أبو فراس الحمداني .. فارس الشعر وشاعر الفروسية

الأدب الحسيني

2019-02-16

368 زيارة

 

ربما لم تترك مقولة الصاحب بن عباد للدارس في شعر أبي فراس الحمداني أن يدعي أنه في دراسته قد أحيا ذكراً لأبي فراس عندما قال قولته الشهيرة: (بُدئ الشعر بملك وختم بملك) يعني إمرأ القيس وأبا فراس الحمداني.

حقاً إن من يستقرئ ديوان أبي فراس قراءة وافية ويستعرض حياته والأحداث التي عاصرها ليحس أن مصادر التاريخ والأدب التي تعرضت لترجمته لا تفي بالمرام فهي مفردات مكررة وكلها تستقي من موارد قليلة أهمها كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وعن هذه الموارد القديمة القليلة أخذ من كتب عن أبي فراس مستنداً إلى الكلمات (الضخمة) التي أطلقها القدماء عليه ولم يحاول تسليط الضوء أكثر على حياته وفق التحليل والاستنتاج.

إن حياة أبي فراس على قصرها ــ 38 عاماً ــ قد حفلت بالكثير من المآثر والبطولات وتحتاج إلى كتب عديدة ومراجعات طويلة لسبر غورها. كما أن ديوانه بحاجة إلى من يشرحه شرحاً وافياً ويخرجه من مهملات التاريخ ففيه ما يخلد صاحبه في أذهان كل شاعر وأديب.

وربما يأتي في هذا العصر من يلقي أنواراً على ظلمات التاريخ ويرجع وفي جعبته مرآة العلم الصادقة والنقد الصحيح ؟ ورغم يقيننا أن هذا المقال لا يفي بالغرض الذي قصدناه إلا أننا توخينا الحرص وأزلنا بعضاً من أحجار القنوط في سلوك جزء من الغاية طبقاً لقاعدة (مالم يدرك كله لا يترك جله).

هو شاعر نشأ على ترف الحياة وميسورها ورغدها لكنه لم يألف هذه الحياة بل ألف حياة الجهاد والصعاب ورحى الحرب وكان يحس أنه قد خلق للسيف والرمح:

وقائمُ سيفي فيـــــهمُ دقّ نصله   ***   وأعقاب رمحي منهم حطَّمَ الصدرُ

سيذكرني قومـي إذا جدَّ جدّهم   ***   وفي الليلةِ الظلمـــــــاءِ يُفتقدُ البدرُ

هو شاعر لم يمنعه وقوعه في الأسر من الافتخار بنفسه:

ما للعبيــــــــــدِ من الذي يقضي به الله أمتناعُ

ذُدت الأسودَ عن الفرائسِ ثم تفرسني الضباعُ

هو شاعر لم يعرف لعزمه حدود وبين أضلاعه قلب تضطرم فيه النيران:

إني أبيت قليـــــل النوم أرّقني   ***   قلب تصـــــــــــارع فيه الـهمُّ والهممُ

وعزمةٌ لاينام الليـــل صاحبها   ***   إلا على ظفرٍ فــــــــــــــي طيّه كرمُ

يصان مهري لأمر لا أبوح به   ***   والدرعُ والرمحُ والصمصامة الخذمُ

فما هي هذه العزمة التي لا ينام لأجلها أبو فراس ؟ ذلك ما لم يشر إليه المؤرخون الذين اهتموا بالبلاغة والجزالة أكثر من المعنى وهناك سؤال آخر: هل سارت الأمور وفق ما يريد الشاعر في تحقيق طموحه ذلك ما سيكشفه هو في هذه الأبيات:

تصفّحتُ أقوالَ الـرجالِ فلم يكنْ   ***   إلى غير شاكٍ للزمانِ وُصولُ

أكلّ خليلٍ هكـــــذا غير منصفٍ   ***   وكلُّ زمــــــــانٍ بالكرامِ بخيلُ

نعمْ دعتِ الدنيا إلى الغدرِ دعوةً   ***   أجابَ إليها عــــــــالمٌ وجهولُ

أبو فراس ..

هو أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون بن الحارث ابن لقمان بن راشد بن المثنى بن رافع بن الحارث بن عطيف بن محربة بن حارثة بن مالك بن عبيد بن عدي بن أسامة بن مالك ابن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب الحمداني التغلبي.

ولد بـ (منبج) وهي بلدة بين حلب والفرات سنة 321 هـ فنشأ فارساً شاعراً جمع بين إمارتي السيف والقلم، إمتاز شعره بالسلاسة والرقة والحس والسهولة لاسيما قصائده (الروميات) حتى قيل هو أشعر من عبد الله بن المعتز وقد ترجمت أشعاره إلى اللغة الألمانية وظهرت لأول مرة في طبعة ليدن سنة 1895 ترجمها (المسيو دو فوراك) وقد جمع ديوانه (ابن خالويه).

قال عنه الثعالبي: كان فرد دهره وشمس عصره أدباً وفضلاً وكرماً ونبلاً ومجداً وبلاغة وبراعة وفروسية وشجاعة وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة والمتانة ومعه رواء الطبع وسمة الظرف وعزة الملك ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز، وأبو فراس يعد أشعر منه عند أهل الصنعة، ونَقَدة الكلام وكان الصاحب يقول: (بُدئ الشعر بملك وختم بملك) يعني إمرأ القيس وأبا فراس، وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته ولا يجترئ على مجاراته، وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان تهيباً له وإجلالاً لا إغفالاً وإخلالاً، وكان سيف الدولة يعجب جداً بمحاسن أبي فراس ويميزه بالإكرام عن سائر قومه ويصطنعه لنفسه ويصطحبه في غزواته ويستخلفه على أعماله، وأبو فراس ينثر الدر الثمين في مكاتباته إياه ويوافيه حق سؤدده ويجمع بين أدبي السيف والقلم في خدمته.

كان أبو فراس يسكن منبج وينتقل في بلاد الشام في دولة ابن عمه سيف الدولة الحمداني وكان يشاركه معاركه ضد الروم وقد أُسر مرتين الأولى في مغارة الكحل سنة 348 هـ والثانية في منبج سنة 351 هـ ، وفيها أسر وهو جريح وقد أصابه سهم في فخذه وبقي نصله وحمل مثخناً إلى القسطنطينية وأقام في الأسر أربع سنين لتعذّر المفاداة وأخيراً استفكه من الأسر سيف الدولة سنة 355 هـ

وقد كانت تصدر أشعاره في الأسر والمرض وفرط الحنين إلى أهله وأخوانه والتبرم بحاله ومكانه عن صدر حرج وقلب شجي تبكي سامعها وقد جمعت هذه الأشعار وسمَّيت بالروميات. وهذه الروميات تعد قمة من قمم الأدب العربي حتى عدّها النقاد القدماء مع هاشميات الكميت ونقائض جرير والفرزدق وحجازيات الشريف وخمريات أبي نؤاس وسيفيات المتنبي على أنها من أفضل ما انتجته العربية على مدى تاريخها الطويل، يقول أبو فراس في إحدى هذه الروميات والتي مطلعها:

أراك عصِيَ الدمــــــــعِ شيـمتكَ الصبرُ   ***   أما للهوى نهيٌ عليـــــــك ولا أمرُ

(أُسرت وما صحبي بعُزلٍ لدى الوغى)   ***   ولا فرسي مـــــهرٌ ولا رَبَّــه غمرُ

ولكن إذا صُم القضـــــــــاءُ على إمرئٍ   ***   فليس له بـــــــــــــرٌّ يقيـه ولا بحرُ

وقال أُصيــــــــــحابي الفرار أو الردى   ***   فقلتُ هما أمــــــرانِ أحـلاهُما المرُ

ولكنني أمضي لمــــــــــــــــا لا يعيبني   ***   وحسبك من أمرين خيـرهما الأسرُ

ولست كمن ردّ الردى بمــــــــــــــــذلةٍ   ***   كما رده يـــــــــوماَ بسـوأتهِ عمرو

ونحن أنـــــــــــــــــاسٌ لا توسّط عندنا   ***   لنا الصدرُ دون العالمـيــن أو القبرُ

تهون علينا في المعــــــــــــالي نفوسُنا   ***   ومن خَطَبَ الحسناء لم يُغلها المهرُ

وتثقل به الجراح ويطول أسره فيكتب إلى والدته يعزّيها بنفسه:

وإن وراءَ السترِ أمّــــــــــــــــاً بكاؤها   ***   عليَّ وإن طـــــــالَ الزمانُ يطولُ

فيا أمتـــــــــــــــا لا تعدمي الصبر أنه   ***   إلى الخيرِ والنجحِ القريبِ رسولُ

ويا أمتا لا تحبــــــــــــــطي الأجر أنه   ***   على قَدَرِ الصبرِ الجميـــلِ جزيلُ

(تناســــــــانيَ الأصحابُ إلا عصابةً)   ***   ستلحق بالأخــــــرى غداً وتحولُ

والظاهر من قوله: أُسرت وما صحبي بعُزلٍ لدى الوغى, وتناسانيَ الأصحاب إلا عصابةً, أن هناك من له مصلحة في أسره حسداً له لإبعاده عن مركزه ومكانته المرموقة في الدولة ويتضح ذلك من قوله وهو يصف أيامه ومنازله بمنبج وكانت ولايته وإقطاعه وداره بها ويعرض بقوم بلغه شماتتهم فيه وهو في أسر الروم:

(لا يشمتنَّ بمــــوتِنا)   ***   إلا فتـــى يفنى ويبلى

يغتر بالدنيا الجـهول   ***   وليسَ في الدنيا محلى

ويتضح ذلك أكثر في قول الثعالبي: كتب أبو فراس إلى سيف الدولة: مفادتي أن تعذرت عليك فأذن لي في مكاتبة أهل خراسان ومراسلتهم ليفادوني وينوبوا عنك في أمري ثم كتب له:

أتنكرُ أنّــي شكوتُ الزمان   ***   وإني عتبتكَ فيمنْ عتبْ

(فلا تنسبــنَّ إليَّ الخمول)   ***   أقمتُ عليكَ فلم أغتربْ

ولما يبلغه وفاة أمه وهو في الأسر يرثيها رثاء مفجعاً:

أيا أمّـــاه كمْ هولٍ طويلٍ   ***   مضى بكِ لم يكن منه نصيرُ

(أيا أمّاه كم سرٍ مصونٍ)   ***   بقلبكِ مأأأأاتَ ليسَ له ظهورُ

وهناك قصائد أخرى تجري على هذا المنوال تركناها خشية الإطالة.

يلاحظ القارئ أن الأشطرُ التي وضعناها بين قوسين تحمل معاني كثيرة وكبيرة لم يتطرق إليها المؤرخون لا قديماً ولا حديثاً، فقد أسر أبو فراس وأصحابه مدججون بالسلاح كما يقول هو فلماذا لم يستنقذوه (أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى) ثم لما أسره الروم لماذا تناسوه أصحابه (تناساني الأصحاب إلا عصابة) ولماذا شمتوا به ؟ (لا يشمتن بموتنا) ولماذا نسب إليه سيف الدولة الخمول مع أنه أبلى بلاءً عظيماً في قتاله للروم (فلا تنسبن اليَّ الخمول) ثم ما هو السر المصون الذي أخفته أمه ومات في قلبها ولم تظهره لأحد.

كل هذه الأسئلة وغيرها تحتاج إلى دراسة مستفيضة عن الدولة الحمدانية وتأسيسها وسيرة أمرائها وما جرى وراء الأستار من دسائس ومؤامرات وصفقات ونحن لا نريد في مقالنا القصير هذا الخوض في هذا الموضوع الذي يحتاج إلى دراسات مطولة وكل ما أردناه هو أن يأخذ المؤلفون بنظر الاعتبار مثل هذه المعاني في أشعار أبي فراس.

الديوان

لعل أهم ما يطالع في ديوان أبي فراس هي ميميته الخالدة المسماة بالشافية والتي تبلغ (58) بيتاً فقد احتوت إضافة الى بلاغتها وجزالتها أحداثاً تاريخية مهمة ضمّنها أبو فراس في أبياتها، فالقصيدة في مضمونها العام تتحدث عن جرائم بني العباس تجاه أهل البيت (ع) والمسلمين وتنكيلهم بالناس وغدرهم وفظاعة أعمالهم الوحشية كما احتوت على الأدلة والبراهين على أحقية أهل البيت (ع) بالأمر يقول أبو فراس يخاطب بني العباس:

أتفخـــــــــــرون عليهم لا أباً لكمُ   ***   حتى كــــــأنَّ رسولَ اللهِ جدّكمُ

وما توازن فيما بينكـــــــم شرفٌ   ***   ولا تساوت لكم في موطنٍ قدمُ

ولا لكم مثلهم في المجد متصــلٌ   ***   ولا لجــــــــــدِّكمُ مَسْعاةُ جدِّهمُ

ولا لعرقِـكمْ من عرقِــــــهم شبهٌ   ***   ولا نثيــــــــــلتكم من أمِهم أممُ

ثم يذكر النص الإلهي الذي خصّهم بالخلافة بعد النبي (ص):

قام النبيُّ بها يـــــــــــومَ الغديرِ لهم   ***   والله يشهدُ والأمـــلاكُ والأممُ

حتى إذا أصبحتْ في غيرِ صاحبِها   ***   باتت تنازعُها الذؤبانُ والرخمُ

وصيّروا أمـــــــرهم شورى كأنهمُ   ***   لا يعرفــــــون ولاة الحق أيُّهمُ

فبنو العباس لم يكونوا في يوم من الأيام مؤهلين للخلافة منذ صدر الإسلام:

ثم أدعاها بنو العبـــــاسِ ملكهمُ   ***   ولا لهمْ قدَمٌ فيـــها ولا قَدمُ

لا يذكرون إذا ما معشرٌ ذكروا   ***   ولا يحكّم في أمر لهم حَكمُ

ولم يتساوَ أحد من بني علي (ع) مع واحد من بني العباس لا في الشرف ولا في النبل والأخلاق:

ليس الرشيدُ كموسى في القياس ولا   ***   مأمونكم كالرضا لو أنصف الحكمُ

يا باعة الخمـــرِ كفّوا عن مفاخركم   ***   لمعشرٍ بيعهم يـوم الهيــــــــــاجِ دمُ

خلوا الفخارَ لعـــــــلّامين أن سُئلوا   ***   يوم السؤالِ وعـمّــالين أن عـــلموا

لا يغضبون لغيــــر اللهِ إن غضبوا   ***   ولا يضيعون حـكم الله إن حكـــموا

تُنشا التلاوة في أبيــــــــاتِهم سحراً   ***   وفي بيوتــــــــــكمُ الأوتارُ والنــغمُ

منكمُ عليّةَ أم منـــــــــهم وكان لكم   ***   شيخُ المغنـيــــــــــن إبراهيم أم لهمُ

ما في ديــــــــارهمُ للخمرِ معتصرٌ   ***   ولا بيوتــــــــــــــهم للسوءِ معتصمُ

إذا تلوا ســـــــــــورةً غنى إمامكمُ   ***   قِفْ بالطـــلولِ التـــي لم يعفها القدمُ

الركنُ والبيــــتُ والاستارُ منزلهم   ***   وزمزمٌ والصفــا والحــجرُ والحرمُ

والقصيدة كلها على هذا المنوال وقد أنشدها أبو فراس وأمر خمسمائة سيف أن تشهر في المعسكر، وشعر أبي فراس طافح بهذه النفحة الولائية الممتزجة بالعقيدة الصادقة لأهل البيت (ع) وهو في كل مناسبة يستذكر مآثرهم لاسيما حادثة الغدير التي طالما تغنى بها الشاعر في قصائده، فلنستمع إليه في أحدى هذه القصائد وهو يعدد بعض خواص أمير المؤمنين (ع):

إذ قالَ يومَ غديـــــــــــــــــرِ خمٍ معلناً   ***   من كـــنتُ مولاهُ فذا مولاهُ

هذي وصيــــــــــــــــــته إليه فأفهموا   ***   يا من يـقولُ بأن ما أوصـاهُ

أقروا من القرآن مـــــــــــا في فضله   ***   وتأمَّلوه وأفهموا فحـــــــواهُ

لو لم تنــــــــــــــــزل فيه إلّا هلْ أتى   ***   من دونِ كلِّ منـــــزّلٍ لكفاهُ

من كان أوَّلَ من حوى الــقرآن ؟ من   ***   لفظ النبيِّ ونــــطقه وتلاهُ ؟

من كانَ صاحبَ فتحِ خـيبرَ من رمى   ***   بالكفِّ منــــه بـابَه ودحاهُ ؟

من عاضدَ المختارَ مِن دونِ الورى ؟  ***   من آزرَ المختـارَ من آخاهُ ؟

من باتَ فوق فـــــــــــــراشهِ متنكراً   ***   لما أطلَّ فــــــــراشَه أعداهُ ؟

كما لا ينسى أبو فراس يوم الطف وما جرى على الإمام الحسين الشهيد (ع) في ذلك اليوم الذي بكت السماء دماً فلا عذر فيه لذي عينين من البكاء ولا ذي مهجة من أن تنفطر:

إذ قال أسـقوني فعُــــوِّض بالقنا   ***   عن شربِ عذبِ الـماءِ ما أرواهُ

فاجتُزّ رأسٌ طالــــما من حجرِهِ   ***   أدنته كفّا جــــــــــــــــــدِّه ويداهُ

يومٌ بعيـــــــــــــنِ اللهِ كان وإنِّما   ***   يُملي لظلمِ الظــــــــــــالمين اللهُ

يومٌ عليه تغيّرت شمسُ الضحى   ***   وبكت دمــــــــاً مما رأته سماهُ

لا عذر فيه لمهجــــــةٍ لم تنفطر   ***   أوذي بكــــــــاءٍ لم تَفُضْ عيناهُ

حتى يصل إلى قوله:

أظننتمُ أن تقــــــــــتلوا أولادَه   ***   ويظلكــــــــم يومَ المعادِ لواهُ

أو تشربوا من حوضِهِ بيمينه   ***   كأساً وقد شربَ الحسينُ دماهُ

طوبى لمن ألفــــاهُ يومَ أُوامِه   ***   فاستلّ يــــــــومَ حياتهِ وسقاهُ

قد قالَ قبلاً من قـريضٍ قائلٌ   ***   (ويل لمن شفعـــاؤه خُصماهُ)

أنسيتمُ يومَ الكســــــــاءِ وأنه   ***   ممن حواهُ مع النـــــبيِّ كساهُ

يا ربِّ إنّي مهتدٍ بهـــــــداهمُ   ***   لا أهتدي يوم الهـــدى بسواهُ

أهوى الذي يهوى النبيَّ وآلِهِ   ***   أبداً وأشنأ كل من يشنــــــــاهُ

وهو يرجو النجاة بشفاعة النبي (ص) وآله (ع) وبلوغ الأماني يوم القيامة:

لستُ أرجو النجاةَ من كلِّ ما أخشــــاهُ إلا بأحمدٍ وعلي

وببنتِ الرسولِ فاطمـة الطهرِ وســــبطيهِ والإمامِ علي

والتقيِّ النقيِّ بـــــــــــاقرِ عــــلمِ اللهِ فينا محمدِ بن علي

وأبي جعفر موسـى ومـــــولايَ علي أكرم به من علي

وابنه العسكري والقــــــــائمِ المظهرِ حقَّيْ محمدٍ وعلي

بهمُ أرتجي بلوغَ الأماني يوم عرضي على الإلهِ العلي

وله كثير من هذه الأشعار التي تعطرت بحبه وولائه لأهل البيت (ع)

مقتله

قتل أبو فراس في ظروف غامضة سنة 357 هـ، قال الثعالبي: دلت قصيدة قرأتها على أبي إسحاق الصابئ في مرثية أبي فراس على أنه قتل في وقعة كانت بينه وبين موالي أسرته.

ونترك ابن الأثير ليروي بعضاً من هذه الواقعة حيث يقول: لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص وتطلع إليها وكان مقيماً بها فاتصل خبره إلى ابن أخته أبي المعالي بن سيف الدولة وغلام أبيه قرعويه وجرت بذلك بين أبي فراس وبين أبي المعالي وحشة فطلبه أبو المعالي فانحاز أبو فراس إلى (صَدَد) وهي قرية في طريق البرية عند حمص فجمع أبو المعالي الأعراب من بني كلاب وغيرهم وسيّرهم في طلبه مع قرعويه فأدركه بصَدَد فكبسوه فاستأمن أصحابه واختلط هو بمن استأمن معهم فعرفه قرعويه فقال لغلام له: اقتله فقتله وأخذ رأسه وتركت جثته في البرية حتى دفنها بعض الأعراب.

وذكر أكثر من مصدر: أنه لما بلغ أخته أم أبي المعالي وفاته قلعت عينها وقال ابن خالويه: بلغني أن أبا فراس أصبح يوم مقتله حزيناً كئيباً وكان قد قلق في تلك الليلة قلقاً عظيماً فرأته ابنته امرأة أبي العشائر كذلك فأحزنها حزناً شديداً ثم بكت وهو على تلك فأنشأ يقول كالذي ينعى نفسه وإن لم يقصد وهذا آخر ما قاله من الشعر:

أبنيَّتي لا تحـــــزني   ***   كلُّ الأنـــــــــامِ إلـى ذهابِ

أبنيتي صبـــراً جميــــــــــــــلاً للجليلِ من المـصـــــابِ

نوحي عليَّ بحسرةٍ   ***   من خلـفِ ستركِ والحجابِ

قولي إذا نـــاديتني   ***   فعييــــــتِ عن ردِّ الـجوابِ

زين الشبابِ أبو فراسٍ لـــــــــــــــــــــــم يمتَّع بالشباب

محمد طاهر الصفار

...............................................................................

1 ــ يتيمة الدهر ج 1 ص 57  

2 ــ يتيمة الدهر ج 1 ص 97

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً