المرجعية العليا: العنف يهدّد السلم الاجتماعي والمنظومة الاخلاقية.. وفي بعض الاحيان يكون مشروعا

استعرض ممثل المرجعية الدينية العليا في الخطبة الثانية لصلاة الجمعة التي اقيمت في الصحن الحسيني الشريف الظواهر المجتمعية التي تهدّد السلم الاجتماعي والمنظومة الاخلاقية، معتبرا العنف نموذجا لها.

وقال الشيخ عبد المهدي الكربلائي اليوم الجمعة (7 /12 /2018)، ان الفرد البشري والكيان الاجتماعي والمجتمع الانساني من خلال المعاشرة والاحتكاك والنشاطات اليومية تتجاذبه وتتقاذفه في خضم مجالات حياته اليومية مجموعة من النزاعات والسلوكيات بعضها ممدوح وبعضها الاخر مذموم، ومنها العنف.

واضاف ان هنالك ظواهر مجتمعية وسلوكيات مذمومة تكون كحالة فردية يمارسها فرد او مجموعة من الافراد الا انها لا تشكل خطرا على السلم الاجتماعي والمنظومة الاخلاقية ولا تهدد الكيان الحضاري للمجتمع، ولا توجد مشكلة كبيرة تجاه هذه السلوكيات الفردية.

واوضح ان الخطورة الاجتماعية والاخلاقية والوطنية وما تفرزه من تداعيات للكيان الحضاري للمجتمع وتهديد استقراره الاجتماعي والاخلاقي تكمن في ان تتحول هذه السلوكيات من الحالة الفردية الى ظاهرة مجتمعية يمارسها عدد كبير من افراد المجتمع بحيث يشكل ذلك خطرا على السلم الاجتماعي والمنظومة الاخلاقية والاجتماعية للفرد والمجتمع في آن واحد. 

ويرى ممثل المرجعية الدينية العليا ان العنف هو السلوك العدواني الذي فيه تعدّي وظلم وتعامل بخشونة وقسوة مع الاخرين فيتطور احيانا الى حالة حرب، مبينا ان المتتبع للنصوص الشرعية من آيات قرانية واحاديث شريفة يجد ان العنف يمثل سلوكاً مذموماً في الشريعة الاسلامية، وان الاصل الانساني في التعامل مع الآخرين هو اتباع اسلوب الرفق والذي يظهر من هذه النصوص محبوبيته لدى الشارع الاسلامي.

واكد ان العنف ليس مذموما على الاطلاق، وانما يسوّغ استعماله ويصبح مشروعاً وفق الضوابط والمحددات الشرعية والاخلاقية والاجتماعية في موارد الدفاع عن الشريعة الاسلامية والارض والعرض والمقدسات وحماية النفس أو دفع الضرر أو استجلاب حق.

وبين ان الكثير من الروايات تحث على الرفق واللين والمداراة للآخرين والتعامل بالحسنى والعفو والصفح عن المسيء والمحادثة والمحاورة بالكلام الطيب، مستشهدا بحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أُعطي حظه من الرفق اعطي حظه من خير الدنيا والآخرة)، موضحا ان لأهل البيت عليهم السلام مواقف عملية في التعامل الاجتماعي تدعو الى اللاعنف والسلم واللين والعفو والتغاضي عن الاساءة وعدم ردّها بالمثل.

واستعرض الشيخ الكربلائي حادثة شخص كان يؤذي الامام الكاظم عليه السلام قائلا "ان الامام الكاظم (عليه السلام) لاقى من احد الاشخاص أذى حيث كان يسبّ جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) بمسمع منه فقال له بعض اصحابه : دعنا نقتله، فنهاهم الامام (عليه السلام) عن ذلك، فركب الامام (عليه السلام) يوماً اليه فوجده في مزرعة فجالسه وباسطه وقال له: كم غرمت في زرعك هذا؟ قال: مائة دينار، قال: وكم ترجو ان تصيب منه؟ قال: مائتي دينار، فأخرج الامام (عليه السلام) له صرة فيها ثلاث مائة دينار فقال: هذا زرعك على حاله يرزقك الله فيه ما ترجو"، منوها ان هذه اللحظات جعلت هذا العدو ينقلب الى مُحِب للامام الكاظم (عليه السلام)، ثم ذهب هذا الرجل الى المسجد النبوي ثم بعد ذلك دخل الامام (عليه السلام) وتغيرت معاملة هذا الرجل مع الامام (عليه السلام) وأخذ يقول (الله أعلم حيث يجعل رسالاته)، فبادر اليه اصحاب الامام (عليه السلام) منكرين عليه هذا الانقلاب، فأخذ يخاصمهم، ويتلو عليهم مناقب الإمام ومآثره، ويدعو له، فالتفت (عليه السلام) الى أصحابه قائلا ً : أيّما كان خيراً؟ ما أردتم أو ما أردت أن اصلح أمره بهذا المقدار".

وبين خطيب جمعة كربلاء ان العنف على انواع منه العنف الاجتماعي وهو ان يغلب اللجوء الى العنف في حل المشاكل والنزاعات والاختلافات مع الاخرين ومعاملة الاساءات والتجاوز مع الاخرين بهذا الاسلوب، مبينا ان الاسلام يدعو في حال الاختلاف والنزاع القوي والشديد الى الحوار والتفاهم مع الشخص او الجهة التي تحصل معها المشكلة والنزاع او الاختلاف.

ويرى ان من بين انواع العنف هو (العنف السياسي) الذي يعنى به استخدام وسائل غير مشروعة لتحقيق أهداف سياسية كالقتل للخصوم والتهديد لهم وتخويفهم وارعابهم والصاق التهم بهم من دون دليل والطعن في سيرتهم واستخدام الاساليب الخشنة في التعامل معهم وتسقيط الاعتبار الاجتماعي لهم داخل المجتمع، مبينا انها وسائل غير لائقة بل غير صحيحة لمن يبتغي اتخاذ العمل السياسي وسيلة للخدمة واداء الوظيفة المخصوصة للسياسيين في إدارة امور البلاد بطرق تربوية مشروعة وحضارية مقبولة. واكد ممثل المرجعية الدينية العليا ان العنف الاسري يمثل من اخطر انواع العنف، مشيرا الى هذا النوع يشيع اسلوب التوبيخ والتأنيب والخشونة والقساوة والفضاضة في التعامل بين افراد الاسرة، او مع الابوين او بين الزوج والزوجة وقد يحصل احياناً اللجوء الى الضرب، لافتا الى ان هذا ليس اسلوب تربية وان الاسلام لا يقبل به. واستدرك بان هناك قواعد وضوابط لاستخدام هذا الاسلوب، وان الاسلام يدعو في بداية الامر الى استخدام الاسلوب الحكيم واللين والرفق والاسلوب التربوي الذي يكون مؤثرا، معتبرا قيام الزوج بضرب زوجته بغير مقبول ويرفضه الاسلام. وقال الشيخ الكربلائي ان من انوع العنف هو العنف في المخاطبة والحوار والكلام الذي كثيراً ما نجده في وسائل التواصل الاجتماعي او في المخاطبة العادية ، مشيرا الى ان بعضنا حينما يكتب او يخاطب او يتحاور مع البعض الاخر يكون باسلوب غير محترم ولا يليق بمقام المُخاطب، بل احيانا يلجأ للقسوة والغلظة والخشونة في التخاطب سواء أكان بشكل مباشر او غير مباشر، مبينا ان الاسلوب الذي يحل المشاكل والوسيلة التي تجعل المخاطبة وسيلة للإقناع والتقارب هو الاسلوب اللين والذي فيه احترام. وبين ان من انواع العنف هو العنف في الدعوة واساليبها ، موضحا ان في الكثير يكون الاسلوب الذي يدعو الى اتباع التعاليم الدينية واتباع الاخلاق الحسنة واتباع الراي الصحيح فيه خشونة وفضاضة وتجاوز واهانة ومس لكرامة الاخرين وان الاسلام لا يرضى بذلك ابداً، مبينا ان الاساليب التي كان يتبعها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة عليهم السلام فيها احترام للآخر، مؤكدا على ضرورة اتباع اسلوب الاحترام والتقدير حتى مع اختلاف مستوى التعليم والسن والمكانة الاجتماعية. ولفت الشيخ عبد المهدي الكربلائي الى ان العنف العشائري اخذ يهدد كثيرا الاستقرار النفسي والاجتماعي والمعيشي والاقتصادي.

واضاف "نلاحظ بعض العشائر تتبع منطق اللجوء الى العنف والتقاتل والاعتداء على الاخرين واصدار احكاما ما انزل الله بها من سلطان وهي منافية للاحكام الشرعية ومقتضى الانتماء لهذا الوطن وحقوق المواطنة ومقتضى الاخلاق الحميدة التي اتصفت بها العشائر الاصيلة".

واوضح ان "بعض الممارسات والاحكام العشائرية انتقلت من حالة فردية الى ظاهرة مجتمعية"، لافتا الى "ان العنف العشائري بات يحصل نتيجة اختلاف او نزاع بسيط او مشكلة تافهة فيؤدي الى التقاتل بين عشيرة واخرى ويذهب ضحية ذلك العشرات من المواطنين".  وبين ان "من اساليب العنف التي تمارسها بعض العشائر هي (الجلوة) وذلك بقيام عشيرة باصدار حكما باجلاء مجموعة من المواطنين من منطقة سكناها وارضها الى منطقة اخرى"،  مبينا ان "هذا الحكم او الرأي الذي يفرضه شيخ عشيرة على المواطنين والعوائل يتنافى مع الاحكام الاسلامية والدينية والعرفية والاخلاقية".

واشار الى ان "بعض المواطنين تعرضوا للاجلاء من مناطق سكناهم لمدة (7) سنوات و(10) سنوات.

وانتقد ممثل المرجعية الدينية العليا (النهوة) وهي منع بعض النساء من الزواج، لافتا الى ان بعض النساء تجاوزت اعمارهن الثلاثين او الاربعين عاما وهن بدون زواج لان هنالك نهي عليهن، مبينا ان النهوة تمثل لون من الوان العنف والتعدي على حدود الله تعالى وتتنافى مع التعاليم الشرعية ومقتضى الانتماء لهذا البلد، ومقتضى الاخلاق التي عليها العشائر العراقية الاصيلة. 

كما انتقد ممثل المرجعية الدينية العليا الظاهرة التي انتشرت في وسط وجنوب العراق وهي ان يكتب على دور بعض المواطنين (مطلوب دم)، مبينا ان هذه الظاهرة تتنافى كذلك مع الشرع والاخلاق والانتماء لهذا الوطن.

ووجه الكربلائي حديثه للعشائر العراقية قائلا "نجدد دعوتنا السابقة لبعض العشائر العراقية بالكف التام عن جميع الممارسات المخالفة للتعاليم الشرعية والاخلاقية والوطنية التي انتشرت في الفترة الاخيرة وهي تمثل ظلما فاحشا للكثير من الابرياء والتعدي على حدود الله تعالى".

واختتم قوله "الله الله في حفظ حرمات المواطنين وحقوقهم وعدم التعدي عليهم بغير حق".

واكد في ختام الخطبة على وجود حاجة ماسة لعلاج ظواهر العنف، قائلا "لابد ان يكون هنالك علاج ولابد ان يكون هناك اهتمام واعتناء بهذه الوسائل التي تعالج مثل هذه الظاهرة المجتمعية التي تشكل خطورة على السلم الاجتماعي والمنظومة الاخلاقية".

ولاء الصفار  الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

 

المرفقات