325 ــ علي الخيري: (1270 ــ 1340 هـ / 1853 ــ 1921 م)

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام):

أمِنْ بعدِ يومِ ابنِ النبيِّ بـ (كربلا)      يـجـيـبُ فـؤادي لـلـصـبابةِ داعيا

غـداةَ ابـنِ هـنـدٍ شـبَّـهـا نـارَ فـتنةٍ      بها عادَ جمرُ الوجدِ للحشرِ ذاكيا

وقـادَ لـحـربِ ابـنِ الـنبيِّ جحافلاً      وأوقـدَهـا حـربـاً تشيبُ النواصيا

وقال من حسينية أخرى:

للهِ مـوقـفُـهـم بـعَرصةِ (كربلا)      فـيـهِ لعمري شابَ كـلُّ جـنـيـنِ

وقفوا غداةَ الحربِ شبَّ لهيبُها      فـكـأنّـمـا هـيَ مـن لـظى سجِّينِ

حتى تناهبتِ الـظُـبـا أشـلاءَهم      وثووا ضحايا في وطيسِ منونِ

ومنها:

بأبي معرىَّ في محاني (كربلا)      مـلـقـىً بلا غسلٍ ولا تكفينِ

وكرائمَ الـمـخـتارِ أضحتْ بعدَه      تُـهـدى لمذمومِ الرواحِ لعينِ

وسرتْ على الأكـوارِ بينَ أميَّةٍ      تدعو وتهتفُ في حماةِ الدينِ

الشاعر

علي بن حمزة آل زاهد الملقب بـ (الخيري) أديب وشاعر وكاتب ولد في محلة الشواكة ببغداد، توفي أبوه وهو صغير، فانتقل إلى الحلة وفيها عمل في كتابة الصكوك والوثائق الشرعية وما شابهها، وكان حب الأدب يستهويه فاتصل بآل السيد سليمان وواظب على حضور ندوة شاعر الفيحاء السيد حيدر الحلي فتأثر بشعره كثيراً حتى أصبح راوياً له، كما صحب الشاعرين حسين بن السيد حيدر الحلي وابن عمه عبد المطلب الحلي.  

اشتهر الخيري بالخط الجميل وكان يعدّ من أشهر الخطاطين في وقته وقد انتقل إلى قرية (ذي الكفل) (1) وعمل هناك كاتباً خاصاً ونائباً على إدارة الأملاك والوقوف لسادن مرقد ذي الكفل الحاج ذرب بن عباس ومعلماً لأولاده، وقد جرت أثناء تولي الخيري الكتابة في ذي الكفل القصة المشهورة وهي أنه:

حصل الحاج عباس ذرب على موافقة المرجعية في إمامة الشيخ علي الخيري المصلّين في ذي الكفل لورعه وتقواه، وهو ما أثار حفيظة اليهود في قضية منارة الكفل الشهيرة، فقامت جماعة منهم ببناء حاجز يفصل باحة مسجد النخيلة عن مرقد النبي حزقيال (عليه السلام) فكتب الخيري كرّاسة صغيرة بخط يده بحث فيها عن مسجد النخيلة تاريخياً وحدوده القديمة ومساحته وما فيه من كتابات إسلامية وتأريخ بناء المنارة وموضع المحراب والمنبر.

ورفع الحاج ذرب الكرّاسة إلى السلطان عبد الحميد في سنة (١٣٠٥ هـ / 1887 م)‍ مفادها أن جامع ذي الكفل يعود للمسلمين بدليل وجود منبر ومحراب إسلامي ومنارة للأذان فيه، وأن اليهود تملّكوه وبنوا فيه مخازنَ وبيوتاً وغرفاً يأوي إليها الزائرون منهم في عيد رأس السنة وعيد الكفارة وغيرهما من المواسم، فأنكر اليهود كل ما جاء في الكراسة، فندبت الحكومة ببغداد رجلاً من موظفيها للكشف عن ذلك فجاء إلى قرية ذي الكفل وجلس في ظل المنارة وكتب تقريراً خلاصته (أن لا منارة هناك)!

فكتب الحاج ذرب إلى الأستانة كراسة صغيرة بحث فيها عن المسجد وحدوده القديمة ومساحته وما فيه الآن من بنايات حديثة لليهود وتاريخ المنارة وموضع المحراب والمنبر وما إلى ذلك، ــ والعريضة بخط الخيري ــ، ورفع ذلك إلى الباب العالي فأوفدت الاستانة لجنة لحل النزاع واستيضاح الحقيقة ولكنها عند وصولها بغداد توصّل إليها اليهود بالمال وذلك بتوسّط صالح دانيال فأيدت التقرير الأول ونفت وجود المنارة في الكفل من دون أن تصل إليها وبعثت في تأييد قرارها من أخذ صورة فوتوغرافية للقرية في إحدى جهاتها التي لا يظهر فيها شكل المنارة التي لا تزال باقية إلى الآن.

وهذه الحادثة تبين مكر اليهود واحتيالهم وأطماعهم التوسعية حتى أصبحت هذه الحادثة مضرب المثل في من يغتصب شيئاً فيقال: (ما أشبهه بمنارة الكفل)

وكان لهذا العمل ضريبته وعواقبه على الخيري فقد اجتمع بعض اليهود من أهل النفوذ منهم ورشوا والي بغداد بأموال للإيقاع بالخيري، فصدر الأمر من الوالي بشمول الخيري بالخدمة العسكرية والتجنيد الإجباري رغم سنه الذي تخطى هذه المهمة فلم يمتثل للأمر مما حدا بالحكومة العثمانية إلى إلقاء القبض عليه وإبعاده عن ذي الكفل.

وبعد نهاية الحكم العثماني عاد الخيري إلى ذي الكفل حتى وقعت معركة الرارنجية أثناء ثورة العشرين فانتقل إلى النجف ثم عاد إلى ذي الكفل حتى وفاته فيها وحمل جثمانه إلى النجف الأشرف ودفن فيها

ترجم له:

محمد علي أليعقوبي في البابليات ج 3 ص 62

جواد شبر في أدب ألطف ج 9 ص 44

سعد الحداد في موسوعة أعلام الحلة ج 1 ص 166

قال الخيري من قصيدة في الإمام الحسين (عليه‌ السلام):

وراءك عـنّـي حسبيَ اليوم ما بيا      وكُـفّـي مـلامــي لا عــلــيَّ ولا لـــيــا

أمِنْ بعدِ يومِ ابنِ النبيِّ بـ (كربلا)      يـجـيـبُ فـؤادي لـلـصـبـابـــةِ داعـــيـا

غداةَ ابنِ هـنـدٍ شـبَّـهـا نـارَ فـتـنـةٍ      بـهـا عـادَ جـمـرُ الـوجـدِ للحشرِ ذاكـيا

وقـادَ لـحـربِ ابـنِ الـنـبيِّ جحافلاً      وأوقـدَهـا حـرباً تـشـيــبُ الـنـواصـيـا

فهبَّ لها حامي حمى الدينِ مفرداً      بـأهـلـيْ وبـي أفـدي الـفـريـدَ المحاميا

وما زالَ للأرواحِ يـخـطـفُ سيفُه      إلى أن هوى شلواً على الأرضِ ثاويا

تـظـلـلّـه سـمـرُ الـرمـاحِ وتــــارةً      تـهـيـلُ عـلـيـه الـعـاصـفـاتُ الـسوافيا

تـريـبُ الـمحيَّا في الصعيدِ مُعفّراً      ثـلاثـاً عـلـى وجـهِ الـبــسـيـطـةِ عاريا

ومن حولِهِ أشـلاءُ أبـنـاءِ مـجـــدِهِ      دوامٍ بـنـفـسـي أفـتـديـهـا دوامــــيـــــا

وسـارتْ بـأطـرافِ الأسنَّةِ والقنا      رؤوسُـهـمُ يـجـلـو ســـنــاهـا الـديـاجيا

ولـلـشامِ قد سِيقتْ حرائـرُ هـاشـمٍ      وغـيـر الـعـدا لـم تلقَ في السيرِ حاديا

تـجـوبُ بـهـا بـيـدَ الـقــفـارِ أمـيةٌ      عـلـى هُـزلٍ فـي الـسيرِ تطوي الفيافيا

تـنـادي سـراةَ الـطـالـبـيينَ قومَها      بـصـوت يـدك الـشـامـخـات الـرواسيا

فلا ثارَ إن لم تـجـلبوها ضوابحاً      عـلـى جـثـثِ الأعـداءِ تـجـري عـواديا

وقال من حسينية أخرى:

قُـذيـتْ لآلِ مـحـمـدٍ عـيـنُ الــهــدى      والـشركُ قـد أمسى قريرَ عيونِ

فـمـخـضَّـبٌ بـالـسـيـفِ عند سجودِهِ      في كـفِّ أشـقـى الـعـالـمينَ لعينِ

ومـكـابـدٌ سـمَّ الـعـدوِّ بــمــــهـــجــةٍ      تُـفـدى الـنـفوسُ لسرِّها المكنونِ

تـا اللهِ مـا هـذه الـخـطوبُ وان تكنْ      عظمتْ كيومٍ في الطفوفِ تريني

يـومٌ بـه سـبـطُ الـنـبــيِّ مــــــحـــمدٍ      أضـحـى بـقـلـبٍ مـكـمَدٍ محزونِ

نـزلَ الـطـفـوفَ بـفـتـيـةٍ مـن هـاشمٍ      هُـمْ خـيـرُ أنـصـارٍ وخـيـرُ بـنينِ

للهِ مـوقـفُـهــمْ بـعَـرصـــــةِ (كربلا)      فـيـه لـعـمـري شـابَ كـلُّ جـنينِ

وقـفـوا غـداةَ الـحـربِ شـبَّ لـهيبُها      فـكـأنـمـا هـيَ مـن لـظـى سجِّـينِ

حـتـى تـنـاهـبـتِ الـظُـبـا أشـلاءَهـم      وثووا ضحايا في وطيـسِ منـونِ

لـم يـبـقَ بـعـدهـمُ سـوى ابـنِ محمدٍ      يـدعـو ولا مِـن ناصرٍ ومـعـيــنِ

ظـنـتْ أمـيـةُ أن يَـخـيـبَ ويـنـثـنـي      يُـعـطـي الـمـقـادةَ ظائعاً بـيـمـيـنِ

فـاخـتـارَ أنْ يـلـقـى الـمـنـيـةَ بـاذلاً      لـلنفسِ دونَ الـديـنِ غيرَ ضـنـيـنِ

وهـوى فـدُكـدكـتِ الـجـبـالُ لأجـلِه      والأرضُ مارتْ والـسما بـرنـيـنِ

وثوى صريعاً في الصعيدِ ورهطُه      مـا بـيـن مـنحــورٍ وبـيـنَ طـعـينِ

بـأبـي مـعـرىَّ في محاني (كربلا)      مـلـقـىً بـلا غــسـلٍ ولا تـكـفــيـنِ

وكـرائـمَ الـمـخـتـارِ أضـحـتْ بعده      تهدى لـمـذمــومِ الـرواحِ لـعـيـــنِ

وسـرتْ عـلـى الأكـوارِ بينَ أمـيـةٍ      تـدعو وتـهـتـفُ في حـماةِ الـديــنِ

نهضاً فقد أسرَ الـطـلـيـقُ نـسـاءكم      من بعدِ ذاكَ الـخدرِ والتـحـصـيـنِ

محمد طاهر الصفار

..............................................................

1 ــ قال السيد جواد شبر عن بلدة ذي الكفل: (بلدة قائمة على ضفة الفرات اليسرى تقع في منتصف الطريق بين الحلة والكوفة، فيها مدفن نبي الله حزقيال المسمى ب‍ (ذي الكفل) وتعرف القرية في المعاجم القديمة ( بئر ملاحة ) ونقل الدكتور مصطفى جواد في مجلة الاعتدال السنة الرابعة عن مزارات السائح الهروي: قبر ذي الكفل وهو حزقيل النبي في موضع يقال له (برّ ملاحة) شرقي قرية يقال لها (قسونات) وبهذه القرية قبر باروخ استاذ حزقيل ومعلمه، وبها قبر يوسف الربان، واليهود يزورونه، وبها قبر يوشع وليس هذا ابن نون، وبها قبر عزرا وليس هذا عزرا ناقل التوراة الكاتب).

المرفقات

كاتب : محمد طاهر الصفار