المضامين التربوية في الصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام)

نفحات إسلامية

2019-02-05

917 زيارة

 

م. صادق عباس هادي الطريحي

تعد الصحيفة السجادية أو (زبور آل محمد) إحدى المأثورات الخالدات لأهل البيت (عليهم السلام) وهي مجموعة من الأدعية المباركة وصلتنا عن طريق الإمام السجاد (عليه السلام) بسند صحيح وموثق. والدعاء أسلوب جميل من أساليب النثر الفني في الأدب العربي، يتميز بوضوح العبارة، ودقة التركيب، ورقة التقفية، وبمسحة إلهية على المجاز، ويمتح صوره ومضامينه من القرآن الكريم، وهو كما يقول أستاذنا الدكتور حسين علي محفوظ " من بدائع بلاغات النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام التي لم يرق إليها غير طيرهم، ولم تسم إليها سوى أقلامهم" (محفوظ،1967،ص 45)

وفضلاً عن القيم الجمالية والأدبية في الصحيفة السجادية، فإنها احتوت على الكثير من النصوص التي عالجت موضوعات العقيدة الإسلامية وحقوق الانسان والأسرة والمعاملة مع الآخر، كل ذلك بأسلوب أدبي راقٍ ومميز بنفحته الإلهية وبروحه النبوية الشريفة.

ويرمي هذا البحث إلى تحليل بعض المضامين التربوية التي حفلت بها الصحيفة السجادية وبيان أهميتها المعرفية وقيمتها العلمية المعاصرة.

 

  • الصحيفة السجادية وأهميتها

جاءت الصحيفة السجادية في أربعة وخمسين دعاءً في موضوعات مختلفة، وعلى كثرتها فإنها لا تخلو من فصاحة التعبير وقوة الروح (مبارك، 1937، ص 53) فقد ضمنها الإمام آيات مباركة من القرآن الكريم، والتضمين أسلوب أدبي راق يمزج بين نصين فينصهران معاً، وقد جاءت خالية من الفضول والتكرار بأطوال متباينة للأدعية لتتناسب مع موضوع الدعاء.

وتنتهي رواية الصحيفة المباركة إلى الإمامين الباقر وزيد أبناء الإمام زين العابدين (عليهم السلام) موصولة بسند لا يدركه الشك أو الريب. وقد أحصى أسانيدها العلامة المجلسي (ت 1070ه) فوجد أنها تزيد على ألف ألف سند. وقال العلامة محمد باقر الداماد (ت 1041ه) والفيض الكاشاني (ت 1091ه ) والسيد نعمة الله الجزائري (ت 1112ه) إنها متواترة، ونقلت عن مشايخهم بإسناد متصل إلى الإمام. وفي هذا العصر يرويها الكثير من الأفاضل من مختلف الأمكنة، ويحرصون على حفظها، والدعاء بأدعيتها. 

وقد وصلت إلينا بعدة نسخ، تعد من أمات النسخ؛ منها : نسخة ابن إدريس الحلي (ت 598 ه) ونسخة الشهيد الأول (أستشهد 786ه) ونسخة الشهيد الثاني (أستشهد 966 ه) (محفوظ، 1967، ع ، 10، ص 49ـ 51)

وكتب حاشية عليها، وشرحها في عصور مختلفة جماعة من أعلام العلماء؛ ذكر أستاذنا الدكتور حسين علي محفوظ خمس عشرة حاشية، وثمان وخمسون شرحاً، ويذكر الباحث منهم؛ ابن إدريس الحلي (ت 598 ه) والمحقق الكركي، علي بن عبد العالي (ت 940ه) والشيخ عباس البلاغي من القرن الحادي عشر الهجري، والشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد العاملي (ت 1031ه) والشيخ فخر الدين الطريحي (ت 1085) والشيخ علي بن أبي جعفر محمد بن جمال الدين الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني (ت 1104ه) والسيد صدر الدين علي خان المدني (ت 1118 ه) والسيد محسن بن احمد الشامي، الزيدي (ت1251ه) (محفوظ،1967، ع 10، ص 55 ـ 61)

    ومن الشروح المعاصرة للصحيفة كتاب (آفاق الروح في أدعية الصحيفة السجادية) في جزءين للسيد محمد حسين فضل الله، وكتاب (خواتم الخير) وهو قراءة نصية في الدعاء المسمى بهذا الاسم من أدعية الصحيفة السجادية للدكتور إحسان بن صادق اللواتي. وألف الدكتور محمد كريم الكواز كتاباً مهماً هو (النص والخطاب في الصحيفة السجادية) وهو دراسة أدبية حديثة بوصف الدعاء أحد الأجناس الأدبية.

