446 ــ مصطفى جواد (1321 ــ 1388 هـ / 1904 ــ 1969 م)

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) ألقاها في يوم عاشوراء في صحن الإمامين الكاظمين (عليهما ‌السلام):

وشـهـيـدُهـم فـي (كربلاء) شــهـيـدُهـمْ      في أنَّـهـمْ أهلُ الـمـقـامِ الأوحـــدِ

عطفَ الصفوفَ على الصفوفِ يذيقُها      حـتـفَ الـحتوفِ وينثني كالجلمدِ

هـجـمـاتُ حـيـدرةِ الـعـظـيـمِ وقـلـبُـــه      إذ صالَ في صفِّينَ أو في المربدِ

الشاعر

مصطفى جواد مصطفى إبراهيم البياتي، علم من أعلام الفكر والأدب  الذين قلّما يجود الزمن بمثلهم، بل إن وجود مثل هذا النموذج الرائع في تاريخ شعب لهو مصدر فخر له وإشراقة مضيئة في محور التاريخ البشري، فقد وضع هذا العالم الفذ بصمات علمية لا تمحى ليس في تاريخ العراق فحسب، بل تعدّت آثاره إلى الأقطار العربية والإسلامية ودوائر الإستشراق، وقدم خدمات جليلة وكبيرة في ميادين التحقيق والتدقيق والبحث والتراث والخطط والأنساب واللغة والتاريخ والشعر والنحو والصرف وكان في كل هذه الميادين العلمية عالماً موسوعياً فذاً لا يدانيه أحد بها، ملماً بكل شواردها وتفرعاتها.

وإضافة إلى تركته العلمية الكبيرة في شتى مجالات العلم، فقد ترك أثراً كبيراً وطيباً في نفوس معاصريه لما تحلّى به من صفات عظيمة وأخلاق كريمة، يقول تلميذه الأستاذ وحيد الدين بهاء الدين: (الدكتور مصطفى جواد في أخلاقيته نادرة بين الرجال ناهيك عن العلماء، وفي علمه فذ من أفذاذ الزمن، والزمن بأمثاله ضنين، إنه يمثل العالم الفاضل في ذروته، العالم الحقيقي الذي كلما زاد علماً زاد تواضعاً).

ويقول الأستاذ كوركيس عواد: (لم يُعرف عنه مدى حياته إلا طيبة النفس، ودماثة الخلق، والتواضع الجم)

ويقول عنه الدكتور يوسف عز الدين: (وجدته يمتاز بأدب جم، وخلق عال سام، وطالما أثر أدبه في كثير من تصرفاته وفي نقده)

أصله وتشيّعه

ولد الدكتور مصطفى بن جواد في بغداد في محلة (عقد القشلة) بالجانب الشرقي من بغداد وبجوار الجامع المعروف حتى اليوم بـ (جامع المصلوب) من عائلة تركمانية الأصل ترجع إلى عشيرة سرايلي تركمان الشيعية، كما يقول هو في مذكراته:

(فأنا أصلي من (قره تبه) وأجدادي تركمان متشيّعون، غلاة في التشيع، وانتقل جدي إلى بغداد فصار شيعياً إمامياً وكذلك والدي وأنا نشأت على ذلك).

وكان أبوه المعروف بـ (أسطة جواد) خياطاً شهيراً في سوق الخياطين ومصطفى هو الابن الثاني للأسطة جواد بعد ولده البكر كاظم.

تأثير المجالس الحسينية

كان جد مصطفى شاعراً يكتب الشعر بالتركية، أما أبوه فقد كان رجلاً أميّاً ليس له في ميدان الأدب موطئ قدم، لكنه احتكر شهرة الجودة بين جميع خياطي بغداد وعلى الأخص خياطة الجبب حتى قال البعض متباهياً: بأنه لا يخيط ملابسه إلا عند أسطة جواد.

ورغم أن جذور هذه الأسرة تعود إلى أصول تركية إلّا أن أفرادها لا يتكلمون التركية إلا نادراً رغم أنهم يجيدونها إجادة تامة، وهكذا تفتحت طفولة مصطفى جواد على اللغة العربية، ولم تعجبه الأناشيد التي كان يتلقاها من قبل الأتراك في المدرسة باللغة التركية، وعندما احتل الانكليز العراق عام (1917)، كان مصطفى في الصف الثالث الابتدائي فانتقل مع أبيه إلى (دلتاوة) وهي حالياً مدينة الخالص فدخل كتّاب (المُلة صفية) ليتعلم الأبجدية العربية فبدأ بالقرآن الكريم وبعد أن حذق في حفظ القرآن دخل المدرسة الابتدائية في (دلتاوة) لكنه لم يستفد من المدرسة الابتدائية فائدة كبيرة لأن أعلى صف فيها في ذلك الوقت هو (الرابع) فعوّل على اجتهاده الذاتي واستفاد من رعاية أخيه كاظم له والذي كان محباً لعلوم العربية ملماً بها.

وكان (للمجالس الحسينية) التي كان يحضرها الأثر الكبير في صقل مواهبه، فكان يواظب عليها وهو يقود والده بعد أن كُف بصره لحضورها، وأكثر ما كان أبوه يرتاد بيت الشيخ جعفر والشيخ باقر وهما من كبار علماء الكاظمية، فسمع وهو صبي في هذه المجالس والبيوت التي كان يقود أباه إليها أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) والروايات التاريخية عنهم وعن مظلوميتهم والكثير من الحوادث التي جرت عليهم، كما سمع مراثي كبار الشعراء القدماء أمثال: الكُميت، والشريف الرضي، ومهيار، ودعبل وغيرهم، وكذلك أشعار المعاصرين أمثال: كاظم الأزري، والسيد حيدر الحلي، والعمري، والكواز وغيرهم، فحفظ الكثير من هذه الأشعار والتي كان لها دوراً كبيراً في توجهه إلى الأدب وساعدت على بروز مواهبه فضلاً عن رعاية أخيه الأكبر بعد وفاة أبيه وإرشاده وتعليمه، فكانت بيئة خصبة تلك التي عاش فيها جواد، غنية بالشعر والأدب فرسمت أثراً واضحاً في تحديد مساره الثقافي والفكري كما نشأ محافظاً ملتزماً بدينه متمسكاً به.

النبوغ من دار المعلمين

قاسى مصطفى من العسر والفقر وشظف العيش بعد موت أبيه ما يطول ذكره، وكانت الثورة العراقية قد شبّت في كل أنحاء العراق فعمل راعياً للغنم عند أحد أقربائه في (دلتاوة), ولما سمع أخوه كاظم بذلك استدعاه وأدخله المدرسة الجعفرية ببغداد، كانت ملامح النبوغ وبوادر النباهة تتلمس منه وهو صغير، فشجّعه أحد أساتذته وهو أحمد زكي الخياط الذي كان معجباً بمصطفى كثيراً لذكائه على دخول دار المعلمين، وأقنعه بأنه يمتلك القدرة على النجاح في الامتحان لما يتمتع به من قدرات ذهنية، وصدق حدس الخياط فقد قُبل في الامتحان وأظهر تفوقاً فيه.

في إثناء وجود مصطفى في دار المعلمين والتي أمضى فيها ثلاث سنوات من عام (1921 – 1924) لفت نظر الأستاذ طه الراوي – وكان من أساتذة هذه الدار – القدرة العجيبة التي كان يتمتع بها مصطفى، والقابلية المدهشة بالنسبة لسنه في حفظ الشعر والتاريخ، فعني به وشجعه على الاستمرار، كما ساعده في الإطلاع على الكتب التي تزيد من قابلياته فقويت عنده الرغبة في دراسة العربية فكانت حصيلته من دار المعلمين أن تألفت لديه كنوز ثمينة من آداب اللغة العربية وعلومها.

كما أحب مصطفى التاريخ الإسلامي وتتبّع أخباره والتعمّق فيه، وأولع بتاريخ العراق في العصور الإسلامية بصورة خاصة، ولعل هذه الدار كانت نواة ثقافته الأولى وتحديد اتجاهاتها، كما أنها قد وسعت من أفقه واهتماماته بالعربية وعلومها، وبعد تخرجه من دار المعلمين عيّن معلماً في أكثر من مدرسة ابتدائية.

في السوربون

سافر مصطفى جواد إلى باريس لإكمال دراسته لمرحلة الماجستير والدكتوراه في التاريخ، لكن بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية عام (1939) أوعز فاضل الجمالي وزير الخارجية آنذاك برجوعه إلى العراق بعد أن أمضى ثلاث سنوات في باريس يدرس في جامعة (السوربون)، لكنه عاد دون أن يكمل رسالته الجامعية، وبعد عودته إلى بغداد عرض شكواه على الشاعر الكبير محمد رضا الشبيبي وهو آنذاك وزير المعارف الذي وافق على تجديد عقد بعثته لمدة سنتين أخريين فسافر مرة أخرى وأكمل رسالته الجامعية وكانت بعنوان (سياسة الدولة العباسية في القرن السادس).

وفي عام (1942) دُعي لتعليم الملك فيصل الثاني اللغة العربية لكنه فضّل العودة إلى دار المعلمين، ومن كلية التربية نُدب لتأسيس معهد الدراسات الإسلامية العليا وأنيطت به عمادته، وقد حفلت حياته بعد عودته من فرنسا بجهود علمية جبارة في البحث والتحقيق العلمي وبدأت تحقيقاته العلمية تحل في نفوس الباحثين والعلماء في الأقطار العربية والإسلامية محل إعجاب، فأصبح علماً من أعلام القرن العشرين في اللغة والتاريخ الإسلامي والعربي.

(قل ولا تُقل) في الذاكرة

إلى جانب نتاجاته الثقافية الغزيرة، حُظي العلامة الدكتور مصطفى جواد بمكانة في قلوب الناس من خلال برنامجه الإذاعي الذي كانت تبثه إذاعة بغداد وهو تحت عنوان (قُل ولا تقُل)، وهو بالحقيقة كتاب من مجلدين طٌبع في حياته، وكان يبين للمستمعين آنذاك المفردة الصحيحة عن الدخيلة والخاطئة التي كانت دارجة وما تزال على اللسان العربي.

هذا البرنامج، بل والمسعى لم يكن عملاً نخبوياً، إنما كان لعامة الناس، فهي بحق خدمة للغة ولمن يحملها في جميع أنحاء العالم، وقد نُقلت عنه قصص طريفة بين الناس وهو بما يمتلك من سعة صدر وطيبة قلب، يسعى بينهم ليبين لهم المفردات العربية الصحيحة من غيرها، وينبههم بعدم تكراراها.

ولم يكن نشاط الدكتور مصطفى جواد متوقفاً على البحث والتحصيل والنشر العلمي والأدبي، فقد أسهم في النشاط الاجتماعي فانتخب رئيساً لدار المعلمين عام (1941) ثم رئيساً لجمعية المعلمين بالعراق، وكان لمصطفى جواد زيارة إلى النجف الأشرف فاستقبلته (جمعية منتدى النشر) و (جمعية الرابطة الأدبية) التي كانت تضم كبار شعراء النجف والعراق بحفاوة.

المؤلفات

ترك الدكتور مصطفى جواد مجموعة قيمة من المؤلفات فضلاً عن الكم الهائل من التحقيقات والدراسات والبحوث التي نشرها في المجلات العراقية العربية ومن أبرز مؤلفاته: (أمالي مصطفى جواد في فن تحقيق النصوص)، و(دراسات في فلسفة النحو والصرف واللغة والرسم)، و(قل ولا تقل) بعدة أجزاء، وقد طُبع جزأين في حياته، و(تاريخ العراق)، و(أبو جعفر النقيب) و(بغداد قديماً وحديثاً) و(المباحث اللغوية في العراق) وغيرها.

المشاركات

كما شارك عدداً من الباحثين والمؤرخين في إعداد وتأليف الموسوعات العلمية والتاريخية فشارك في بحث (السلك الناظم في دفناء مشهد الكاظم)، وهو إسهام في موسوعة العتبات المقدسة، الجزء الثاني من موسوعة الكاظميين، كما أسهم في باقي أجزاء الموسوعة أقسام النجف الأشرف، وكربلاء المقدسة، وسامراء المقدسة، وشارك أيضاً في كتاب (دليل الجمهورية العراقية)، وكتاب (بغداد)، وكتاب (المصطلحات العلمية التي أخرجها المجمع العلمي العراقي)، و(الأساس في تاريخ الأدب العربي)، و(خارطة بغداد قديماً وحديثاً)، و(شخصيات القدر)، فضلاً عن تحقيقاته الكثيرة لأمهات الكتب التاريخية واللغوية.

التحقيقات

وفي مجال تحقيقه للكتب فقد حقق الكثير منها مثل: (الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة) لابن الفوطي، و(الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير) لابن الساعي البغدادي، و(المختصر المحتاج إليه من تاريخ بغداد) لابن الدبيثي، و(تكملة إكمال الإكمال في الأنساب والأسماء والألقاب) لجمال الدين بن الصابوني، و(الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور) لضياء الدين بن الأثير، وكتاب (الفتوة) لابن عمار البغدادي، و(تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب و(العبر في خبر من عبر) للذهبي، و(تاج العروس من جواهر القاموس) للسيد مرتضى الزبيدي، و(مختصر التاريخ) لظهير الدين الكازوربي، وغيرها، كما استنسخ بيده على طريقة القدماء أكثر من أربعين مخطوطاً من الكتب القديمة.

الترجمة

كان مصطفى جواد يتقن خمس لغات هي إضافة إلى العربية: الفرنسية والإنكليزية والتركية والفارسية، وقد ترجم الكثير من الكتب من هذه اللغات إلى العربية، فقد ترجم من اللغة الفرنسية رواية (الأمير خلف وأميرة الصين) وهي رواية تاريخية تدور أحداثها في الصين، كما ترجم عن الإنكليزية كتاباً في جزأين هو (بغداد مدينة السلام) لريتشارد كوك، وترجم عن الإنكليزية أيضاً كتاب (رحلة أبي طالب خان إلى العراق وأوروبا)، و(بغداد في رحلة نيبور)، كما ترجم عن الفارسية (رباعيات الخيام).

الاستشهاد بالقرآن الكريم

اهتم الدكتور مصطفى جواد بالقرآن الكريم كثيراً وقد عدّه المصدر الأول لكل بحوثه اللغوية فبه حُفظت هذه اللغة من الضياع كما يقول: (والعربية لغة جسيمة عظيمة قويمة لأمة كريمة عظيمة وقد حافظت على قواها ونظامها وكلامها بقرآنها العزيز وتراثها الأدبي البارع طوال العصور التي انصرمت بين زمن الجاهلية وهذا العصر)، لذلك كان كثير الاستشهاد بالآيات القرآنية في بحوثه النحوية واللغوية ودافع عن آرائه بآيات بينات من كتاب الله العزيز، ولم يكتف بالقول بضرورة الاستشهاد بالقرآن الكريم والقياس عليه في باب النحو فقط، بل اعتمد في ذلك في نقد المعجمات اللغوية وعاب عليها قلة الشواهد القرآنية، فكان يدعو إلى: (دراسة القرآن دراسة لغوية ودراسة نحوية عوداً على بدء، ففي ذلك نعش للعربية من كبوتها وتقوية وتوسيع لها)،كما تابع مسألة الاحتجاج بالحديث الشريف فذهب إلى تقييد الحديث بالصحيح فقال: (المروي باللفظ).

منهجه في اللغة

وكان منهجه في اللغة هو المحافظة على أصالتها وفصاحتها ونقاوتها من المفردات الدخيلة لأنها لغة القرآن المعجزة التي لا تجاري وقد وصفها جواد بقوله: (وهي لا تزال قوية الكيان علية المكان مستمرة الازدهار مستدامة الإيثار عند أهلها وحماتها) حتى لُقب بفيلسوف اللغة العربية فمن دقائقه في اللغة واستشهاده بالقرآن الكريم على سبيل المثال، أنه اطلع على كتاب (خلف اللثام) وهو مجموعة قصص لرائد القصة العربية محمود تيمور، فجعل يقلب صفحاته قليلاً فاستقرت عيناه على شيء ما، فأثار ذلك فضول الحاضرين، ثم رفع رأسه ليقول: هذا غلط لغوي وأشار إلى عبارة في الكتاب تقول: (فرفع الشيخان رأسيهما)، ولما سُئل عن وجه الغلط فيها قال: ينبغي أن يقول: (فطأطأ الشيخان رؤوسهما)، وعقب على كلامه: (والسبب أن العرب تكره إضافة اثنين إلى اثنين ولا تخشى من إضافة الجمع إلى اثنين إذا كان كل من المضافين لا يملك إلا فرداً في الوجوه).

ثم استشهد على ذلك بالقرآن الكريم بقوله تعالى: (فقد صغت قلوبكما) مع أن لكل منهما قلباً واحداً وقوله تعالى أيضاً: (ليبدي لهما ما ووري من سوآتهما) مع أن لكل منهما سوأة واحدة، وهناك شواهد كثيرة دلّت على علميته الواسعة باللغة والإلمام بها.

يقول عنه السيد جواد شبر: (جواد من أشهر رجالات العرب في الأدب ومعرفة لغة العرب ولا تكاد تفوته شاردة أو واردة)

منهجه في التاريخ

أما في التاريخ فقد كان منهجه في البحث هو الحيادية في الرأي، والموضوعية في إطلاق الأحكام على الحوادث التاريخية، والأمانة في نقل هذه الحوادث بعيداً عن التعصب والتمذهب والتحزب، بل يبني بحثه على المنطق التحليلي، والتحري الدقيق، وكانت غايته الأولى والأخيرة هي كشف الحقائق التاريخية التي بها تتآلف الأمة وتنتهي صراعاتها وتقضي على عصبياتها حيث يبين مصطفى جواد أهمية التاريخ وتأثيره الكبير في الإصلاح والتوجيه بقوله:

(إن التاريخ مرآة الزمان، ودليل الأيام القابلة، والنصيح المشفق، والرفيق الذي هو بالإتباع حقيق، والموعظة البالغة، والدرع السابغة الواقية من طعنات الأحداث وفتكات الكوارث)، وقد مثل مصطفى جواد مدرسة المؤرخين المعتدلين خير تمثيل.

الإحاطة بالخطط

أما في مجال الخطط، فقد كان موسوعياً، ويمتلك في هذا المجال ذاكرة خارقة استوعبت الكثير من الأرقام والتواريخ والحكايات، يقول عنه الأستاذ وحيد الدين: (إنه ـ أي مصطفى جواد ـ يحفظ خمسة وعشرين ألف اسم)، فقد تعمّق مصطفى جواد في دراسة خطط بغداد قديماً وحديثاً فاستطاع أن يحدد الآثار والمدارس والمساجد والقصور تحديداً أدهش المؤرخين والخططيين أنفسهم، وتجلى هذا في بحوثه وكتبه، وكان الخلاف الذي يقع بين الخططيين والمؤرخين حول تاريخ بغداد يحل بكلمة من عند مصطفى جواد، وهذه الكلمة هي كلمة الفصل التي لا ترد ولا تدحض لأنه السبّاق والدقيق في هذا المضمار ولا يستطيع أحد مزاحمته فيه.

وننقل لكم مثالاً واحداً على ذلك حيث يقول في مذكراته: (أما محل ولادتي ومسقط رأسي فهو محلة (عقد القشل) بالجانب الشرقي من بغداد وهي المحلة المأمونية أيام بني العباس وشارعها هو الشارع الأعظم لبغداد الشرقية يومئذ)!!.

وهكذا في كل بحوثه يعطي معلومات تاريخية وافية وعجيبة عن كل مكان أو اسم أو تاريخ يتعرض له حتى جاء كتابه (دليل خارطة بغداد قديماً وحديثاً) آية من آيات عبقريته الخططية حيث استطاع أن يصحح الكثير من الأماكن والتواريخ الخاطئة والشائعة في بغداد, وتعديل نسبتها، وقد بلغ في علم التاريخ شأواً كبيراً حتى قال عنه الأستاذ صفاء خلوصي: (إنه كان مؤرخا أكثر منه لغوياً، وحتى في دراسته للغة كان مؤرخاً للغة، وقد اتقنها لدراسة التاريخ ليس غير).

ومع أننا نختلف مع الأستاذ خلوصي في هذا القول إذ أن الدكتور مصطفى جواد قد ألم باللغة والتاريخ لشغفه بهما معاً وليس بواحد من أجل الآخر، إلا أننا نتفق معه من حيث مزاوجته في بحوثه بينهما فمثلما كان موسوعياً في التاريخ فقد كان ملماً غاية الإلمام باللغة.

الموسوعة الشاملة

يقول عنه الأستاذ وحيد الدين بهاء الدين: (إن الدكتور مصطفى جواد كان إنسانياً بكل ما تحمل كلمة الإنسانية من امتياز، لأنه أفاد الناس كلهم كبيرهم وصغيرهم، عالمهم وجاهلهم، قريبهم وبعيدهم بغزارة علمه وأصالة أبحاثه، إنه بلا شك نموذج رائع لأولئك الأعلام الأفذاذ الذين كانوا عالميين في ثقافاتهم واتجاهاتهم، والذين أضافوا إلى التراث العربي والإسلامي والبشري ثروة جديدة خليقة بالتقييم والتمجيد)

بقي أن نشير إلى أمر مهم في حياة الدكتور مصطفى جواد، وهو الغبن الذي لحقه في حياته وخاصة في عدم ترشيحه لعضوية مجمع اللغة العربية في القاهرة خلفاً للشاعر محمد رضا الشبيبي رغم منزلته العلمية الكبيرة، وقد تألم كثيراً لذلك فقد كان يستحق رئاسته بجدارة كما لم ينل ما يستحقه من مناصب رئاسة المجمع العلمي العراقي ورئاسة جامعة بغداد فكان ضحية التعصب والتحيز القومي تارة، والحسد تارة أخرى، ولذلك حديث مؤلم طويل نستشف بعضه من فقرات من كلام الأستاذ خلوصي عن مصطفى جواد حيث يقول:

(لم يكن إنساناً اعتيادياً وإن بدا اعتيادياً أكثر مما يلزم وقد كان بوسعه أن يكون أعظم مما هو عليه لو أنه ولد في بلد كالقاهرة ..... لقد ظلمته العهود الماضية فقد كنت أرجو من صميم قلبي أن يصبح مصطفى جواد يوماً ما رئيساً للمجمع العلمي العراقي أو رئيساً لجامعة بغداد .... والله يعلم كم تألم مصطفى جواد يوم لم يفز بالمقعد الشاغر في مجمع اللغة العربية في القاهرة).

ثم يقول خلوصي: (وكل الذي أرجوه فيما يتعلق بالمناصب العلمية في البلاد العربية ألا تتكرر مأساة مصطفى جواد)

وفاته

توفي الدكتور مصطفى جواد في بغداد وكان لموته أثراً كبيراً وحزناً طاغياً عمّ الأوساط العلمية والأدبية وكانت هناك مجالس تأبينية كثيرة وبرقيات تعازي ومراثي شعرية عديدة، منها ما رثاه الشاعر مصطفى جمال الدين، من قصيدة بعنوان (حارس اللغة):

ضاحٍ على وهجِ الحروفِ توقّدا      هيهات يُطفـئ لـمحَ عينيهِ الردى

ومـحـطـمٌ سُـدَفَ الخلودَ بروحِهِ      هـل كـيـفَ يـلقاهُ رتاجاً مـوصـدا

يا حارسَ اللغةِ التي كادتْ على      صدأ اللهى أن لا يرنَّ لها صدى

هبّتْ عليها الـحـادثـاتُ فلم تدعْ      غـصـنـاً بـعـاصـفِ حقدِها متأوِّدا

فأقامَ محنتَها على حيث الـتـقـى      بيديهِ صحو الأمـسِ يـبـلغها الغدا

شعره

عُرف مصطفى جواد كواحدٍ من أبرز أعلام نهضة العراق في العصر الحديث وموسوعة معارف وعلوم شاملة في اللغة والنحو والتصريف والبلاغة والأخبار والسير والقصص والتاريخ والوفيات والكتب والرجال والخطط والبلدان والآثار حتى عُد: (نحوي العراق، ولغوي الأمة في هذا الجيل)، و(فيلسوف قواعد اللغة العربية).

وكما خلف ثروة علمية وأدبية عظيمة وآثار مهمة إلى جانب ابحاثه وتحقيقاته، فقد كتب جواد الرواية والقصة والشعر إذ نشر عام 1928 رواية بعنوان (قاتل اخيه)، ثم نشر بعدها قصة بعنوان (النمر البشري)، في مجلة لغة العرب.

وضمّ هذا العالم الفذ والشخصية العلمية الكبيرة الشعر إلى حقيبته الثقافية، وتدلنا شواهد على أنه كتب شعراً كثيراً منها قوله: (وقد نشرت كثيراً من شعري في عدة مجلات وصحف، وجمعت ما استطعت منه في دفتر وسميته: (الشعور المنسجم في الكلام المنتظم).

يقول الأستاذ يوسف عز الدين عن شعر الدكتور مصطفى جواد: (ونظم من الشعر الجيد الذي غلبت عليه روح العقل والنظرة الفاحصة ...... إنه مثل حي للشعر ورمز سليم له).

اما رحلته مع الشعر فقد بدأت منذ بواكير حياته العلمية وهو لم يزل طالباً في دار المعلمين الابتدائية 1921 ـ 1924 ونشر بعضاً من شعره في مجلة (الدار) وقد أورد الأستاذان محمود نديم المحامي، ووحيد الدين بهاء الدين نماذج من اوائل شعره في جريدة (الجمهورية) في 30/ 12 /1969.

وقد عالج مصطفى جواد في شعره الكثير من القضايا الدينية والإجتماعية والسياسية، كما غلب على شعره حبه لأهل البيت (عليهم السلام) وركّز على مدحهم ورثائهم وخاصة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام)

قال من قصيدته الحسينية التي مرَّ ذكرها:

جـلَّ الـمـصابُ مـصـابُ آلِ مــحـــمـــدِ      فـاذرِ الـدمـوعَ بـيـومِـهِ الـمُـتجدِّدِ

وابـكِ الـكـرامَ الـذائــديــنَ عـن الــعُــلى      والــديــنِ بـالـقـولِ الـكريمِ وباليدِ

ذكرَ الـزمـانُ مــصـابَــهــــــمْ فــأعــاده      تــاريــخُ عــزٍّ لــلـسـمــوِّ مُــؤيَّــدِ

فـالـحـقُّ لا يـنــســيــهِ ســالــفُ عــهـدِه      والـذلُّ لا يـبـقـيـهِ سـوط المعتـدي

والـعـدلُ لا تـبـــلــــيـهِ قــــــــــلّـةُ أهـلهِ      والــديــنُ لا يـوهـيهِ طـعنُ الملحدِ

آلُ الــرســولِ أجـلْ فـهـاتِ حـديــثــهـمْ      واذكرْ مصابَهمُ ولا تخشى الردي

جـمـعـوا الـفـضـائـلَ والـمـكارمَ والعُلى      والـعـلـمَ والـتـقـوى لأزكــى محتدِ

مــا حــرَّرَ الإســــــــــــلامَ إلا ســـــادةٌ      بـذلـوا دمـاءهـمُ لـه عـن مـقـصـدِ

سـنّــوا لأهـلِ الـحـقِّ سـنّـةَ ثــــــــــورةٍ      أضحى بها الإسلامُ مرهـوبَ الـيدِ

مـلَّ الـحـديدُ مــن الـحـديـدِ وعــزمــهـمْ      مـا مـلَّ مـن نـصـرٍ لـديـنِ مـحـمدِ

فـلـيـقـلـعِ الـجـبـنـاءُ عـن أقــوالِـــهـــــمْ      إنَّ الــجــبــانَ كــأنّــه لــمْ يُــولـــدِ

فـي كـلِّ قـطـرٍ روضــةٌ لـكـرامِـهـــــمْ      بندى المعالي روضُ ذكراها نـدي

رامَ الــعـدوُّ عــفــاءَهـــا لــكــنــهــــــا      حـفـظتْ عـلــى رغمِ العدوِّ بمشـهدِ

في المغربِ الأقصى وفي مصرٍ وفـي      هذا الـعـراقِ وفـي بـقـيــعِ الـغرقـدِ

وشـهـيــدُهــمْ فــي كـربـلاءَ شـهـيـدُهم      فــي أنَّـهـمْ أهــــلُ الـمـقـامِ الأوحـدِ

عطفَ الصفوفَ على الصفوفِ يذيقُها      حــتـفَ الـحتوفِ ويـنـثـني كالجلمدِ

هـجـمـاتُ حــيــدرةِ الــعــظـيــمِ وقلبُه      إذ صـالَ في صفِّينَ أو فــي المربدِ

للهِ يــومُ الــطـــفِّ يــــومــاً فـــارقــــاً      بيـضُ الوجوهِ عن الفريــقِ الأسودِ

كـتـبَ الـعـراقُ وثــيــقــةَ اســتــقـلالِه      بــدمِ الـحـسـيـنِ الـسـيـدِ ابــنِ السيدِ

بـيـنـي وبـيـنـكَ يــا يــزيــدُ قــضـيــةٌ      لا تــنـتـهـي وعـــداوةٌ لــم تــــنــفـدِ

أورثـتَ مُـلـكـاً لــمْ تــكــنْ أهــلاً لــه      وولـــيـتَ ديـنـاً رِيــعَ مـنـكَ بـمـفسدِ

وقال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) أيضاً ألقاها يوم العاشر من المحرم سنة (١٣٦٥ هـ / ١٩٤٥ م) في صحن الإمامين الكاظميين (عليهما ‌السلام) ونشرت مجلة البيان النجفية:

ألـمَّـتْ بـيَ الـذكـرى فـأوسـعـتها شكراً      وأرعـيـتُـهـا قـلـبـي فـقـلـبـي بها أدرى

تـلـقّـيـتُــهـا بـالـدمـعِ أطــفــــي أوارَهـا      وشـيّـعـتُـهـا بـالـشـعـرِ أنــشــرهُ نـشرا

سـجـيَّـةُ نـفـسٍ لا تـرى الـحــبَّ بـدعةً      ولا الدمعُ ضعفاً وافتضاحَ الأسى نكرا

فـلا تـلـحـيـانـي صـاحبيَّ على الشجى      تـريـدانِ جـعـلَ الـقـلـبِ فـي حـبِّه قبرا

ألا أنّـهـا ذكـرى فـسـيـحٌ طــريــقُــــها      إلى القلبِ ذكرى فجعةِ العربِ الكبرى

فللهِ يــومٌ كــلّــمــا طــالَ عــهــــــــدُه      أفـاضَ عــلـى الـحـقِّ الـجـلالةَ والقدرا

ومـا الــقـلـبُ إلّا نـابــضٌ مُـتـوثّـــــبٌ      إذا سـمـتـه خـسـفـاً تـمـــرَّدَ واستشرى

إذا ذكــروا (آلَ الــنــبــيِّ) وجـــدتــه      يـذوبُ جــوىً والـعـيـنُ تـسـعـفُه عبرى

ومَـن ودَّ أن يــحـيـا بــلا ذكــريــاتِـه      فـذاكَ بــأنْ يــلـقـى مـنـيَّــتَـــه أحـــــرى

ولـمْ يـكُ قـولُ اللهِ (ذَكِّـــرْ) بــبــاطـلٍ      أجـلْ تـنـفـعُ الذكرى الذي لم يـكـنْ غِرّا

وكـمْ أمَّــةٍ عـاشـتْ بـذكـرى هُـداتِـها      إذا ما دهاهـا الـخـطبُ تنقذها الــذكرى؟

يـذكّـرُنـا حـكـمـاً وظـلـمـاً ومصـرعاً      أضـاعَ (بـنو حربٍ) بها الدينَ والــعُمرا

أأنـسـاكَ (يومَ الطفِّ) والـقـلـبُ مفعمٌ      أسـىً مُـزمـنـاً قـد أعجزَ الشعرَ والــنثرا

ذكرتُ (الحسينَ) البرَّ بالدينِ والهدى      وأصحابَه من مـقـصـديـنِ ومَـن أسترى

تـذكّـرتُـهـمْ صـرعـى فهاجتْ نوادبٌ      مِن الشعرِ يـلـطــمنَ الخدودَ معَ الـزهرا

دعـوا لـقـتـالِ الـمـارقـيــنَ فـمـا ونوا      ولـولا اتـحـادَ الجورِ لاصطلوا الـجورا

وقـد نـطـقـوا بـالـحقِّ لـمـا تـخارستْ      أعاريبُ داسوا الحقَّ واستمرأوا الـغدرا

وحرباً بنو حربٍ على الدينِ أصبحوا      وقـد أرهـقـوا الإسـلامَ فـي ذاتِه عـسرا

وله قصيدة حسينية أخرى ألقاها يوم العاشر من محرم سنة (1964) في صحن الإمامين الكاظمين (عليهما السلام) ونشرتها مجلة البيان يقول في مطلعها:

أبى اللهُ أن يُنسى مصابُ ابنِ فاطمٍ      فجاءتْ تعزي الدينَ شتى العوالمِ

قــد اخـتـلـفـتْ أجــيـالُـها غيرَ أنَّها      تـسـاوتْ لدى تأبينِ فخرِ الهواشمِ

محمد طاهر الصفار

المرفقات

كاتب : محمد طاهر الصفار