسلوب الذي يدعو الى اتباع التعاليم الدينية واتباع الاخلاق الحسنة واتباع الراي الصحيح اسلوب فيه خشونة وفضاضة واسلوب فيه تجاوز وفيه اهانة وفيه مس لكرامة الاخرين لاحظوا الاسلام لا يرضى بذلك ابداً، ولاحظوا وتتبع الاساليب التي كان يتبعها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة عليهم السلام اساليب فيها احترام للآخر، حتى لو اكون انا عالم وهذا انسان جاهل وانا كبير وذاك صغير او انا في مقام وجاه عالي وذاك في مقام وضيع.. عليَّ اذا ادعوه واذا آمر بالمعروف وانهى عن المنكر ادعوه الى الحق والى اتباع الاخلاق الحميدة لابد ان يكون اسلوبي فيه احترام وتقدير لمشاعر وعواطف الاخرين هذا الاسلوب الذي دعا اليه الاسلام.. اما الاسلوب الخشن والغلظة والقسوة نوع من انواع العنف الذي يؤدي الى نتائج سيئة..
 
6- العنف العشائري :
وهو من العنف الذي اخذ يهدد كثيراً الاستقرار الاجتماعي بل النفسي والمعيشي والاقتصادي هو العنف العشائري، نلاحظ في بعض العشائر اخذ منطق اللجوء الى العنف والتقاتل و ايضاً الاعتداء على الاخرين واصدار الاحكام التي ما انزل الله بها من سلطان والمنافية للاحكام الشرعية ومقتضى الانتماء لهذا الوطن وحقوق المواطنة ومقتضى الاخلاق الحميدة التي اتصفت بها العشائر الاصيلة.. والمشكلة كما بينا اخواني تارة الممارسة على مستوى افراد وتارة ممارسة على مستوى ظاهرة مجتمعية تمارس لدى الكثير من جملتها العنف العشائري.
 
لاختلاف بسيط ان نزاع بسيط او مشكلة بسيطة يحصل تقاتل بين هذه العشيرة والعشيرة الاخرى ويذهب ضحيتها عشرة او عشرين او ثلاثين من المواطنين حتى لو كانوا من ابناء العشيرتين المتقاتلتين لأمر بسيط تافه او مشكلة بسيطة او تجاوز حصل من هذه العشيرة على عشيرة اخرى يحصل تقاتل ويذهب ضحيته الكثير من المواطنين.. 
 
ثم هناك الاساليب الاخرى والتي هي الان معروفة (الجلوة) هذه من اساليب العنف ايضاً، حينما نجد عشيرة معينة تصدر حكماً بإجلاء مجموعة من العوائل عن منطقة سكناها وارضها الى منطقة اخرى.. اصلا ً هذا غير موجود في الاحكام الاسلامية والدينية او العرفية او الاخلاقية ابداً، كثير من المواطنين يأتون ويشتكون يقولون فرضت علينا العشيرة الفلانية ان تجلوا عن بيوتكم عشرة سنين او اكثر انتم وعوائلكم..، يأتي شيخ عشيرة ويفرض هذا الرأي على هؤلاء المواطنين والعوائل يفرض حكم الجلاء عن ارضها ومحل عملها وسكناها الذي ولدت فيه ونشأت فيه وترعرعت فيه اجلوا عن هذه المنطقة الى مدينة اخرى، ثم ايضاً هناك (النهوة) يمنعون زواج امرأة حيث بعض النساء يبقون الى ثلاثين واربعين سنة بدون زواج وبعضهم من ابناء شخصيات محترمة لأن هناك نهوة عليهم، نوع من انواع العنف وانواع الظلم للتعدي على حدود الله تبارك وتعالى وهذا في الواقع يتنافى مع التعاليم الشرعية بمقتضى الانتماء لهذا البلد ومقتضى الاخلاق التي عليها العشائر العراقية الاصيلة فقد انتشرت خصوصاً في بعض مناطق الوسط والجنوب يؤتى الى بيت هذا مطلوب دم فالبيت لا يستطيع ان يسكن فيه ولا يستطيع ان يبيعه ولا يستطيع ان يفعل أي شيء.. حكمٌ ليس في الشرع وليس من مقتضى الاخلاق والانتماء لهذا الوطن.. فهذه من ألوان العنف التي بدأت تسود..
 
لذلك من هنا نجدد دعوتنا السابقة لبعض العشائر العراقية بالكفّ التام عن جميع الممارسات المخالفة للتعاليم الشرعية والاخلاقية والوطنية والتي انتشرت في الفترة الاخيرة وهي تمثل ظلماً فاحشاً لكثير من الابرياء وتعدّ على حدود الله تعالى ونقول : الله..الله.. في حفظ حرمات المواطنين وحقوقهم وعدم التعدي عليهم بغير حق..
 
يبقى العلاج حقيقة نحتاج علاج لهذه ظواهر العنف التي ذكرناها من العنف الاجتماعي والعنف السياسي والعنف الاسري والعنف العشائري.. هذا لابد ان يكون له علاج ولابد ان تكون له هناك اهتمام واعتناء بهذه الوسائل التي تعالج مثل هذه الظاهرة المجتمعية التي تشكل خطورة على السلم الاجتماعي والمنظومة الاخلاقية..
 
نسأل الله تعالى ان يوفقنا واياكم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين..
 
حيدر عدنان 
الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً