انتهاك حقوق المرأة والطفل في واقعة عاشوراء ج2

موسوعة وارث الأنبياء

2018-12-21

119 زيارة

المحور الثاني: ما جرى من انتهاك لحقوق المرأة والطفل في واقعة عاشوراء

قبل الولوج في بيان ما جرى من انتهاك لحقوق المرأة والطفل في معركة كربلاء، لا بدّ من نظرةٍ إجمالية سريعة إلى العلّة التي من أجلها اصطحب الإمام الحسين عليه السلام  عياله إلى كربلاء؛ لما لهذا الموضوع من صلة وثيقة بالبحث، فيقال في ذلك:

 إنّ هناك عدّة تصوّرات ونظريات طُرِحَت لتحليل فعل الإمام الحسين عليه السلام  في ذلك، وإن كان لا بدّ من التركيز على أمرٍ في غاية الأهمّية أَلا وهو: إنّ العقول مهما بلغت من العلم وغارت فيه، فإنّها لا يمكنها الإحاطة التامّة بجميع الملاكات لفعل المعصوم، وخصوصاً إذا كان الفعل ضخماً وعظيماً، غيَّر مجرى التاريخ، وخطّ منهجاً قويماً للإصلاح والمصلحين على مدى الحقب. بل إنّما تُفسَّر مثل هكذا أفعال إلهية على قدر فهم الباحث وعقله، وما أُوتي من أدوات معرفية.

وعليه؛ فإنّ كلّ التصوّرات المحتملة التي قيلت في علّة اصطحاب الإمام الحسين عليه السلام  لأهله وعياله إلى كربلاء، إنّما هي تحليلات تكشف عن جانبٍ محدود من الملاك الواقعي لذلك الحدث الجم، وأنّى لنا أن نُدرك تمام الملاك لفعلٍ مأمورٍ به من قِبل الله تعالى، بصريح قول الإمام الحسين عليه السلام  «شاء الله أن يراهنّ سبايا»؟[73].

فتفسير ذلك الفعل بالواقع يرجع إلى تفسير علّة تلك المشيئة الإلهية. ومهما يكن من أمرٍ فإنّ أهمّ ما قيل في تفسير علّة اصطحاب الإمام الحسين عليه السلام  لعياله وعيال أبيه وأطفاله إلى ساحة المعركة هو:

إنّ الإمام الحسين عليه السلام  إنّما أخرجهم «لنظر سياسي وفكر عميق، وهو تكميل الغرض وبلوغ الغاية في قلب الدولة على يزيد، والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الإسلام وتعود الناس إلى جاهليّتها الأُولى...»[74].

وقيل: إنّ «الحسين لو أبقى النساء في المدينة لوضعت السلطة الأُموية عليها الحَجْر، لا بل اعتقلتها علناً، وزجّتها في ظلمات السجون، ولا بدّ له [أي: للحسين عليه السلام ] من أحد أمرين خطيرين كل منهما يشلّ أعضاء نهضته المقدّسة: إمّا الاستسلام لأعدائه وإعطاء صفقته لهم طائعاً، ليستنقذ العائلة المصونة.. وهذا خلاف الإصلاح الذي ينشده، وفرض على نفسه القيام به مهما كلّفه الأمر من الأخطار، أو يمضي في سبيل إحياء دعوته ويترك المخدرات اللواتي ضرب عليهنّ الوحي ستراً من العظمة والإجلال، وهذا ما لا تُطيق احتماله نفس الحسين الغيور...»[75].

وهناك أقوال أُخرى لا يهمّ التعرّض لها، ولكن مهما قيل في ذلك، فإنّنا إذا سلّمنا بكون إخراج العائلة كان أمراً قد أُمِرَ به الإمام الحسين عليه السلام ، فلا كلام، ولا حاجة بنا ـ كمتديّنين ـ أن نفسِّر الأمر الإلهي؛ إذ إنّ تمام علل الأحكام غير مكشوفة لكل أحد، وملاكات الأوامر والنواهي ليست شرعة لكل وارد، بل لا يعلمها إلّا الله والراسخون في العلم.

وعلى كل حال، فقد لعب وجود عيال الإمام الحسين عليه السلام  دوراً جبّاراً في وصول صوت عاشوراء إلى الأجيال، ولعلَّ وجودهم ونقلهم للكثير من الحقائق في ذلك اليوم العصيب، وعدم إرادة الإمام الحسين عليه السلام  أن يكون أعداؤه وقاتلوه هم مَن يصوغ تاريخ نهضته، هو أحد الملاكات لإحضار العائلة الكريمة في ذلك اليوم الرهيب، وكذا الحفاظ على حياة الإمام السجاد عليه السلام ، وفضح يزيد وأتباعه، و... فمن الممكن أن تجتمع كل الملاكات المتصوَّرة وتشكّل علّة أو جزء علّة لهذا الفعل المعصومي العظيم.

أمّا في خصوص البحث عن المحور الثاني، فلا شكّ ولا ريب في أنّ ما جرى في يوم عاشوراء من أحداث جسام يصعب استقصاؤه والإحاطة بجزئياته، فالحدث حدث مهول تراجعت فيه كل القيم الإنسانية ـ من قِبَل المعسكر المعادي للإمام الحسين ـ حتى عُدَّت المقايسة بين أُولئك الظلمة، والوحوش الضواري ظلماً لتلك الوحوش؛ إذ إنّها إن أرادت الافتراس اكتفت بفريسة واحدة لسدّ جوعتها، أمّا أُولئك فقد أعمتهم الدنيا، والخوف، والجبن، والدناءة والحقد، حتى أضاعوا سبب القتل، فنراهم لم يحيروا جواباً حينما سألهم الإمام الحسين عليه السلام  عن سبب مقاتلتهم له بعد ما ذكّرهم بجده وجدّته وبأُمّه وأبيه عليهم السلام ، وذكّرهم بفضائل أبيه، ثم قال مخاطباً لهم: «فبِمَ تستحلّون دمي وأبي عليه السلام  الذائد عن الحوض، يذود عنه رجالاً كما يُذاد البعير الصادر عن الماء، ولواء الحمد في يد أبي يوم القيامة؟!». قالوا: «قد علمنا ذلك كلّه، ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً»[76]، فأين الوحوش الضواري من أُولئك؟!

وسنحاول فيما يلي استعراض أبرز الانتهاكات البشعة التي جرت على النساء والأطفال في يوم عاشوراء، والتي ناقضت كل القيم والأعراف الإنسانية والقوانين الإلهية، مراعين التسلسل التاريخي للأحداث:

1- قطع الماء عن عيال معسكر الإمام الحسين عليه السلام

لما نزل الإمام الحسين عليه السلام  أرض كربلاء بمعيّة عسكره وعياله وعيال أصحابه[77]، وبعد مداولات وكُتُبٍ بين عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد، ورد كتاب عبيد الله بن زياد فيه: «حُلْ بين الحسين وأصحابه وبين الماء، فلا يذوقوا منه قطرة...»[78]. وأضاف الشيخ المفيد رحمه الله  قائلاً: «فبعث عمر بن سعد في الوقت عمرو بن الحجاج في خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة، وحالوا بين الحسين وأصحابه، وبين الماء أن يستقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيام، ونادى عبد الله بن الحصين الأزدي... بأعلى صوته: يا حسين، ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السماء، والله، لا تذوقون منه قطرة واحدة حتى تموتوا عطشاً...» [79].

فالملاحظ أنّ الحصار ومنع الماء استمر ثلاثة أيام، وعبيد الله بن زياد وجنده يعلمون أنّ في معسكر الإمام الحسين عليه السلام  نساءً وأطفالاً، ومع ذلك فقد أمعنوا بهذه الجريمة المخزية عرفاً وقانوناً إلهياً ووضعياً، فكانت حرب إبادةٍ جماعية بالمقاييس الحديثة.

 فأين هذا الفعل من فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام  في صفين حينما استولى معاوية وجنده على الفرات وحاولوا منع جيش الإمام علي عليه السلام  منه، فقاتلهم عليه السلام  وكشفهم وأزالهم عن الماء، فلمّا أرادوا أن يستقوا، حاول بعض أفراد جيش الإمام علي عليه السلام  أن يمنعوهم الماء، فنهاهم أمير المؤمنين عليه السلام  عن ذلك، وسمح لجيش الشام بالتزوّد من الماء[80]، بل هذا هو عين فعل الإمام الحسين عليه السلام  حينما عطش جيش الحر بن يزيد ـ وكانوا ألف فارس ـ في وسط الصحراء، وكان الإمام الحسين عليه السلام  يعلم سبب مجيئهم، وأنّهم أنما بُعثوا لحصاره والتشديد عليه، لكن لم يمنعهم الماء، وسقاهم وخيلهم أجمعين[81]، علماً أنّ كلتا الحادثتين لم يكن فيهما نساء أو أطفال، بل كانوا جنوداً مقاتلين، أما فيما نحن فيه فالكل قد علم أنّ العطش قد بلغ بمعسكر الإمام الحسين عليه السلام  ـ بما فيهم النساء والأطفال ـ إلى حالٍ قد أشرفوا فيها على الهلاك، فهذا الحسين عليه السلام  في ساعاته الأخيرة يأمر أخاه أبا الفضل العباس عليه السلام  أن يطلب قليلاً من الماء للأطفال، حينما سمعهم ينادون: العطش العطش[82]. بل وصفهم أحد أصحاب الحسين عليه السلام  في محاورته مع أحد الأعداء بأنّهم يموتون عطشاً[83]. فأين ذهبت فطرة أُولئك الأشرار وفطرة قادتهم؟! بأيّ قانون كانوا يعملون؟! وبأيّ شرعةٍ تُحرَم أمٌّ مرضع من الماء ثلاثة أيام هي ورضيعها، فيجفّ صدرها من اللبن، ويروّع رضيعها من العطش، فيُخرجه أبوه ليطلب له الماء، فيُجاب بدل الماء بسهمٍ ينحر ذلك الرضيع من الوريد إلى الوريد؟![84].

2- الإرهاب والتخويف

وهذا المعنى يشتمل في طياته على عدّة مفردات كلّها تُدلّل على سياسة ممنهجة اتُّبِعَت من قِبل بني أُمية بحق الإمام الحسين عليه السلام  ومَن معه، بما فيهم الأطفال والنساء، ومن تلك المفردات:

أ التضييق والحصار العسكري: فلم يكد الإمام الحسين عليه السلام  أن يصل إلى الغاضرية حتى وصل كتاب من عبيد الله بن زياد، يأمر فيه الحر بن يزيد الرياحي أن يُضيِّق على الحسين عليه السلام  وأصحابه[85]، وكانوا يمنعونه تارة ويسايرونه أُخرى، ولا شكّ في أنّ حصار الجند المدجَّجة بالسلاح، مع تعدادهم الكبير وقعقعة أسلحتهم لمعسكرٍ فيه نساء وأطفال هو من أشدّ مصاديق التخويف والإرعاب، ثم استمرّ منهج الإرعاب ذاك ولم ينتهِ حتى مع استشهاد الإمام الحسين عليه السلام  وأصحابه، وكانت الصورة تزداد بشاعة منذ الثاني من محرّم؛ لأنّ أعداد الجند وقعقعة السلاح وطبول الحرب وأصوات الخيل كلّها أُمور مرعبة بحقّ النساء والأطفال، وقد اعترف أحد قادة الجند التائبين ـ وهو الحرّ بن يزيد رحمه الله  ـ بذلك الإرهاب والإرعاب؛ إذ يقول في ساعة توبته أمام الإمام الحسين عليه السلام : «اللّهم إليك أنبت فتُب عليَّ؛ فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد بنت نبيّك»[86].

ب محاولات الاعتداء على خيم النساء: فقد وصلت الخسّة والدناءة بعُمر بن سعد قائد جيش ابن زياد إلى حدٍّ أمر فيه بتخريق خيم الإمام الحسين عليه السلام  وأصحابه ـ على ما نقله لنا البلاذري ـ قال: «وأمر عمر بتخريق أبنيتهم وبيوتهم فأخذوا يخرقونها برماحهم وسيوفهم، وحمل شمر في الميسرة حتى طعن فسطاط الحسين برمحه ونادى: عليَّ بالنار حتى أُحرق هذا البيت على أهله. فصحن النساء وولولن وخرجن من الفسطاط، فقال الحسين عليه السلام : ويحك! أتدعو بالنار لتُحرق بيتي على أهلي!! وقال شبث بن ربعي [لشمر]: يا سبحان الله! ما رأيتُ موقفاً أسوأ من موقفك، ولا قولاً أقبح من قولك. فاستحيا شمر منه»[87]. فكانت حرب ذلك اليوم حرباً بلا حدود عند عسكر عمر بن سعد وابن زياد، وكأنّهم تعاقدوا على إسقاط كل القيم، إنسانية كانت أم إلهية أم قومية أم غيرها، وللمتصوِّر أن يتصوّر كم من الرعب الذي داخَلَ قلوب النساء والأطفال جراء تلك الأعمال اللاإنسانية؟!

ج قطع الرؤوس ورفعها أمام أعين النساء والأطفال: إذ لم يكتفِ عمر بن سعد وجيشه بقتل المقاتلة من جيش أبي عبد الله عليه السلام ، بل: «وأمر ابن سعد برؤوس الباقين من أصحاب الحسين عليه السلام  وأهل بيته فقُطعت، وكانت اثنان وسبعون رأساً، وسرّح بها مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج، فأقبلوا حتى قدموا بها على ابن زياد...»[88].

وللمتأمّل أن يسرح بخياله ليرى عظم الجريمة وبشاعتها؛ عندما يُرفَع رأس إنسان أمام ذويه وأطفاله ونسائه قرابة الشهرين من الزمان يرونه ماثلاً أمامهم كل صباح ومساء!! وما عسى الواصف أن يقول في مثل هذه المأساة.

3- الضرب

فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام  قوله: «سألتُ أبي علي بن الحسين عن حمل يزيد له، فقال: حملني على بعير يطلع بغير وطاء، ورأس الحسين عليه السلام  على عَلَم، ونسوتنا خلفي على بغال أكفٍ[89]، والفارطة[90] خلفنا وحولنا بالرماح إذا دمعت من أحدنا عين قُرع رأسه بالرمح...»[91]؛ وهذا يعني أنّ أيّ باكٍ يبكي سواء أكان طفلاً أم امرأة فإنّه يُضرَب بالرمح على رأسه لمجرد بكائه، فأيّ طغيان هذا؟! والبكاء أمرٌ لا إرادي.

4- القتل

لم يسلم النساء والأطفال في يوم عاشوراء من القتل؛ إذ إنّ الأعداء فعلوا ما هو أشنع وأقبح من القتل، فقد مثّلوا بالجثث وسحقوها بالخيل وقطعوا الرؤوس و... ولذا لم يُعدّ قتل النساء والأطفال أبشع أعمالهم، وفعلاً فقد قاموا بقتل زوجة عبد الله بن عمير الكلبي وهي أُمّ وهب النمرية؛ قُتِلَت لأنّها وقفت على جسد زوجها وقالت: «أسأل الله الذي رزقك الجنة أن يصحبني معك». فقتلها رستم وكان عبداً لشمر بن ذي الجوشن[92].

أمّا من الأطفال الذين لم يبلغوا الحُلم فقد قُتل منهم سبعة، خمسة مع الإمام الحسين عليه السلام ، وهم:

•عبد الله الرضيع عليه السلام ، ابن الإمام الحسين عليه السلام ، وكان عمره ستة أشهُر.

•عبد الله بن الحسن السبط عليه السلام ؛ فإنّه خرج وعمّه الحسين عليه السلام  في ساعاته الأخيرة، خرج يشتد وهو يقول: «لا والله، لا أُفارق عمّي». فرماه حرملة بن كاهل بسهم وذبحه وهو في حجر عمّه الحسين عليه السلام [93].

•القاسم بن الحسن السبط عليه السلام ، وهو أيضاً غلام لم يبلغ الحُلم بعدُ، قاتل مع عمّه الحسين عليه السلام  حتى استُشهد.

•محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب، وهو طفل صغير قُتِلَ بعد مصرع عمّه الحسين عليه السلام .

•عمرو بن جنادة الأنصاري، وكان ابن إحدى عشرة سنة، وهو الذي قال بحقه الإمام الحسين عليه السلام : «هذا شابٌّ قُتِلَ أبوه ولعلّ أُمّه تكره خروجه»[94]. فقال: أُمّي أمرتني يا بن رسول الله [95]... ثم قاتل فقُتِلَ، وحُزّ رأسه ورُمي به إلى عسكر الحسين.

واثنان بعد الواقعة، وهم إبراهيم ومحمد ولدَيْ مسلم بن عقيل، قُتِلا بعد أن سجنهما ابن زياد سنة كاملة بلا ذنب ارتكباه.

5- السلب والنهب

إنّ أعداء الإمام الحسين عليه السلام  لم يتركوا موبقة إلّا وفعلوها، فكانوا متعطّشين لفعل كل ما هو مشين، فقد نقل لنا الشيخ الصدوق في أماليه بسنده، عن عبد الله بن الحسن المثنّى، عن أُمّه فاطمة بنت الحسين عليه السلام  قالت: «دخلت الغاغة[96] علينا الفسطاط وأنا جارية صغيرة، وفي رجلي خلخالان من ذهب، فجعل رجل يفضّ الخلخالين من رِجْلي وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا عدو الله؟! فقال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟! فقالت: لا تسلبني. قال: أخاف أن يجيء غيري فيأخذه. قالت: وانتهبوا ما في الأبنية حتى كانوا ينزعون الملاحف عن ظهورنا»[97].

وروي عن حميد بن مسلم، قال: «رأيت امرأة من بكر بن وائل، كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد، فلمّا رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين عليه السلام  في فسطاطهن وهم يسلّبونهن، أخذتْ سيفاً وأقبلتْ نحو الفسطاط وقالت: يا آل بكر بن وائل، أتُسلب بنات رسول الله؟! لا حكم إلّا لله، يا لثارات رسول الله. فأخذها زوجها وردّها إلى رحله». وفي رواية: «إنّهم أشعلوا النار في الفسطاط، فخرجن منه النساء باكيات مسلّبات»[98].

يحقّ للغيور هنا أن يبكي بدل الدموع دماً، وخصوصاً إذا وقف على جملة اقتحموا على نساء الحسين فسطاطهن. فهذا التعبير ـ بالميزان الدقيق ـ ليس بالهيّن، فما معنى دخول رجال غرباء على نساء هنَّ رمز الفضيلة والعفاف والشرف؟! دخولهم عليهن عنوة وسلبهم إياهن! ثم إحراق خيمتهن فيما بعدُ!

6- السجن

لم يكتفِ أُولئك الأوغاد بكل ذلك، وأنى للذئب أن يكتفي من الولوغ بالدماء؟! فما أن وصل ركب سبايا أهل البيت عليهم السلام  ومَن معهم إلى الكوفة أمر ابن مرجانة جنده بأن يغلّوا الإمام زين العابدين عليه السلام  ويقيدوه ويودعونه السجن مع السبايا من النساء والأطفال[99].

7- المعاملة الهمجية البعيدة كل البُعد عن قيم الإسلام

ومفردات هذه المعاملة التي تنمّ عن عدم النُّبل ممّا لا يُحصى، فمنها: إدخال السبايا ـ وهنَّ بنات الرسالة ـ مكشَّفات الوجوه إلى دمشق[100]، ثمّ إيقافهم في مكانٍ يُشرف عليه عامة الناس ليتصفّح وجوه النسوة الزكيات كل شارد ووارد [101]، بل إنّ إخراجهنّ من الكوفة تمَّ بصورة لا تليق بشأن المرأة المسلمة، فضلاً عن بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فقد وصفها أرباب التاريخ والعلماء بقولهم: «ومعهم الأجناد يحيطون بهم، وقد خرج الناس للنظر إليهم، فلما أُقبِلَ بهم على الجِمال بغير وطاء، جعل نساء الكوفة يبكين»[102].

فإهانة المؤمن وإذلاله وأذيّته كلّها من الموبقات الكبيرة والأفعال القبيحة عرفاََ وعقلاً، فكيف إذا فُعِلتْ تلك الكبائر مع أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ونسائه اللواتي هنَّ من أطهر نساء أهل الأرض؟!

كل ما مرَّ كان صوراً مقتضبة على عجالة من مأساةٍ عارمة سوَّدت وجه الإنسانية، ووصمت التاريخ بعارها، وإلّا فيمكن لمن أراد الاستزادة وسبر أغوار التاريخ أن يستخرج ما هو أبشع من ذلك.

فهل انتهت تلك الانتهاكات؟! أم ما زال أُمويّو العصر، وأتباع ابن مرجانة في يومنا هذا يقومون بنفس الدور الذي قام به أسلافهم من قبلُ؟! ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾[103].

  

 الكاتب: الشيخ محمد جليل الكروي القيسي

مجلة الإصلاح الحسيني – العدد التاسع

مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

________________________________________

[73] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص40.

[74] نسب هذا القول الشيخ باقر شريف القرشي للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. اُنظر: حياة الإمام الحسين عليه السلام : ج2، ص298.

[75] نسب هذا القول الشيخ باقر شريف القرشي للعلّامة عبد الواحد المظفّر. اُنظر: حياة الإمام الحسين: ج2، ص300.

[76] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص53.

[77] كان ذلك يوم الخميس الموافق لليوم الثاني من محرّم الحرام سنة إحدى وستّين. اُنظر: المفيد، الإرشاد، ج2، ص84.

[78] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص84.

[79] المصدر السابق: ص87.

[80] اُنظر: المنقري، نصر بن مزاحم، وقعة صفين: ص163.

[81] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص78.

[82] اُنظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص42.

[83] المصدر السابق: ج44، ص388.

[84] نقل القندوزي: أنّ الحسين عليه السلام  قال لأعدائه: «يا قوم، لقد قتلتم أصحابي وبني عمّي وإخوتي ووُلدي، وقد بقي هذا الطفل، وهو ابن ستة أشهُر، يشتكي من الظمأ فاسقوه شربة من الماء. فبينما هو يخاطبهم، إذ أتاه سهم فوقع في نحر الطفل فقتله». القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودّة: ج3، ص78. واُنظر أيضاً: محمد تقي خان، ناسخ التواريخ: ج2، ص364.

[85] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص47.

[86] المصدر السابق: ص62.

[87] البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3، ص194.

[88] الأمين، محسن، لواعج الأشجان: ص196.

[89] أكف: جمع إكاف: شبه الرحال أو البرذعة من غير سرح.

[90] الفارطة: الجلاوزة.

[91] ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ص9، وص89.

[92] اُنظر: السماوي، محمد، إبصار العين في أنصار الحسين: ص227.

[93] ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص72.

95 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج45، ص27.

[95] المصدر السابق.

[96] الغاغة: الكثير المختلط من الناس.

[97] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص229.

[98] الأمين، محسن، لواعج الأشجان: ص194.

[99] اُنظر: الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص229.

[100] المصدر السابق.

[101] المصدر السابق.

[102] الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ص91.

[103] القمر: آية 4ـ5.

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً