بنو قريظة .. الجريمة والعقاب

الغدر .. صفة لازمت اليهود طوال تاريخهم المليء بالخيانات والمكر ونقض العهد والاستخفاف بالعهود والمواثيق وقساوة القلب, فاستحقوا الخزي والعذاب في الدنيا ولعنة الله في الآخرة, كما جاء في وصفهم بقوله تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية.

هذه الصفة الذميمة كانت السبب في غزوة النبي (ص) لهم في عقر دارهم وهزيمتهم وقتلهم جرّاء تماديهم في غيهم وضلالهم ومقابلتهم الإحسان بالإساءة وغدرهم بالمسلمين بعد أن تعاهدوا معهم على الصلح والدفاع عن المدينة, فآزروا مشركي قريش وزرعوا الرعب في قلوب الضعفاء والنساء من المسلمين وتألبوا على قتال النبي (ص).

لم تذكر كل التواريخ والحقائق التاريخية إن رسول الله (ص) قد بدأ أيّة فئة أو جماعة بقتال, ما لم تكن تلك الفئة قد بغت واعتدت على المسلمين أو على شخص النبي (ص), وهذه الحقيقة يجدها القارئ جلية في كل كتب السير ومصادر التاريخ, بل لم يبدأ قتال حتى أعدائه ممن ناصبوه العداوة الشديدة وأخرجوا المسلمين من ديارهم حتى استحقوا القتال والقتل.

لقد جاء (ص) مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه كما وصفه سبحانه وتعالى فأدى رسالته إلى الناس فمنهم من آمن ومنهم من لم يؤمن لكنه (ص) لم يقاتلهم, ومن الذين أصروا على عدم الإيمان بنبوته رغم علمهم بصدقه وصدق دعوته اليهود فلم يقاتلهم وترك لهم حرية الاختيار.

المعاهدة

وكان بينه (ص) وبين اليهود معاهدة وميثاق جاء في بنوده أن للمسلمين دينهم، ولليهود دينهم، وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم, والدفاع عن المدينة من قبل الطرفين إن تعرضت إلى هجوم.

وهذه المعاهدة كما يتضح من بنودها هي معاهدة عادلة أقرها النبي (ص) لحفظ الدماء ونبذ الشحناء والبغضاء من القلوب لنشر دعوة الإسلام بالسلام والمحبة والحكمة والموعظة الحسنة, وقد التزم النبي (ص) بكل بنود هذه المعاهدة, ولكن اليهود استخفوا بها وبدأت قبائلهم بنقضها الواحدة تلو الأخرى, فقاموا بممالأة المشركين في حربهم النبي (ص) ومساعدتهم ودعمهم لهم, وكان من أشد هذه الخيانات التي مارسها اليهود مع المسلمين وغدرهم بهم هي خيانة بني قريظة الذين انضموا إلى جيش المشركين في معركة الأحزاب.

لقد اجتمع اليهود على حربه (ص) وانضموا إلى كفار قريش رغم اعتراف زعمائهم بأنه (ص) هو النبي الموعود الذي يختم الله به الشرائع, فعندما هاجر النبي (ص) إلى المدينة جاء إليه زعيم بني النضير حُيي بن أخطب وهو من أحبار اليهود ومعه أخوه أبو ياسر بن أخطب للقاء النبي ومعرفة صحة دعوته، فتبين لهم صدق نبوته بعد أن سأله حيي بعض الأسئلة ورأوا خاتم النبوة في ظهره فلما خرجا من عنده سأل أبو ياسر أخاه حيي: أهو هو ؟ ــ أي النبي الخاتم الموصوف في التوراة ــ فقال حيي: هو هو ــ أي هو النبي المنتظر ــ  وكان حيي من أعلم اليهود بدينهم كما كان من أشد مقاتليهم ــ فقال له أخوه: ماذا تنوي أن تفعله معه ؟ فقال: عداوته ما بقيت !!

صمم حُيي على عداوة النبي وزرع العداوة والشحناء في قلوب قومه على النبي واتفق معهم على قتله (ص) بإلقاء صخرة عليه من فوق أحد الحصون إلا أن الله أنجاه من غدرهم, فقرر النبي طردهم من المدينة إلى خيبر.

وازداد حنق حيي بن أخطب فكان لا يشغل باله سوى قتال النبي والقضاء على دعوته فجاء إلى أبي سفيان وقال له: أنا عون لك على قتال محمد وقد جئتك لأحالفك على حربه والقضاء عليه. فرحب به أبو سفيان وقال: كل من أعاننا على حرب محمد وعداوته فهو حبيب لنا.

وانضم حُيي إلى كفار قريش لحرب النبي (ص) وأقسموا عند جدار الكعبة على التحالف وعدم خذلان بعضهم حتى يقضوا على النبي ودعوته نهائياً, وما إن تم هذا التحالف حتى توجه حُيي إلى غطفان وهي من أكبر القبائل العربية بعد قريش وعقد معها نفس الحلف مع قريش ولم يكتف حيي بهذين الحلفين, بل أراد أن يجمع جيشاً كبيراً لاستئصال الإسلام من جذوره وقتل النبي والمسلمين جميعاً فعقد حلفاً مع قبائل أخرى من العرب واليهود لتنضم إلى الأحزاب بقيادة أبي سفيان ومن ضمن هذه القبائل بني قريظة.

غدر بني قريظة

جاء حيي إلى كعب بن أسد القرظي سيد بني قريظة، وحثه على قتال النبي وحرضه على ذلك حتى رضي كعب بالانضمام إلى الأحزاب وحرب المسلمين, رغم أنه كان يجب أن يقف بوجه المشركين مع المسلمين كما جاء في الاتفاق المبرم بينه وبينهم على الدفاع عن المدينة.

وعندما وصلت أخبار نقض كعب وقومه العهد وغدرهم بالمسلمين انتشر الرعب في قلوب المسلمين من هذا التحالف الكبير وما يشكله من خطر عليهم بعد أن غدر بهم اليهود وطعنوهم في ظهورهم, ولما سمع النبي بذلك أرسل الزبير بن العوام وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة ليتأكدوا من صحة الخبر فخاطب سعد بن معاذ بني قريظة وحذرهم من مغبة الغدر وذكرهم بالمعاهدة التي بينهم وبين النبي ونصحهم بالالتزام بالعهد والميثاق وتنزّل لهم عن بعض بنود الاتفاق بأن يقفوا على الحياد وأن لا يقاتلوا مع المسلمين قريشاً غير أن بني قريظة سبّوه وسبّوا النبي وواجهوه بالقول الفاحش فرجع سعد مع صاحبيه إلى النبي (ص) فأخبروه بنقض اليهود عهدهم معه والانضمام إلى الأحزاب لقتاله.

واشتد قلق المسلمين من هذا العدو المتحالف الضخم وخافوا على الذراري والنساء من بني قريظة لقربهم منهم إذا تعرضوا لهجوم, وقد أرسل بنو قريظة رسالة إلى أبي سفيان: إذا التقيتم أنتم ومحمد، أمددناكم وأعناكم, وفيما كان المسلمون يترقبون الأحداث إذ فاجأ مدينتهم جيش الأحزاب الذي يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل من مشركي قريش بقيادة أبي سفيان ومعه قبائل غطفان وقبائل أخرى من العرب وقبائل اليهود و(هناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً).

واشتد الحصار على المسلمين وكان بنو قريظة يعينون الأحزاب حيث قاموا بفتح ثغرة وأرسلوا إلى الأحزاب أن يبعثوا ألفي مقاتل, ألفا من قريش, وألفا من غطفان, للهجوم على المسلمين ليلاً, كما أرسلوا من مقاتليهم لمباغتة المسلمين لكن المسلمين تصدّوا لهم ورموهم بالنبال فرجعوا خائبين.

وكانت إرادة الله أقوى من أحزابهم فهزمهم على يد أمير المؤمنين (ع) بقتل بطلهم عمرو بن عبد العامري وكفى الله المؤمنين القتال وتبدد شمل الأحزاب ورجعوا يجرون أذيال الخيبة والفشل, ورجع بنو قريظة إلى حصنهم ومعهم حيي بن أخطب وهو يحرضهم على قتال النبي مرة أخرى.

وخلال حصار الأحزاب للمسلمين جرح سعد بن معاذ جرحاً بليغاً وأوشك على الموت وكان حليفاً لبني قريظة في الجاهلية وأقرب الناس إليهم فحمله المسلمون إلى المدينة, فدعا الله أن يريه عذابه في بني قريظة قبل أن يموت فكان يقول: (اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة).

وما إن انهزم الأحزاب حتى جاء المسلمين النداء من النبي (ص) :لا يصلينّ أحد العصر إلا في بني قريظة. وكان هذا النداء من الله (عز وجل), فما إن عاد رسول الله (ص) إلى المدينة ووضع السلاح واغتسل وقد عصب رأسه الغبار حتى جاءه جبرائيل (ع) فقال له: وضعت السلاح فوالله ما وضعته ؟! فقال رسول الله (ص): فأين ؟ قال: ها هنا، وأومأ إلى بني قريظة.

فاستعد المسلمون لقتال بني قريظة ومعاقبتهم على خيانتهم العظيمة وغدرهم بهم فبعث النبي (ص) علياً (ع) قائداً على سرية وتبعه النبي (ص) فحاصرهم خمسة وعشرين يوماً، وكان حيي بن أخطب معهم في حصنهم حين رجعت قريش وغطفان، وكان يحرضهم على قتال النبي ولما أيقن بنو قريظة أن رسول الله (ص) لا يتركهم حتى يقاتلهم، عرض عليهم كعب بن أسد اتّباع النبي فقال لهم:

يا معشر اليهود، إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض أن نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. فقالوا: لا نفارق حكم التوراة ولا نستبدل به غيره.

ولما طال الحصار عليهم، واشتد البلاء قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ فهو حليفنا ولن يخذلنا وكان سبب نزولهم هذا خوفهم من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فعندما شاهدوا أمير المؤمنين وقد ركز الراية عند الحصن قالوا لقد جاء قاتل عمرو بن عبد ود فأصابهم الرعب وكان النبي (ص) قد أرسل قبل علي عدداً من الصحابة لكنهم انهزموا أمام اليهود.

وقد ذكرت ذلك كثير من المصادر ذلك ومنها ما جاء في احتجاج الإمام الحسن (ع) في مجلس معاوية قوله:

أتعلمون أن رسول الله (ص) بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة، فنزلوا من حصنهم فهُزِموا، فبعث علياً بالراية، فاستنزلهم على حكم الله، وحكم رسوله، وفعل في خيبر مثلها.

وما إن وصل أمير المؤمنين (ع) إلى الحصن حتى صاح: لأذوقنّ ما ذاق عمي حمزة أو لأفتحن حصونهم، فلمّا رأوه وهو كالليث الضاري وقد عرفوه من هو، تملكهم الخوف والرعب منه وأيقنوا بالهلاك، وقالوا: يا محمد رضينا بحكم سعد.

فأرسل (ص) من يحضر سعداً فجيء به وهو جريح فقال له النبي (ص): إن هؤلاء نزلوا على حكمك، فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم, وتسبى ذراريهم, وتقسم أموالهم. فقال النبي (ص): حكمت بحكم الله عز وجل من فوق سبع سموات. فقتل رجالهم وكان عددهم بين الأربعمائة والستمائة ولم ينج منهم إلا من أسلم فحقن إسلامه دمه، وسُبيت نساؤهم وذرياتهم.

وقد قتل معهم حُيي بن أخطب جزاء عداوته وغدره وتحريضه على قتال النبي, فقد روي إنه مزق المعاهدة التي كانت بين النبي وبني قريظة بعد جلاء بني النضير إلى خيبر, فجيء به مقيداً فقال للنبي: ما لُمت نفسي في عداوتك, ولكن من يخذل الله يخذل. 

ولما أراد علي قتله قال: قتلة شريفة بيد شريف. فقال له علي: إن الأخيار يقتلون الأشرار والأشرار يقتلون الأخيار، فويل لمن قتله الأخيار وطوبى لمن قتله الأشرار والكفار.

حكم التوراة

لقد طبق رسول الله (ص) عليهم حكم الله جزاء خيانتهم وغدرهم في ساعة الشدة بعد أن داهم المدينة جيش المشركين, فهذا الحكم إضافة إلى أنه الحكم العادل والمنطقي فيهم وفق العهد بينهم وبين الرسول (ص) والذي نقضوه وخانوا بالمواثيق فهو أيضاً الحكم الإلهي الذي يدينون هم به في التوراة والتي تقرر هذه العقوبة على مثل هذه الجريمة وذلك بقتل جميع الرجال واسترقاق النساء والأطفال.

فقد ورد في الكتاب المقدس ما نصه:

حِينَ تَقْرُبُ مِنْ مَدِينَةٍ لِكَيْ تُحَارِبَهَا اسْتَدْعِهَا إِلَى الصُّلْحِ،

فَإِنْ أَجَابَتْكَ إِلَى الصُّلْحِ وَفَتَحَتْ لَكَ، فَكُلُّ الشَّعْبِ الْمَوْجُودِ فِيهَا يَكُونُ لَكَ لِلتَّسْخِيرِ وَيُسْتَعْبَدُ لَكَ.

وَإِنْ لَمْ تُسَالِمْكَ، بَلْ عَمِلَتْ مَعَكَ حَرْبًا، فَحَاصِرْهَا.

وَإِذَا دَفَعَهَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى يَدِكَ فَاضْرِبْ جَمِيعَ ذُكُورِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ.

وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ وَالْبَهَائِمُ وَكُلُّ مَا فِي الْمَدِينَةِ، كُلُّ غَنِيمَتِهَا، فَتَغْتَنِمُهَا لِنَفْسِكَ، وَتَأْكُلُ غَنِيمَةَ أَعْدَائِكَ الَّتِي أَعْطَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ.

هكَذَا تَفْعَلُ بِجَمِيعِ الْمُدُنِ الْبَعِيدَةِ مِنْكَ جِدًّا الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ مُدُنِ هؤُلاَءِ الأُمَمِ هُنَا. (1)

وهذا النص صريح يوضح أنه: إن قبلت المدينة الصلح فجميع أهلها مملوكون، وإن رفضت، استحق جميع الذكور القتل بحدّ السيف، المقاتلون منهم وغير المقاتلين، وغنم الأموال وسبي الأطفال والنساء والذراري, وهو شاهد على عدالة حكم سعد والتي أكدها الرسول (ص) بقوله: لقد نطق سعد بحكم الله من فوق سبع سماوات.

بل ورد بعد هذه الفقرات في التوراة فقرة تقضي بأشد كثيراً من هذا الحكم وهو يقضي بقتل حتى النساء والأطفال وهي:

وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلاَ تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا.

ولكن الرسول (ص) عفا عن النساء والأطفال بل عفا عن حتى من أسلم ومن استجار ببعض المسلمين من الرجال وهذه من صفاته الكريمة ونبله (ص).

لقد كان سعد على اطلاع واسع بهذه الأحكام التوراتية الجزائية عندما كان حليفاً لليهود وقريباً منهم, وهذا الحكم نفسه جاء في القرآن الكريم بما نصه: {وأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقاً* وأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ودِيارَهُمْ وأَمْوالَهُمْ وأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وكانَ الله عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيراً.

محمد طاهر الصفار

..............................................................................................

1 ــ الكتاب المقدس سفر التثنية الإصحاح 20  الفقرات من 10 ــ 16

2 ــ الأحزاب: 26- 27 

gate.attachment