طرق النصيحة وأساليبها

لا يخفى على المتأمل في تعاليم الإسلام ما للنصح والتناصح من أهمية في الحفاظ على المجتمع الإسلامي من الانحرافات الدينية والاخلاقية؛ لذلك فلابدّ من وجود موجِّه يوجِّه المجتمع نحو ما صلُح من الأفعال والأقوال.

وتقديم النصيحة واجب ومسؤولية تقع على عاتق كلّ شخص بالغ عاقل للحفاظ على قيم وعادات المجتمع وحمايته من الانحراف التطرف... لذا نرى ان الإسلام حثَّ على النصح و التناصح, حيث روي عن رسول صلى الله عليه وآله أنّه قال: «الدين النصيحة », وتختلف أنواع النصيحة وأساليبها بما يتناسب مع الحال, و نجد أنَّ القرآن الكريم قد قدّم لنا مثالاً متكاملاً من أساليب النصح والتوجيه الصحيح,  فالنصح ليس من أي أحد, ولا يتقّبله أي أحد؛ لذلك تتطلب النصيحة أساليب ومهارات وطرق للأقناع, فالنبي صلى الله عليه وآله يمثّل لنا نموذجا يقتدى به, قال الله تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }(سورة الأحزاب 21), فرسول الله صلى الله عليه وآله قدوة لنا, نتّبع أساليبه وكلامه وتعاليمه وهذا هو أول اسلوب من أساليب النصح ألا وهو الإقتداء, والاقتداء غريزة موجودة في ذات الإنسان فكلّ إنسان محتاج لتقليد أفعال شخص قد سبقه بتجربة, فيراه قدوة له, فيحاول محاذاته وتقليده؛ لذلك وجب على كلّ إنسان أنْ يهذّب نفسه ويربيها ويعودها على الخير, فحتماً هناك من يعتبره قدوة, إما قدوة للخير او قدوة للشر, قال الرسول الاكرم صلى الله عليه واله :(من سنّ سنّة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة, ومن سنّ سنّة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) لذا فالحذر الحذر ...

هذا، وانّ مراقبة النفس والاعمال وترك الرياء والتبجح, له اثر واضح في تأثر النفس مما يؤدي إلى قبول النصيحة برحابة صدر وسعة بال ,فعمل الناصح بغير ما ينصح به كالمرائي الذي يقول بما لا يعمل, روي عن الامام عليّ عليه السلام قوله :( من نصح نفسه كان جديرا بنصح غيره ).

وأما الأسلوب الثاني فهو اسلوب طرح الأمثال والعبر و هذا الاسلوب – كما لا يخفى - له الاثر البالغ على النفس وسلوكيات الفرد, لأنه اسلوب واضح وسهل الفهم ,ذو غاية وحكمة , يستوعبه العقل ويستدركه, ويؤثر في المتلقي من دون احراج وتجريح , ونجد هذا الاسلوب واضحاً متجلياً في القرآن الكريم في قوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ } (سورة إِبراهيم 24), وقوله تعالى: { وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ } (سورة إِبراهيم 26)

وكذلك اسلوب القصة وذلك لكثرة ميل الأفراد إليها وانشدادهم نحوها عند سماعهم لها, سواء كانوا أطفالاً أو بالغين؛ لما تتميز به القصة من اسلوب تصويري هو أقرب إلى الأذهان وأفصح في البيان, وأقوى تأثيرا في النفوس, وكان العرب قديما في أغلب الاحيان يتداولون كلامهم بأسلوب قصصي , وهو اسلوب تكرر بكثرة  في القران الكريم, من قبيل قوله تعالى : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ } (سورة يوسف 3) وقوله تعالى { وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } (سورة هود 120).                           

ومن تلك الأساليب أيضاً اسلوب الترغيب والترهيب والحوار والمناقشة,  واسلوب الاقناع المباشر و غيرها ... ونسلط الضوء هنا على نكتةٍ مهمة وهي ان النصيحة -كما هو معلوم - هي كلمة طيبة ممزجة بحب الخير للآخرين, والكلمة الطيبة صدقة كما جاء ذلك في وصية رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي ذر الغفاري, قوله: (يا ابا ذر الكلمة الطيبة صدقة), وفي النبوي الصادقي ( عليه السلام ) : (أفضل الصدقة صدقة اللسان تحقن به الدماء ، وتدفع به الكريهة ، وتجر المنفعة إلى أخيك المسلم).

 والنصح سرا أعظم أجرا وأقوى أثرا؛ لعدة امور, منها :

1 - عدم احراج المعني بالنصح .

2 - انه يمنع دخول الرياء الى قلب الناصح.

 فهنا الأمور عينها مع المتصدّق الذي حثّ الشارع على أن تكون صدقته سرا, فالنصح علانية قد يصحبه تجريح وكشف للعيوب, وان اقتضت الحاجة إلى النصح ان يكون علانية فيحبّذ عندئذ اسلوب التلميح بدلاً عن التصريح فانه أفضل واقوم ... واختم بقوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ }.

 

الكاتبة: آيات مهدي

المرفقات