وقد ترجمت الصحيفة إلى الفارسية، والإنكليزية، والأردوية، والفرنسية، وتيمن بكتابتها ومشقها مشاهير الخطاطين والكتاب، وطبعت بعدة طبعات، في طهران، وتبريز، وبمبي، وكلكتة، وبيروت ودمشق وبغداد (محفوظ،1967، ع، 10، ص 63)

ولعل أفضل تعبير عن أهمية الصحيفة السجادية ما كتبه الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر في مقدمته للصحيفة " أن الصحيفة السجادية تعبر عن عمل اجتماعي عظيم كانت ضرورة المرحلة تفرضه على الإمام إضافة إلى كونها تراثاً ربانياً فريداً يضل على مر الدهور مصدر عطاء ومشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب وتظل الإنسانية بحاجة إلى هذا التراث المحمدي العلوي" (الصحيفة السجادية، 15).

  • أدب الدعاء وجمالياته الأدبية وتأثيره الروحي وبعض جوانبه المعرفية.

يمثل الدعاء في حقيقته المعاني القيمة التي تتبلور في نفس الداعي، فيتوجه عميقاً نحو الذات الإلهية، ثم الفناء في وجوده الواجب ثم الرجوع إلى عالم المادة لأداء مهمة الروح العليا، من عدالة وحق وصدق، فيتخلص الإنسان من ربق العبوديات سوى عبادة الله الواحد الصمد (الجلالي، ) وفي رواية زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) (إن أفضل الدعاء ما جرى على لسانك) (الحر العاملي ، ج4 ، ص1171) ويتضح لنا من هذا الحديث القيمة الروحية للدعاء، وإنه بالأساس مناجاة داخلية بين الإنسان وربه.

والدعاء جانب مهم من الأدب العربي، لم يشر له المؤرخون في تأريخ الأدب؛ فتجاهله الأدباء، وأغفله النقاد، وكادوا يطمسون الإشارة إلى بلاغته، إلاّ أن بعض النحاة والأدباء والنقاد تنبهوا إلى هذا الأمر؛ فاحتج النحاة وأصحاب المعجمات في تصانيفهم بحديث الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) وروى النويري في كتابه نهاية الأرب طائفة من الأدعية المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). جاء في خزانة الأدب " الصواب جواز الاحتجاج بالحديث النبوي في ضبط ألفاظه، ويلحق به ما روي عن الصحابة وأهل البيت عليهم السلام، كما صنع الشارح المحقق الرضي" (البغدادي، ج1، ص704)

ويأتي الدعاء في القرآن الكريم بمعنى النداء، قال الله سبحانه وتعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186) يتبين من هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى قريب من العبد مع أن النداء يستعمل في اللغة لمحادثة البعيد. ويأتي الدعاء بمعنى العبادة أيضاً، قال سبحانه وتعالى (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ) (الفرقان: 68) والدعاء مما يوصي به الأدب في القرآن الكريم والسنة النبوية المباركة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يدخل الجنة رجلان، كانا يعملان عملا واحداً، فيرى أحدهما صاحبه فوقه، فيقول: يا ربّ بما أعطيته وكان عملنا واحداً، فيقول الله تبارك وتعالى، سألني ولم تسألني. ثم قال صلى الله عليه وآله، اسألوا الله وأجزلوا، فإنه لا يتعاظمه شيء. (بن فهد الحلي،42)

وقد مارس الأنبياء (عليهم السلام) جميعاً هذه الرياضة الروحية، فمنها ما جاء على لسان نوح (عليه السلام) (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ) (نوح : 28) ومنها ما جاء على لسان ابراهيم الخليل (عليه السلام) (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا) (ابراهيم 35) ومنها ما جاء على لسان موسى (عليه السلام) (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)  (طه: 25) ويوصي الله سبحانه وتعالى بالدعاء، فقد جاء في سورة الاسراء (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) (الإسراء: 80) ومن الواضح أن الدعاء تذكير للمؤمنين بمعنى العبودية والإيمان بأن الأمر كله لله سبحانه وتعالى، ومن الورع والتقوى أن يدعو الانسان ربه ويسأله العون والغفران.

      ولأهمية الدعاء وقيمته الروحية وضع أهل العرفان مجموعة من الآداب لممارسة الدعاء منها؛ في أوقات معلومة مثل شهر رمضان، ويوم عرفة، والعيدين، وليلة الجمعة ويومها، وساعة السحر من الليل. وأن يستقبل الداعي القبلة، وأن يرفع يديه وأن يكون صوته بين المخافتة والجهر، وهي آداب مستلة من ممارسات الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار عليهم السلام (مبارك، ص40) ويمكن للباحث أن يشير إلى أهمية الدعاء وقيمته المعرفية من خلال الآتي:

    فمن جهة الأدب يزود الدعاء القارئ بثروة نفيسة من الألفاظ الجديدة والتعابير الإبداعية تساعده في زيادة قدرته الكتابية وتزداد مهاراته في التعبير الوظيفي أو الابداعي.

     أما من جهة المهارات اللغوية فإن الدعاء ينمي قدرة الفرد على حسن الإصغاء وتفهم المعنى (مهارة الإستماع) ومما لا شك فيه أن في الاستماع تتركز فنون القراءة والكتابة والمحادثة.

    أما من الجانب النحوي، فإن الدعاء يساعد القارئ والمستمع على تجنب اللحن بالكلام، واتقان مخارج الحروف، وتعرف القواعد النحوية، فقد روي عن الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام) : ما استوى رجلان في حسب ودين قط، إلا كان أفضلهما عند الله آدبهما، فسئل: فما فضله عند الله عز وجل، فقال : بقراءة القرآن كما نزل، وبدعائه الله عز وجل من حيث لا يلحن، وذلك لأن الدعاء الملحون لا يصعد إلى الله عز وجل. (الحر العاملي، ج 4، ص 1107)

     أما من جانب التربية؛ فإن الدعاء يمثل رياضة روحية على حسن الأدب مع الله، وكيفية الطلب منه، وتمثل قدرته وجبروته ورحمته في كل لحظة يهم فيها المرء بعمل ما، ثم شعور الفرد بعظمة الخالق والرغبة في التقرب إليه بالعمل الصالح.

 

  • المضامين التربوية في الصحيفة السجادية

تعد التربية الإسلامية ثمرة من ثمرات القرآن الكريم، فهي الترجمة العملية لتشريعاته وخططه في جعل الإنسان خليفة الله في الأرض، ويقوم الإسلام على عدد من الأصول العقائدية والطقوس التعبدية، ويدعو إلى الأخلاق الفاضلة والمساواة بين الأجناس والأعراق، ويحث على التفكير العلمي والنظر في الكون، ويحترم العمل والمعاملة الشريفة، وهذا ما جعل التربية الإسلامية تتصف بعدد من الخصائص التي ميزتها عن الأنظمة التربوية الأخرى؛ لأنها تستمد خصوصيتها من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية الشريفة، ومن العترة الطاهرة، وهي حلقات تكمل بعضها البعض.

وقد اختار الباحث بعض المضامين التربوية التي وردت في الصحيفة السجادية المباركة، لتكون مصداقاً على حيوية التربية الإسلامية.

التربية الوقائية : الإسلام دين الوقاية، وقد وردت في القرآن الكريم طائفة من الآيات والتشريعات التي تحث على الوقاية، فقد حرم الإسلام الزنا واللواط والخمر والميسر، ولا يخفى ضرر هذه السلوكيات المنحرفة على المجتمع.

     لذلك فقد ورد في دعاء الإمام السجاد (عليه السلام) في الاستعاذة من المكاره وسيئ الأخلاق ومذام الأفعال ( اللهُم ّ إني أعوذُ بكِ من هَيَجَان الحرصِ وسَوْرَة الغَضَبِ وغَلَبَة الحَسد وضَعف الصّبر وقلة القناعة وشَكاسَة الخُلُق وإلحاحِ الشّهوة ِ ومَلَكَة ِ الحَمَيةِ ومُتابَعة الهوى ومُخالفةِ الهدى وسِنة الغَفلة وتَعاطي الكلفة وإيثار الباطلِ على الحقّ والإصرار ِ على المَأثَم واسْتصغار المَعصية ...) (الصحيفة السجادية : 61)

     ولو تأملنا هذا الدعاء قليلاً لوجدنا أن الإمام (عليه السلام) يستعيذ من عدد من السلوكيات غير المرغوب بها؛ فإن الحرص يؤدي إلى العزوف عن مساعدة المحتاج، ويؤدي الغضبُ إلى التسرع في اتخاذ القرارات دون دراسة لعواقبها، أما الحسد فإنه يقلل من المودة بين الناس، وأما قلة الصبر فيدع الفرد في صراع داخلي، وتؤدي قلة القناعة إلى جعل الفرد يلهث دون أن يصل إلى الراحة أو الاستقرار، وتؤدي شكاسة الخلق إلى تدني المستوى الأخلاقي للمجتمع، أما الحمية فتستبدل علاقات الأخوة الإسلامية بعلاقات الجاهلية، ولعل إيثار الباطل على الحق يعد من أخطر المواقف التي استعاذ منها الإمام؛ لأنها تؤدي إلى ضياع الحقوق، وشيوع قيم الفساد والعنف.

       واستطاع الإمام (عليه السلام) في هذا الدعاء أن يركب بين المضاف والمضاف إليه في صورة شعرية جميلة، مما زاد في تأثير الدعاء على المتلقي، فإنه يجعل للحرص هيجاناً كهيجان البحر، فيعصف بما يلاقيه من اشياء، وجعل للغضب سورة تدور بالفرد، فتصدعه فلا يستطيع الخروج منها.

ودعا القرآن الكريم إلى الوقاية في المجال النفسي، قال سبحانه تعالى (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28) ويعادل الإطمئنان في القرآن الكريم مصطلح الأمن النفسي الذي وضعه عالم النفس (ابراهام ماسلو) في المستوى الثاني في هرم الحاجات الانسانية بعد الحاجات الفسيولوجية (عبد الخالق، 2000، ص 362) وقد أشارت الدراسات النفسية إلى أن فقدان الشعور بالأمن النفسي يجعل الفرد قلقاً وأقل قدرة على المبادأة وأكثر قابلية للإيحاء والتردد(عوض، 1989، ص 8)

      فقد ورد في دعاء الإمام (عليه السلام) وهو من دعائه لنفسه وأهل بيته (اللهُم ّ صَلّ على مُحمدٍ وآله ِ واجعلْ سلامة َ قُلوبنا في ذكر عَظمتك وفَراغ َأبداننا في شُكر نعمتك وانْطلاق ألسِنَتنا في وصف منّتك اللهُم ّ صَلّ على مُحمدٍ وآلهِ واجعلنا من دُعاتك الداعين إليكَ وهُداتك الدّالين عليك ومن خاصَتك الخاصّين لديك يا أرحَم الراحمين) (الصحيفة السجادية : 53)

    ويتضح من هذا الدعاء، إن الإمام السجاد (عليه السلام) يجعل سلامة القلب مقرونة بذكر عظمة الله، ويريد أن يكون لسان الإنسان يلهج بوصف منن الله عليه، ويود أن يكون من دعاة الله وخاصته. ومما لا شك فيه أن الإمام (عليه السلام) كان داعياً إلى الله سبحانه وتعالى من خلال الدعاء الذي هو سلاحه الذي اختص به.

        والإسلام وقائي في المجال العبادي، قال سبحانه وتعالى (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) (الشورى: 15) لأن الاستقامة والبعد عن الفواحش هي ثمرة من ثمرات الصلاة والصوم، وقال الله سبحانه تعالى (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: 45) لذلك ورد في دعائه (عليه السلام) وهو في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال (اللهُم ّ صَلّ على مُحمدٍ وآلهِ وبَلغْ بإيماني أكملَ الإيمان واجعلْ يقيني أفضلَ اليقين وانتهِ بنيتي إلى أحسنِ النّيات وبعملي إلى أحسن الأعمال ...) (الصحيفة السجادية: 96)

       ففي هذا الدعاء نرى الإمام (عليه السلام) وهو يصور مكارم الأخلاق يدعو إلى الإيمان الكامل، واليقين الفاضل، والنية الحسنة، ومن الواضح أن هذه الصفات القلبية هي جوهر الاستقامة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها. وجاء في الدعاء نفسه  (اللهُم ّ صَلّ على مُحمدٍ وآلهِ وحَلّني بحِلية الصالحين وألبِسني زينة َ المتقين في بَسطِ العدل وكظم الغيظ وإطفاء النائرة وضمّ أهل الفُرقة وإصلاح ذات البين ...) (الصحيفة السجادية: 99)

       ومما لا شك فيه أن الصالحين والمتقين هم الأقدر على إصلاح ذات البين وبسط العدل والقضاء على الفحشاء والمنكر.

التربية الربانية: وصف الله سبحانه وتعالى الأمة الإسلامية بأنها خير أمة أخرجت للناس، قال سبحانه وتعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران، 110) وجاء بيان هذه الآية في تفسير الميزان، إن معنى الإخراج هو الظهور والتكون وإن معنى خير أمة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن لفظ (الأمة) يطلق على الفرد والجماعة لكونهم ذوي هدف ومقصد يقصدونه (الطباطبائي، 1997، ج3 ، ص431) ويتضح لنا من هذه الآية المباركة أن التربية الإسلامية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتربية الربانية التي مصدرها القرآن الكريم، وقد تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر، 9) ومن أول مظاهر التربية الربانية هي العبودية لله تعالى.

    وقد اشتملت الصحيفة السجادية على طائفة من الأدعية التي تدعو إلى عبادة الله تعالى، والنظر في صفاته وعظمته، جاء في دعائه عليه السلام، وهو دعاء في اللجأ إلى الله تعالى (اللّهُم ّ إنْ تشأ تعفُ عنّا فبفضلك وإنْ تشأ تعذبْنا فبعدلكَ فسهّلْ لنا عفوَكَ بمَنكَ وأجِرْنا مِن عذابِك بتجاوزك فإنه لا طاقة َ لنا بعدلك َولا نجاة َ لأحدٍ منّا دون عفوكَ يا غنيّ الأغنياءْ ها نحنُ عبادُك بين يديك وأنا أفقرُ الفقراء إليك فاجبرْ فاقتنا بوسعك ...) (الصحيفة السجادية: 65)

       ويظهر الإمام السجاد (عليه السلام) لنا في هذا الدعاء قبول الإنسان بعدالة المعبود حتى وإن عذبنا، وإن عفا عنا فبفضله سبحانه وتعالى، ويبدو الإنسان لنا في هذا الدعاء إنه ضعيف إزاء عدالة الله سبحانه وتعالى، وذلك لكثرة ذنوبه وتجاوزه.

       ومن مظاهر التربية الربانية هي معرفة الله سبحانه وتعالى حق معرفته، لذلك جاء أول دعاء في الصحيفة السجادية وهو في بيان صفات الله سبحانه وتعالى وتنزيهه (الحمدُ للهِ الأولِ بلا أول ٍ كانَ قبلَهُ والآخر ِ بلا آخر ٍ يكونُ بعدَه ُالذي قصُرتْ عن رؤيته أبصارُ الناظرين وعجزت عن نعته أوهام ُ الواصفين ابتدع بقدرته الخلقَ ابتداعاً واخترَعهُم على مشيته اختراعاً ثمّ سلكَ بهم طريقَ إرادته وبَعَثَهُم في سبيل محبتهِ لا يملكون تأخيراً عما قدّمهم إليهِ ولا يستطيعون تقدماً إلى ما أخّرَهُم عنهُ وجعلَ لكلّ رُح منهم قوتاً معلوماً مقسوماً من رزقه لا ينقُصُ من زادَهُ ناقصٌ ولا يزيدُ من نَقَصَ منهم زائد ٌ ...) (الصحيفة السجادية: 33)

ويلحظ في هذا الدعاء فكرة العقيدة الإسلامية في (الأول والآخر) كصفتين تفرد بهما الله تعالى، وهي صفات لا نهائية ومطلقة، على الضد من صفات المخلوق الذي له أولٌ يبتدئ به وآخرٌ ينتهي إليه، ومما لا شك فيه أن للدعاء وظيفة في معرفة الله تعالى، والتذلل له بالخضوع والخشوع والاستغراق الروحي في التعبير عن الحاجة المطلقة لله الغني عن العباد (فضل الله، 2000، ص23)

أما في هذا الدعاء القصير فقد أشار الإمام إلى محمد وآل محمد (عليهم السلام) بوصفهم امتدادا للرسالة الإسلامية، قال (اللّهُم يا من خصّ محمداً وآلَه ُ بالكرامة وخصّصَهم بالوسيلة ِ وجَعَلَهُم ورثة َ الأنبياء وختم َ بِهِم الأوصياءَ والأئمة َ وعلّمَهم علم ما كانَ وما بقيَ وجعل َ أفئدة ً من الناس تهوى إليهم فصلّ على محمد ٍ وآله الطاهرين وافعل بنا ما أنت أهله في الدين والدنيا والآخرة إنّك على كلّ شيء قدير) (الصحيفة السجادية: 46)

ويلحظ في هذا الدعاء إنه وصف محمداً وآلَه بالكرامة، هي التفرد بين الخلق بالمنزلة الرفيعة، وخصصهم بالوسيلة، إي إنهم باب التربية الربانية، بما وهبهم من علم، وبما أورثهم من منزلة جعلت أفئدة الناس تهوى إليهم. ويلحظ في هذا الدعاء أيضاً تفرد محمدٍ وآلِ محمدٍ (عليهم السلام) بين الخلق، كما تفرد الله تعالى عن الخلق بصفاته المطلقة.

أما في الجانب الأدبي من الدعاء فقد استخدم الإمام في هذا الدعاء أسلوب التناص مع القرآن الكريم وذلك مع الآية المباركة  (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (ابراهيم : 37) ويعني التناص في مفهومه العام هو حصيلة تفاعل نصوص سابقة تحاورت وتداخلت في نص جديد، ويختلف التناص في الصحيفة السجادية عن التناص في الأدب في إنه يتناص مع القرآن الكرين بوصفه نصاً أعلى، ويشير معنى التناص أيضاً إلى تشرب الإمام بآيات القرآن الكريم واستعادتها في دعائه سواء بالتضمين المباشر أم في المعنى.

التوازن : في القرآن الكريم إشارات كثيرة إلى طبيعة النفس الانسانية المتناقضة، قال سبحانه وتعالى (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) (الشمس: 7) لذلك جاء الإسلام بمبدأ التوازن والوسطية، قال سبحانه وتعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة : 143) ومن خصائص التربية الإسلامية إنها تسعى إلى تنمية الجوانب العقلية والجسمية والخلقية أو الروحية عند الإنسان، فتحقق التوازن والتوسط بين مطالب الانسان الروحية والجسدية وتقلل، من الصراع الداخلي عند الفرد. وتسعى التربية الحديثة أيضاً إلى تنمية الجوانب المعرفية والنفسحركية والوجدانية وهو ما يكافئ الجوانب العقلية والجسمية والخلقية في التربية الإسلامية.

وفي الصحيفة السجادية نجد أن الإمام السجاد (عليه السلام) قد أشار إلى طبيعة النفس الإنسانية الأمارة بالسوء، فقد جاء في دعائه عليه السلام (اللّهُم َ صلّ على محمد ٍ وآلِه ِ وأفرِشْني مِهادَ  كرامتك وأوردني مشارع رحمتك وأحْلِلني بُحبُوحة جنتك ولا تَسُمْني بالردّ عنك ولا تحرِمْني بالخيبة منك ولا تقاصني بما اجترحتُ ولا تناقشني بما اكتسبتُ ولا تُبرزْ مكتومي ولا تكشف مستوري ولا تحملْ على ميزان الإنصاف عملي ولا تُعلن على عيون الملأِ خبري أخف ِ عنهم ما يكون نشرُهُ عليّ عَاراً ...) (الصحيفة السجادية: 174)

أما في أول دعاء من الصحيفة السجادية فسنرى الإمام (عليه السلام) يحمد الله تعالى لمننه في العقل والجسد والروح، لنستمع إليه وهو يحمد الله على نعمة المعرفة (والحمدُ لله على ما عرّفنا من نفسهِ وألهمنا من شُكره ِ وفتَح َلنا أبوابِ العلم بربُوبيتهِ ودلنا عليه من الإخلاص له في توحيده ...) (الصحيفة السجادية: 34) ولنستمع إليه وهو يحمد الله على نعمة آلات البسط والقبض في الجسد (والحمدُ للهِ الذي ركّبَ فِينا آلاتِ البسطِ وجعلَ فينا أدواتِ القبضِ ومتّعنا بأرواحِ الحياة وأثبتَ فينا جوارحَ الأعمال وغذّانا بطيّباتِ الرزق ..) (الصحيفة السجادية : 36)

ومن الواضح أن هذا المقطع يشير أيضاً وعلى نحو متصل بنعم الله سبحانه وتعالى في الروح وجوارح الأعمال، وكأنه يشير إلى الجانب النفسحركي الذي دعت إليه التربية الحديثة. ويتجلى لنا في هذه المقاطع من الدعاء صلة المعرفة بالله سبحانه وتعالى مع آلات الجسد مع متعة أرواح الحياة، لنصل إلى الأهداف التربوية المتوازنة التي تسعى التربية الإسلامية لتحقيقها.

وفي الصحيفة السجادية توازن جميل بين الصباح والمساء، يعقبه توازن بين الدنيا والآخرة، أو بين العمل والراحة، فقد جاء في دعائه (عليه السلام) في الصباح والمساء (الحمدُ لله الذي خلقَ الليل والنهار بقوته وميّز َ بينهما بقُدرَته ِ وجعل لكل واحد منهما حداً محدوداً ... فخلقَ لهم الليلَ ليسكنوا فيه من حركات التعب ونَهَضَات النّصب وجعله لباساً ليلبسوا من راحتهِ ومنامهِ ... وخلق لهم النهار مبصراً  ليبتغوا فيه من فضله وليَتَسَبّبوا إلى رزقه ويَسْرحوا في أرضهِ طلباً لما فيه من نيل العاجل من دنياهم ودَرَكُ الآجلِ في أخراهم ... ليجزيَ الذين أسَآؤا بما عَمِلوا وليجزيَ الذين أحسنوا بالحسنى ... )  (الصحيفة السجادية: 54)

ويلحظ في هذا الدعاء كيف طابق الإمام عليه السلام بين العمل والكد في الصباح طلباً للرزق، ثم الراحة والنوم في الليل، وبين العمل الصالح في الدنيا وما يعقبه من حسنى في الآخرة، ليثبت لنا وسطية الإسلام وتوازنه بين العمل والراحة وبين الروح والجسد وبين الدنيا والآخرة.

ترسيخ الإيمان وتدبر آيات الله في الكون والانسان: تحفل الصحيفة السجادية بأدعيتها جميعاً بترسيخ الإيمان بالله سبحانه وتعالى بوصفه سلوكاً واقعياً، جاء في دعائه (عليه السلام) متفرغاً إلى الله عز وجل (اللّهمَ إني أخلصتُ بانقطاعي إليك وأقبلت بكلي عليك وصرفتُ وجهي عمن يحتاج إلى رفدك وقلبت مسألتي عمن لم يستغن عن فضلك ...) (الصحيفة السجادية: 134) إن الإمام السجاد (عليه السلام) في هذا الدعاء لا يطلب مسألته من أحد آخر، وهو تطبيق عملي للإيمان بالله سبحانه وتعالى. والإمام (عليه السلام) راض وقانع بتقسيم الرزق بين الناس، فلا ينظر إلى الآخرين إن كانوا أكثر مالاً منه، وهو تطبيق عملي أيضاً لترسيخ الإيمان بوصفه سلوكاً واقعياً. لنستمع له من دعاء في الرضا إذا نظر إلى اصحاب الدنيا (الحمدُ لله رضىً بحكم الله شَهِدتُ أن الله قَسَم معايش عباده بالعدل، وأخذ على جميع خلقه بالفضل، اللّهم صلّ على محمدٍ وآلِه ولا تفتنّي بما أعطيتَهم ولا تفتنْهم بما منعتني فأحسُدَ خَلقَكَ ...) (الصحيفة السجادية: 158) ومن الواضح خطر الحسد على الفرد والمجتمع.

       ومن دعائه (عليه السلام) في التدبر بآيات الله سبحانه وتعالى دعاؤه إذا نظر إلى السحاب والبرق وسمع صوت الرعد (اللّهُم إن هذين آيتان من آياتك، وهذين عونان من أعوانك يبتدران طاعتك برحمةٍ نافعة أو نقمة ضارة ٍفلا تمطرنا بهما مطرَ السّوْء ولا تلبسنا بهما لباس البلاء ...)  (الصحيفة السجادية: 160) ويلحظ في هذا الدعاء المبارك تأثره البلاغي في القرآن الكريم، فقد جاءت فيه كلمة المطر دلالة على النقمة والشر، على العكس من كلمة الغيث التي جاءت دلالة على الخير والنماء. ومن دعائه عليه السلام إذا نظر إلى الهلال (أيها الخلقُ المطيعُ الدائبُ السريعُ المترددُ في منازل التقدير المتصرف في فلك التدبير آمنتُ بمن نوّر بك الظلم وأوضح بك البُهم وجعلك آية ً من آيات ملكه وعلامة من علامات سلطانه وامْتَهَنك بالزيادة والنقصان والطُلُوع والأفول والإنارة والكُسُوف ...) (الصحيفة السجادية: 183) وفي هذا الدعاء يخاطبُ الإمامُ القمر بوصفه منقاداً لجملة من القوانين الفلكية التي وضعها الله سبحانه وتعالى.

  • الخاتمة:

يتضح لنا من خلال هذا البحث أن الصحيفة السجادية حافلة بالمضامين التربوية، فضلاً عن كونها صحيفة للعبادة، وقد أشار هذا البحث إلى بعض المضامين التربوية وأثرها في الفرد والمجتمع، وقد تضمن البحث مباحثاً قصيرة عن سيرة الإمام السجاد عليه السلام، وتعريفاً بالصحيفة السجادية، وأهم شروحها، وسلط ضوءً يسيراً على أدب الدعاء، ثم مبحثاً عن البعض المضامين التربوية التي حفلت الصحيفة السجادية بالكثير منها. وقد خلص البحث إلى مجموعة من النتائج والتوصيات والمقترحات.

المصادر:

ـ القرآن الكريم.

ـ ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. (1968). تحـ : إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت.

ـ الابراشي، محمد عطية. (بلا). روح التربية والتعليم، القاهرة.

ـ البغدادي، عبد القادر بن عمر، (بلا) خزانة الأدب، المطبعة المنيرية، القاهرة.

ـ الجلالي، محمد رضا الحسيني، أدب الدعاء في الإسلام، موقع   www.islamu.com  

ـ الحلي ، أحمد بن فهد. (ت841ه). عدة الداعي ونجاح الساعي، تحـ : أحمد الموحدي، مكتبة الوجداني، قم المقدسة، ايران، 1382ه.

ـ الزركلي، خير الدين.(2002). الأعلام، ط15، ج4، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان.

ـ الصدر، سماحة الإمام السيد محمد باقر (مقدم) الصحيفة السجادية الكاملة، مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان.

ـ الطباطبائي، العلامة السيد محمد حسين. (1997). الميزان في تفسير القرآن، ج3، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.

ـ الكواز، د. محمد كريم. (2012). النص والخطاب في الصحيفة السجادية، كلية الإمام الكاظم (عليه السلام) للعلوم الإسلامية، بغداد.

ـ اللواتي، د. إحسان بن صادق. (2000). خواتم الخير: قراءة نصية في دعاء من أدعية الصحيفة السجادية، بيروت، لبنان.

ـ المسعودي، أبو الحسن. (2005). مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج3، المكتبة العصرية، بيروت.

ـ رضا، د. محمد جواد. (1987). العرب والتربية والحضارة، ذات السلاسل، الكويت.

ـ عبد الخالق، احمد محمد. (2000). أسس علم النفس، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية.

ـ عوض، عباس محمود. (1989). الموجز في الصحة النفسية، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية.

ـ فضل الله، السيد محمد حسين. (2000). آفاق الروح في أدعية الصحيفة السجادية، دار الملاك، بيروت، لبنان.

ـ مبارك، الدكتور زكي (بلا) التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، ج2، دار الجيل، بيروت، لبنان.

ـ مجمع اللغة العربية (2004) : المعجم الوسيط، ط4، القاهرة.

المجلات:

ـ محفوظ، الدكتور حسين علي.(1967) الصحيفة السجادية ، مجلة البلاغ ،ع10،ع6، السنة الأولى.

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً