الإمام محمد الجواد (ع) .. المدرسة الإلهية

الأدب الحسيني

2019-03-17

387 زيارة

من الملفت للنظر في حياة الإمام محمد الجواد (ع) هو تفرّده عن باقي الأئمة في القيام بدور الإمامة في سن صغير جداً لا يعقل معه ــ في أذهان من انحرفوا عن عقيدة أهل البيت والنص القرآني ــ أن يتقلد إمامة المسلمين, فقد كان عمره الشريف لا يتجاوز السبع سنوات, فكان من الطبيعي أن يواجه تحديات كبيرة من قبل فقهاء السلطة وأعداء أهل البيت وهو يتصدّى لزعامة الشيعة بعد أبيه الإمام الرضا (ع) والذين حاولوا استغلال صغر سنه في توهين المذهب والانتقاص من مدرسة أهل البيت والطعن في شرعيتها ظنا منهم أنه (ع) سيكون عاجزاً أمام اختباراتهم ومؤآمراتهم ولكنه (ع) كان كفؤاً للمهمة الملقاة على عاتقه وأهلا للأمانة المناطة به فقام بدوره العظيم بعد أبيه في مواصلة المسيرة القيادية التشريعية الكبرى للأمة ورد كيد الكائدين إلى نحورهم.

فلم يقف سنه الصغير هذا عائقاً عن إداء مسؤوليته في حمل الأمانة التي فرضها الله عليه لهداية الناس وترسيخ مفاهيم الإسلام في المجتمع فكانت سيرته امتداداً لسيرة آبائه الأطهار فكراً وعلماً وخلقاً فكان شبيهاً بنبي الله يحيى في اصطفائه من قبل الله تعالى للنبوة كما في الآية الكريمة (وآتيناه الحكم صبيا) وهذا دليل واضح وبرهان ساطع على أن الخلافة والإمامة بعد النبي هي نص من الله وليس اختياراً بين الناس.

وتتجلى عظمة الإمام الجواد (ع) في كثير من الجوانب المشرقة في حياته فقد كان الوريث لعلوم النبي وآله وسليل باب مدينة العلم وسيد الناس في وقته علماً وأدباً وخلقاً وكرماً وسماحة وشجاعة وزهداً وورعاً وتقوى, وقد جسد كل هذه المثل والخصال أروع تجسيد في كل مراحل حياته الشريفة.

والحديث عن خصاله العظيمة وصفاته الكريمة مما لا يدرك رغم قصر عمره الشريف ففي كل هذه المناحي كان هالة من النور والقداسة والمثل الأعلى للأخلاق الفاضلة والعلم الجم حتى أذهل علماء عصره وأفذاذهم, وفي استعراض الأقوال التي قيلت فيه يلاحظ من خلالها ما جسده من عظمة وما مثله من شخصية الإنسان الكامل ويغنينا عن تلك الأقوال الكثيرة في حقه ما قاله في حقه أبوه الإمام الرضا (ع).

لقد نص الإمام الرضا (ع) عليه في أكثر من قول وموقف وأوصى باتباعه بعده منها قوله (ع): هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيرته مكاني), وقوله (ع) عند ولادته: (هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه) ... إلى غيرها من الأقوال التي دلت دلالة واضحة على اختصاص الإمام الجواد من الله بمقاليد الإمامة الإلهية التي لا تجوز لبشر سواهم (ع)

وإضافة إلى أقوال المعصوم فقد رأى الناس دلائل عظمته وتوسموا ملامح علمه وفضله وكان له هيبة وجلالة في قلوب جميع الناس على صغر سنه, وتدلنا رواية لقائه بعلي العريضي ابن الإمام جعفر الصادق على ذلك, فقد كان علي العريضي من سادات بني هاشم ومن أجلاء العلويين وكبار الطالبيين وكان (واحد عصره وفريد دهره، عابداً وفياً جواداً سخياً), كما كان (عالماً كبيراً) كما وصفته المصادر وهو عم الإمام الرضا (ع) وأصغر أولاد الإمام الصادق سناً وسمّي بالعريضي نسبة إلى قرية عُرَيض التي ولد وسكن بها وهي قرية من قرى المدينة.

كان العريضي في يوم جالساً في المسجد النبوي فدخل المسجد الإمام محمد الجواد فقام علي العريضي مسرعاً وقبّل يدي الإمام فقال له الإمام: اجلس يا عم .. رحمك الله. فقال له: يا سيدي كيف أجلس وأنت قائم !!

تعجّب الحاضرون من هذا المشهد وفغرت أفواههم دهشة وهم يرون هذا السيد الجليل من سادات بني هاشم يقبّل يدي غلام لم يتجاوز العقد الأول من عمره وهو يكبره بحوالي نصف قرن ! فلما خرج الإمام قال له بعض الجالسين أنت عم أبيه وتفعل هذا الفعل ؟ فقال لهم: اسكتوا إذا كان الله عز وجل لم يؤهّل هذه الشيبة ــ وأمسك لحيته البيضاء ــ وأهّل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه أأنكرُ فضله ؟ !! نعوذ بالله مما تقولون ! بل أنا له عبد.

وأقر له (ع) بهذه الجلالة والكرامة والهيبة حتى أعداؤه بعد أن رأوا فيه من الخصال ما لا تجتمع عند بشر غيره فعندما عوتب المأمون على تفضيله وإجلاله له وتزويجه ابنته أم الفضل قال: وأما أبو جعفر محمد بن علي قد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل مع صغر سنه والأعجوبة في ذلك ... ويحكم إني أعرف بهذا الفتى منكم وإن هذا من أهل بيت علمهم من الله ومواده وإلهامه لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حد الكمال.

وقال له أبو العيناء الشاعر المشهور وهو يعزيه باستشهاد أبيه الرضا ويعترف بقصور ما يقول أمام بلاغة الإمام: أنت تجلّ عن وصفنا, ونحن نقلّ عن عظتك, وفي علم الله ما كفاك, وفي ثواب الله ما عزّاك)

وهناك أقوال كثيرة في حقه في مصادر الفريقين منها:

محمد ابن طلحة الشافعي: وإن كان صغير السن فهو كبير القدر رفيع الذكر ..

سبط ابن الجوزي الحنفي: كان على منهاج أبيه في العلم والتقى والزهد والجود ..

ابن حجر العسقلاني: بلغ في العلم والحكمة والحلم ما برز به على جميع العلماء ..

الجاحظ: عالم زاهد عابد شجاع جواد طاهر مطهر ..

شمس الدين الذهبي: كان من سروات آل بيت النبي وكان أحد الموصوفين بالسخاء فلذلك لقب  بالجواد ...

يوسف إسماعيل النبهاني: أحد أكابر الأئمة ومصابيح الأمة من ساداتنا أهل البيت

محمد وهيب البغدادي: هو الوارث لأبيه علماً وفضلاً وأجلّ أخوته قدراً وكمالاً

خير الدين الزركلي: كان رفيع القدر كأسلافه

وقد أشار الإمام الرضا إلى إمامته وفضله والوصية إليه لأصحابه فلما استغربوا صغر سنه وكان عمره ثلاث سنوات ؟ قال (ع): وما يضره من ذلك ؟ قد قام عيسى بالحجة وهو ابن أقل من ثلاث سنين.

وقال (ع) لدعبل الخزاعي: يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني وبعد محمد علي وبعد علي الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر.

وقال (ع) لأحد أصحابه وقد سأله: يا سيدي إن كان كون فإلى من ؟ ــ أي من يلي بعدك الإمامة ــ فقال الإمام الرضا إلى أبي جعفر ابني. فكأن القائل استصغر سن الإمام الجواد (ع) فقال له الإمام الرضا: إن الله تبارك وتعالى بعث عيسى بن مريم رسولاً نبياً صاحب شريعة مبتدأه في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر.

كان الإمام الرضا (ع) يمهد لإمامة الجواد من بعده ويزيح الشكوك التي قد تصيب بعض أصحابه وبقية الناس من إمامته لصغر سنه وهو ما حدث فعلا فبعد استشهاده (ع) في طوس ودفنه فيها عام 202هـ كان عمر الإمام الجواد سبع سنوات فإن ولادته الشريفة كانت عام 195هـ فتحيّرت الشيعة في بغداد وغيرها من المدن واجتمع كبراؤهم من أصحاب الرضا في دار عبد الرحمن بن الحجاج وكان منهم الريان بن الصلت وصفوان بن يحيى ومحمد بن حكيم ويونس بن عبد الرحمن وغيرهم وأقاموا مأتماً على الإمام الرضا وهم يبكون لمصابه الجلل لكنهم في نفس الوقت كان تفكيرهم حول الإمام بعده لكي يرجعوا إليه في أمور دينهم ودنياهم فافتح هذا الموضوع يونس بن عبد الرحمن بالقول:

دعوا البكاء , من لهذا الأمر وإلى من نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا ؟ ــ يعني الإمام الجواد ــ

كان هذا السؤال بمثابة الناقوس الذي ينذرهم بوجوب البحث والتقصي عن إمامهم بعد الرضا للرجوع إليه وزاد جواب الريان بن الصلت من حراجة الموقف بقوله:

إن كان أمره من الله جل وعلا فلو أنه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم وفوقه, وإن لم يكن من عند الله فلو عُمّر ألف سنة فهو واحد من الناس هذا مما ينبغي أن يفكر فيه. وكثرت الأسئلة والأجوبة والآراء ثم اتفقوا على الذهاب إلى المدينة المنورة في موسم الحج للإطلاع عن كثب على هذا الأمر

اجتمع ثمانون رجلاً من الشيعة في دار الإمام جعفر الصادق (ع) في المدينة بعد رجوعهم من مكة وكانت الدار خالية فسمع بهم عبد الله بن موسى بن جعفر الذي غرته الحياة الدنيا فجاء إليهم لعله يحظى بالإمامة بعد أخيه الرضا فتصدر المجلس في إشارة إلى أنه الوصي بعد أخيه وأمر أحد خدمه بالنداء قائلاً: هذا ابن رسول الله فمن أراد السؤال فليسأله!

لعل أشد ما قاساه الأئمة المعصومون (ع) في حياتهم هو ظلم بعض ذوي القربى من أبنائهم وأبناء عمومتهم فكانت أفعالهم تجاههم أسوأ ما مروا عليه في حياتهم، وهذا الظلم هو من أشد الظلم على الإنسان كما عبر عنه الشاعر:

وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً   ***   على المرءِ من وقعِ الحسامِ المهندِ

فقد سعت السلطة العباسية من أجل الحصول على المعلومات، إلى شراء الذمم حتى ذمم بعض العلويين وبذلت في سبيل ذلك الكثير من الأموال. فقد كان بعضهم من أجهزة السلطة وجواسيسها المكلفين بمراقبة الإمام المعصوم ورصد حركاته وسكناته وكان من هؤلاء محمد بن إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق الذي دخل على هارون العباسي وقال:

ما ظننت أن في الأرض خليفتين حتى رأيت عمي موسى بن جعفر يُسلم عليه بالخلافة، فأرسل اليه هارون مائة الف درهم (فرماه الله بالذبحة فما نظر منها إلى درهم ولا مسّه).

وهذا ما أثار كوامن حقد هارون على الامام الكاظم (ع)، فصمم على اعتقال الإمام والتخلص منه بنفسه، فذهب إلى المدينة في طريقه إلى الحج فأمر جلاوزته بالقبض على الإمام وأمرهم أن يتوجهوا به إلى البصرة وأمر عيسى بن جعفر المنصور الذي كان والياً من قبله بسجنه.

وهذا ابن عمه عبد الله بن موسى بن جعفر يتنكر لابن أخيه الإمام محمد الجواد في محاولة لانتزاع الإمامة منه ولكن محاولته باءت بالفشل فقد سأله الشيعة المجتمعون بعض الأسئلة فأعياه الجواب وأجاب بخلاف الصحيح فزاد حزنهم وحيرتهم واضطربوا واختلفت كلمتهم وهمّوا بالانصراف وقالوا لو كان محمد بن علي ــ الجواد ــ يعرف الجواب لجاء ولما كان من عبد الله هذا الموقف الفاشل وفيما هم يتهيأوون للقيام حدث ما خفق له قلوبهم أملاً !

دخل عليهم موفق خادم الإمام وهو يقول: هذا أبو جعفر ..

قام الجميع إليه بلهفة وسلموا عليه بحرارة وهم يتبركون بمصافحته فجلس وجلسوا فسألوه بما سألوا عمه عبد الله فأجابهم الجواب الشافي الوافي فغمرت المجلس السعادة وعلت الوجوه الابتسامة وهم ينظرون بحب إلى إمامهم ومآلهم وملاذهم فقال له بعضهم: إن عمك عبد الله أفتى بكذا وكذا, فالتفت الإمام إلى عمه وقال له:

لا إله إلا الله يا عم إنه عظيم عند الله أن تقف بين يديه فيقول لك: لم تفتي عبادي بما لم تعلم وفي الأمة من هو أعلم منك.

وبقيت الحكمة الإلهية عصية على أذهان البعض كما كانت عصية على الأمم السابقة في تصديقهم الأنبياء فكان الإمام يوضح لهم أن الإمامة عند الله كالنبوة يصطفي لها من يشاء من عباده ومن ذلك قوله (ع) لأحد أصحابه:

يا علي إن الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج في النبوة فقال جل وعلا: (وآتيناه الحكم صبيا), (ولما بلغ أشده), (وبلغ أربعين سنة), فقد يجوز أن يُؤتى الحكمة وهو صبي ويجوز أن يؤتاها وهو ابن أربعين سنة.

ثم يستشهد الإمام (ع) على ذلك بأمير المؤمنين (ع) فيقول: وما ينكرون من ذلك قول الله عز وجل, لقد قال الله عز وجل لنبيه: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) فوالله ما تبعه إلا علي وله تسع سنين وأنا ابن تسع سنين.

وقال لمن نقل إليه قول الناس في حداثة سنه: إن الله تعالى أوحى إلى داوود أن يستخلف سليمان وهو صبي يرعى الغنم، فأنكر ذلك عبّاد بني إسرائيل وعلماؤهم، فأوحى الله إلى داوود أن خذ عصي المتكلمين وخذ عصا سليمان واجعلها في بيت واختم عليها بخواتيم القوم، فإذا كان من الغد، فمن كانت عصاه قد أورقت وأثمرت، فهو الخليفة، فأخبرهم داوود فقالوا لقد رضينا وسلمنا.

محمد طاهر الصفار

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً